الرئيسيةمقالاتإدلب … معركة التحرير المرتقبة

إدلب … معركة التحرير المرتقبة

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

تئنّ محافظة إدلب تحت وطأة مرتزقة هيئة تحرير الشّام (جبهة النصرة سابقاً)، بعد أن طردت الهيئة كافة التنظيمات المسلّحة منها، والتي شاركتها في انتزاعها من قبضة النظام إبّان ما كان يسمّى بـ”جيش الفتح” في 10/04/2015 وبدعم واضح من القوى الإقليميّة وخاصّة تركيّا وقطر والسعوديّة.

دول إقليميّة ساهمت في سيطرة مرتزقة النصرة على إدلب

تعود إدلب الآن إلى واجهة اهتمامات القوى الإقليميّة والدوليّة الضالعة في الأزمة السّوريّة، لتكون مثار نقاشات وخطط يُعِدُّ لها كلّ طرف، ليسوّق مبرّراته التي تمنحه الحقّ في السيطرة عليها – حسب ظنّه – دون الأخذ بعين الاعتبار ما يعانيه أهلوها من عذابات تحت نير المرتزقة.

المرحلة التي تلت سيطرة مرتزقة النصرة على إدلب، لم تكن وليدة الصدفة، حيث كان لدول إقليميّة عديدة دور فيها، فالسعودية التي تمكّنت من استمالة مرتزقة أحرار الشّام، وإبعادها نوعاً ما عن تركيّا، كانت القشّة التي قصمت ظهر التعاون بين أحرار الشّام والهيئة، وأدركت الأخيرة ما يُخطّط لها، فعمدت إلى إخراج الأولى، وبالقوّة، معلنة مرحلة جديدة من الصراع على إدلب. وهو ما كان له الدور الأساسيّ في زيادة الاهتمام الإقليميّ والدوليّ بها، لجهة ضرورة إنهاء تواجد تنظيم القاعدة فيها متمثّلاً بهيئة تحرير الشّام.

جوهر التوجّه التركيّ؛ محاصرة فيدراليّة شمال سوريّا

وجدت تركيّا نفسها بعيدة عمّا يُخطّط لإدلب في أروقة الدول الفاعلة في الأزمة السّوريّة، فعمدت إلى طرح رؤيتها حول مستقبل إدلب، وبما يتناقض مع ما أقرّته هي والدول الراعية لاجتماعات أستانه، حيث تقرّر بأن تكون إدلب ضمن ما سمّي “بمناطق خفض التوتّر” وبإشراف الدول الثلاث (روسيّا، إيران وتركيّا)، غير أنّه وبعد استبعاد كلّ من إيران وتركيّا من معادلة “مناطق خفض التوتّر”، رأت تركيّا بأنّها خرجت خالية الوفاض من أيّة ترتيبات تُعِدّ لها القوى الدوليّة بشأن مستقبل سوريّا عموماً وإدلب خصوصاً، فشرعت بوضع السيناريو تلو الآخر، في مسعى لتثبيت دورها في المشهد السّوريّ، وإعادة الاعتبار لنفسها، بعدما خسرت ثقة حتّى المعارضة التابعة لها.

وجوهر التوجّه التركيّ الجديد يتمحور حول محاصرة فيدراليّة شمال سوريّا الوليدة، تحت مزاعم وحجج واهية.

“سلّة” تنازلات تركيّة

طرح المسؤولون الأتراك “سلّة” جديدة من التنازلات، ولعدّة أطراف، في مسعى قطع الطريق على التمدّد الفيدراليّ في شمال سوريّا، فأعلنت قبولها بترويض الفصائل العسكريّة المسلّحة والضغط عليها لتعمل مع قوّات النظام “لمحاربة الإرهاب”، وتالياً إفراغ إدلب من كافة الفصائل الموالية لها، وإفساح المجال لعمليّة عسكريّة تقودها كلّ من أمريكا وروسيّا ضدّ مرتزقة النصرة في المحافظة، دون اشتراط مشاركتها، وكذلك انسحابها من المناطق التي احتلّتها في آب العام الماضي في شمال سوريّا (من جرابلس إلى إعزاز)، كلّ هذه التنازلات مقابل السماح لها باحتلال عفرين.

