الرئيسيةمقالاتالتحالفات الكردية مع القوى الديمقراطية العالمية

التحالفات الكردية مع القوى الديمقراطية العالمية

منذ التاريخ القديم وصولا للحديث و الأكراد محاطون بدول غير صديقة و معادية بسبب الموقع الجغرافي لهم ، وكان من اللابد على الأكراد الدفاع عن وجودهم وإيجاد خارطة جيوسياسية خاصة فيهم كما هو حال المستعمرات الأخرى التي تشكلت في القرن العشرين ، فبعد أنهيار الإمبراطورية العثمانية و بعد تداول المنطقة من قبل الاستعمار وأخيرا جلائها ، أدت هذه العملية واقعيا إلى تقسيم كردستان واستعمارها من قبل الدول المجاورة لحدودها الجغرافية كسورية و العراق وإيران وتركيا برعاية الدول الإمبريالية في ذلك الحين .

كما يذكر أستاذ علم الاجتماع إسماعيل بيشكجي في كتابه ” كردستان مستعمرة دولية ” بهذا الخصوص ” أن المسألة الكردية تبدو وكأنها مسألة معادية للعرب والفرس والترك ، ولهذا السبب فإن الدول الراغبة في إقامة و تطوير علاقات جيدة مع بعض دول الشرق الأوسط تفكر في أن عليها دعم السياسة الخاصة لهذه الدول باتخاذ موقف معادي للكرد “، ولهذا يتردد أصدقاء الكرد في دعم كفاحهم المشروع لأنهم يضعون اعتبارات لأعداء الكرد ، وهذا هو الموقف الذي بات واضحا للدول ولبعض المؤسسات الدولية .

وفي حين أدى تقسيم كردستان وتقاسمها إلى زيادة عدد أعداء الكرد وتركهم دون أصدقاء ، ألتفت الكرد نحو المشرق و المغرب مادين أيديهم بكل ما لهم من قوة أملا بأن يجدو سواعد تلقي بهم خارج هذا المستنقع الاستعماري الذي يحيط بهم ، ومنذ عقود ليست بالبعيدة أدرك الكرد بأن الدول الإقليمية و حلفائها الدوليين لم يجدوا معهم صيغ حلول أو تفاهمات تعيد لهم حقوقهم كشعب أو حتى تحقق لهم وجودهم ، وأن كردستان باتت فعلا مستعمرة دولية ، فتحولت الأنظار الكردية إلى ما بعد ذلك وصولا إلى القوى العالمية و عملا بفتح قنوات تواصل مع هذه الدول وخاصة الديمقراطية منها ، فأصبحنا نشهد منذ عدة عقود تزايد أعداد أصدقاء الكرد باستمرار .

في كل أجزاء كردستان الأربعة ظهر الكرد كأقلية عرقية موجودة ضمن هذه الدول وظلوا تارة في حالة ثوران و تارة في جمود حتى بداية القرن الواحد والعشرين وفي أول فرصة تلقاها الكرد و التي كانت في العراق ، دخلت المسألة الكردية في دائرة الرأي العام العالمي من خلال عدة أحداث أبرزها مجزرة حلبجة المروعة التي حدثت في عام 1988.م بحق الكرد والتي راح ضحيتها الآلاف ، ومن ثم منطقة حظر الطيران التي قامت بها قوات التحالف ضد النظام العراقي وذلك بعد حرب الخليج الثانية خلال أواخر شهر فبراير عام 1991م .

ولاحقا و بفضل عداء الإيرانيين و العراقيين للكرد كما ذكرنا سالفا فقد ظهروا كقوى يمكن بنائها و التحالف معها لضرب المشاريع القومية و الإسلامية المتطرفة لكلتا الدولتين ، إضافة لاستطاعتها خلق توازن حقيقي في المنطقة بين هذه القوى الإقليمية ، مما أتاح المجال بدوره للكرد للقيام بتحالفات جديدة واسعة وخاصة بعد الحرب الأمريكية على العراق ، وهكذا أبدى الكرد استعدادهم لفتح علاقات واسعة مع الإدارة الأمريكية كقوة عالمية يمكن لها أن تضمن مصالح الكرد وتضمن مصالحها أيضا من خلال هذا التحالف .

أما في سورية وفي ظل ظروف الفوضى التي ملأت البلاد خلال مرحلة الثورة أو الأزمة السورية نظم الأكراد أنفسهم وظلوا في مرحلة ترقب ومشاهدة ولم يبدو موقفا واضحا من الأزمة ولم يبدو أي سياسة “ضد” أو “مع” ، بل سايروا القوى الموجودة كلها في حين كانت القوى الأخرى تبني تحالفات مع دول تعتبرها صديقة وحليفة مما أدى بدوره إلى خلق حالة صراع متضاد لا ينتهي بين هذه القوى.

بادر الكرد في سوريا بطرح مشروع سياسي شبه متكامل كحل للأزمة السورية و المسالة الكردية في سورية ونظموا قوات ديمقراطية ، وكونهم القوى الديمقراطية والمعتدلة التي باتت شبه الوحيدة في ظل تنامي الإسلام المتطرف و الدور السلبي للإسلام السياسي و في ظل غياب المشروع السياسي الواضح لقوى المعارضة و جمود المشروع السياسي للنظام أيضا ، تمهد لهم السبيل في فتح قنوات اتصال مع القوى العالمية و في مقدمتها أمريكا وحلفائها الاستراتيجيين مما أدى إلى خلق تفاهمات جدية في المسألة الكردية و تأكيدات صريحة من الإدارة الأمريكية حول إحلال الكرد في سوريا كحلفاء جديرين بالثقة وخاصة فيما يخص موضوع مكافحة الإرهاب .

بكل تأكيد أن الولايات المتحدة ودول الناتو هي الأخرى لن تترك الأكراد بمفردهم ، لأنهم حليف فعال في المنطقة ، حيث يخوضون معارك ضارية ضد تنظيم الدولة الإسلامية ، وهم على مستوى عال من الإعداد العسكري كما ذكرنا، فقد تدربوا على يد مدربين ألمان و أمريكان وغيرهم من دول الناتو و من المهم أيضا ومن جانب آخر فأنه لا أحد يريد أن يؤدي النصر على تنظيم الدولة الإسلامية إلى زيادة نفوذ إيران والشيعة أو الترك و الإسلام السياسي في المنطقة ، لذلك لا بد من خلق توازن بين اللاعبين المحليين، هذا التوازن يمكن أن يكون الحكم الذاتي للأكراد ، إضافة إلى أن هذا قد يصب في مصلحة الإتحاد الأوروبي لتسوية أزمة الهجرة ، فتركيا تبتز الإتحاد الأوروبي كونها بوابة للإتحاد أي تفتحها أمام المهاجرين وتغلقها متى ما تشاء ، فهذه أداة جيدة لابتزاز الإتحاد ، لذلك أعتقد بأنه سيسمح ظهور منطقة حكم ذاتي للأكراد بحرمان تركيا من هذا الإحتكار ، حيث سيخصص الإتحاد المبالغ اللازمة لبناء مخيمات لاجئين في هذه المنطقة.

وهكذا فإن الكرد في العصر الحديث استطاعوا ببراعة أن يخلقوا منصة تفاهم مع الدول العظمى و الديمقراطية خاصة و التأكيد لهذه القوى أنهم حلفاء تهمهم المصالح المتبادلة و يمكن الاعتماد عليهم في المحافظة على هذه المصالح طويلا .

 

أنس أحمد عضو الهيئة التنفيذية في التحالف الوطني الديمقراطي السوري