الرئيسيةعلوم عسكريةالعصابات المسلحة والمتمردون

العصابات المسلحة والمتمردون

إن حرب العصابات هي السلاح الطبيعي للطرف الأضعف استراتيجيًا في النزاع، فبدلاً من أن تخاطر العصابات المسلحة بإبادة قواتها في معركة مكتملة ا{كان أمام خصوم أفضل تسليحًا وأكثر عددًا، تشن ما سماه تابر “حرب البراغيث”، مستخدمة أساليب وأوقاتًا وأماكن من اختيارها،  وساعيةً على الدوام إلى الاستفادة من الميزة التكتيكية الكبرى لديها؛ عنصر المفاجأة. وهذه إحدى السبل الكلاسيكية للحرب، وتكاد تكون قديمة قدم تاريخ المجتمع البشري.

 

أحد الدروس المهمة المستفادة من التاريخ الحديث لحروب العصابات – كما أوضحت دراسة رائعة لوالتر لاكور تحت عنوان “العصابات المسلحة” – هو أنها لا تكون وسيلة كافية في حد ذاتها أبدًا لإحراز النصر. فقد عندما يستهين الطرف المناوئ لتلك العصابات بالتهديد الذي تمثله، أو يعجز عن تخصيص موارد لائقة للصراع، يكون لدى العصابات المسلحة فرصة لتحقيق أهدافها السياسية بعيدة المدى دون أي مساعدة.

 

وفي معظم الحالات الواردة في القرن العشرين، ارتبطت حروب العصابات الدائرة على نطاق واسع بالحروب الثورية؛ أي كفاح يدور بين حركة من غير الدول (تحظى في بعض الحالات بمساعدة دولة ما أو رعايتها) وحكومة من أجل الحصول على السيطرة السياسية والاجتماعية على شعب يقيم على أرض تابعة لدولة قومية ما.

 

ومعظم الحروب الثورية (على سبيل المثال: في الصين وفيتنام وكمبوديا) مرت بمرحلة حرب العصابات، وتطورت في النهاية إلى معركة حاسمة بين قوتين مسلحتين تقليدتين، إلا أن الأدلة الواردة عن معارك العصابات المسلحة والحروب الثورية في أمريكا اللاتينية – حيث جرت محاولات عدة لمضاهاة نجاح ثورة فيديل كاسترو القائمة على حرب العصابات في كوبا – تبين أنه أينما بذلت جهود مثابرة وضارية بهدف قمعها، وفشل الثوار في كسب دعم جماهيري كبير ودائم، باءت حمىت العصابات المسلحة بالفشل.

 

بيد أنه يخطئ خطأً فادحًا من يخلص إلى أن حرب العصابات عفى عليها الزمن نتيجة للتطورات الحادثة في التكنولوجيا العسكرية وفي مكافحة التمرد، فما زالت حرب العصابات تظهر فعالية في تقييد أعداد كبيرة من قوات الأمن، وفي إزعاج الحكومة وتعطيل الاقتصاد ، وهي تشكل تهديدًا خطيرًا بصورة خاصة على الحكومات الضعيفة وغير المستقرة في المجتمعات المفككة، وقد أسفرت حركات التمرد المطولة في العراق – حيث اقتربت هجمات العصابات على قوات التحالف المسلحة في الريف والحضر بهجمات إرهابية كبرى ضد السكان المدنيين – عن مقتل المئات من أفراد قوات التحالف، والجيش والشرطة العراقيين الجديدين،  وآلاف المدنيين.

 

وسيكون على وزير الخارجية البريطاني حديث التعيين أن ينقل تلك الدروس إلى زملائه في مجلس الوزراء، وإلى نظرائه في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول الأعضاء في حلف الناتو، على أمل ألا ينخدعوا مجددًا، مستهينين بالتحديات التي تمثلها كبرى صور التمرد والإرهاب في النزاعات القادمة، وبتداعياتها على العلاقات الدولية. فسيكون لتبعات قيام حرب أهلية في العراق، واحتمال حصول القاعدة على نقطة انطلاق جديدة في قلب الشرق الأوسط؛ عواقب وخيمة بالفعل على الأمن والاستقرار الدوليين.

أضف تعليق