اللعبة القديمة – الجديدة التي تسوّق لها تركيّا بخصوص إدلب لم تقنع أحد الأطراف، لا أمريكا ولا ورسيّا، فبعد أن حشدت تركيّا قوّاتها على الحدود مع إدلب، وأطلقت التهديد والوعيد باجتياحها، أقلعت عن الفكرة، وتجرّعت كأس السمّ هذه المرّة أيضاً، ولتبقى تهديداتها مجرّد بالونات سرعان ما انفقعت دون أن تحدث حتّى ولو صوتاً. حيث أن أيّ مغامرة تركيّة بدخول إدلب، لن يفسّر سوى أنّها – أي تركيّا – تمدّ طوق النجاة لمرتزقة النصرة، التي أعلنت هي الأخرى عن استعدادها لمواجهة الجيش التركيّ، غير أنّ هذا التصريح المبطّن يُراد منه ذرّ الرّماد في العيون والالتفاف على الاجماع شبه الدوليّ على قرب بدء عمليّة تحرير إدلب من إرهابها، على غرار ما يجري في الرّقّة مع شقيقتها الإرهابية “داعش”، والتغطية على التعاون والدعم الذي تتلقّاه النصرة من تركيّا، حيث وبعد أن أغلقت معبر باب الهوى أمام المساعدات، أعادت فتحه وباتت كافة المساعدات العسكريّة واللوجستيّة تتدفّق – وبسلاسة – إليهم من تركيّا. الأمر الآخر الذي يؤكّد على استمراريّة هذا التعاون، هو أنّ

الاستثمار في موضوع اللاجئين

المحور التركيّ – القطريّ – تنظيم القاعدة متمثّلاً بجبهة النصرة، مازال متماسكاً رغم المعارضة السعوديّة والخليجيّة له، والأزمة القطريّة لم تؤثّر في تشتيت عُرى هذا التعاون الذي يتجلّى في تقوية عضُد النصرة في إدلب، واحتمال تغذيتها بنسغ النجاة أمام الضربة المزمع أن توجّه لها كلّ من روسيّا وأمريكا. فيما يسيل اللعاب التركيّ مرّة أخرى للاستثمار ثانية في موضوع اللاجئين المتوقّع نزوحهم من محافظة إدلب إذا ما بدأت حملة عسكريّة ضدّ المرتزقة فيها، حيث أعلن أكثر من مسؤول تركيّ أنّهم غير مستعدّين لاستقبال أعداد إضافيّة من اللاجئين على أراضيهم، وكأنّهم يغمزون من قناة وضع ملفّ اللاجئين ثانية على الطاولة لابتزاز الدول الأوروبيّة، كما فعلتها سابقاً.

بلع السكّين على الحدّين

كما أنّها أكدت لإيران استعدادها للتنازل عن إدلب والشّمال السّوريّ، مقابل مساعدتها في لجم فيدراليّة شمال سوريّا، وسرعان ما تبيّن أن ما يفرّق كلا البلدين، تركيّا وإيران، أكثر مما يجمعهما، وتنصّلت إيران من ذلك الاتّفاق “الشفهيّ” الذي أجرته معها أثناء زيارة رئيس الأركان الإيرانيّ لتركيّا قبل أيّام، لأنّ إيران تسعى للتوافق مع المجتمع الدوليّ وخاصة في ملفّها النووي الذي أعادت إدارة ترامب إثارته بعد استلامه قيادة أمريكا.

تركيّا اليوم أمام خيارين اثنين، أحلاهما مرّ؛ إما أن تسحب يدها من الملفّ السّوريّ نهائيّاً وتترك مصيرها لشعبها وحركاتها الوطنيّة والديمقراطيّة لتقرّره، أو تخوض غمار عمليّة عسكريّة متهوّرة في إدلب وفي مقاطعة عفرين وهي خاسرة سلفاً، حيث ستكون أكلافها السياسيّة والعسكريّة باهظة جدّاً على الجيش التركيّ والقيادة السياسيّة، من حيث كمّ الخسارات التي تنتظرها في الطرفين، علاوة على إخلالها بالتوازنات التي فرضتها القوى الكبرى، وهو ما لن تسمح به إطلاقاً، مثلما حدث في معركة الرّقّة، وبكلتا الحالتين، ستكون قد بلعت السكّين على الحدّين.

عجز قوّات النظام عن خوض معركة تحرير إدلب

أمريكا وروسيّا، وبعد تجربتهما مع تركيّا في الشّمال السّوريّ، وخاصّة في المناطق التي احتلّتها في جرابلس وإعزاز والباب، فقدت الثقة كاملة بتركيّا من أن تلعب دوراً إيجابيّاً في الأزمة السّوريّة، أو في أن تعمل بشكل جدّي في محاربة الإرهاب، ولم تجد البديل “المعتدل” في المعارضة التي احتضنتها ورعتها تركيّا، وتبيّن لها، وبالدليل القاطع أنّ كافة الفصائل العسكريّة التي تدعمها تركيّا جميعاً تدور في فلك الحركات الإرهابيّة المتطرّفة، بما فيها حركة الإخوان المسلمين، والتي هي الحركة الأم لولادة كافة التنظيمات الإرهابيّة التي اشتقّت منها، فحتّى تلك الفصائل التي درّبتها أمريكا على الأراضي التركيّة، كانت مرتبطة وتابعة للنصرة والإخوان المسلمين.

من جانبها قوّات النظام، غير قادرة على تحرير هذه المحافظة من براثن إرهاب النصرة، فالانتصارات الجزئيّة التي حقّقتها لم تكن سوى بالاعتماد على الميليشيّات المتحالفة معها، وكذلك مشاركة روسيّا، إضافة إلى التوافقات التي حصلت على الأرض، عبر استسلام فصائل عديدة لها، كما حصل في حلب مروراً بحمص وغوطة دمشق، وأخيراً في جرود عرسال بين لبنان وسوريّا.

قسد وحدها مؤهّلة لقيادة المعركة

رحلة البحث الدوليّة عن البديل المناسب لقيادة المعركة “العالمية” ضدّ الإرهاب على الأراضي السّوريّة، انتهت عند قوات سوريّا الديمقراطيّة التي أحرزت، وماتزال، الانتصار تلو الآخر على الإرهاب وفي معاقله الرئيسيّة، كما يحصل الآن في الرّقّة. وبناء على هذه القرائن والمعطيات، فإنّ قوات سوريّا الديمقراطيّة هي الوحيدة فقط المؤهّلة لقيادة أيّة حملة ضدّ إرهابيي النصرة في إدلب وتحريرها، وهذا ما تخشاه تركيّا، وتسعى لوضع العصي في عجلة هذه المعركة المرتقبَة، والتي لا تقلّ أهمية عن معركتي تحرير الرّقّة ودير الزور، من حيث التهديد الذي تشكّله النصرة على الخاصرة الشماليّة الغربيّة لفيدراليّة شمال سوريّا؛ أي على مقاطعتي عفرين والشهباء.

امتصاص الإجماع الدوليّ حول مصير إدلب

أدركت جبهة النصرة أنّ كلّ السكاكين تُشحذ حول رقبتها، فشرعت هي الأخرى إلى إطلاق المبادرة تلو الأخرى، لامتصاص وضرب الإجماع شبه الدوليّ بضرورة بدء عمل عسكريّ ضدّها. ففي خطبة يوم الجمعة الماضية، ومن مدينة سلقين، أعلن ما يسمّى بقائد مرتزقة هيئة تحرير الشّام (جبهة النصرة سابقاً) المدعو “هاشم الشيخ – أبو جابر” عن مشروع إدارة مدنيّة لمحافظة إدلب، وأن تجتمع كافة الفصائل العسكريّة في جسد عسكريّ واحد “لمواجهة قوّات النظام”، وتعهّد بأن تنسحب الهيئة من الحياة المدنيّة لسكّان المحافظة، وأن تتفرّغ للعمل العسكريّ. ولكن هذا الكلام الإنشائي لم يقنع أحد الأطراف التي خبرت النصرة وألاعيبها.

وكان قد صدر في الأوّل من هذا الشهر بيانٌ من مبعوث الولايات المتّحدة الخاص إلى سوريّا “مايكل راتني”، أوضح فيه “أنّ النصرة وكافة الأسماء المشتقّة عنها هي أهداف مشروعة للولايات المتّحدة الأمريكيّة”، وأضاف أنّ “خطّة النصرة الاختباء وراء إدارة مدنيّة مزعومة، هي مجرّد أساليب مراوغة مكشوفة، هدفها خداع الشعب السّوريّ والمجتمع الدوليّ في تفويت الضربة المرتقبة عليها”.

نهاية المراوغة الروسيّة..!!

روسيّا من جانبها، تراوغ من طرف، وتتهيّأ لدخول إدلب اعتماداً على قوّات النظام والميليشيّات المتحالفة معها، ولكنّها تتخوّف من قدرة النظام على المواجهة مع مرتزقة النصرة، حيث أكّدت تجاربها السابقة معها في تدمر وباديتها وكذلك في دير الزور وجنوب الرّقّة الآن، على عدم إمكانيّة تحقيق قوات النظام نصراً مؤزّراً في إدلب، وهي – أي روسيّا – في النهاية ستُرغم على القبول بقوّات سوريّا الديمقراطيّة لقيادة المعركة، وإبعاد كلّ ما من شأنه التأثير سلباً على سير مجريات معركة تحريرها، وخاصّة تركيّا التي تقف حجرة عثرة للقضاء على الإرهاب المتنامي في إدلب والذي لا يقلّ خطورة عن إرهاب داعش، بل يفوقه أحياناً كثيرة.

“مناطق خفض التوتّر” في أحدث إسقاطاتها الروسيّة والأمريكيّة؛ هي القضاء على بؤر الإرهاب المعشّش في السّاحة السّوريّة، وإدلب إحداها، والتي من المتوقّع أن تبدأ معركة تحريرها في القريب العاجل.