الرئيسيةمقالاتالشعب يريد إسقاط النظام

الشعب يريد إسقاط النظام

لم تكن جملة عابرة أو هتافا حماسيا ، بل كانت هدفا وإستراتيجية وضعتها ثورات الربيع العربي أو انتفاضات 2011 التي ضربت الوطن العربي .

“الشعب يريد إسقاط النظام” ذلك الهتاف الأشهر الذي انطلق من تونس الخضراء وسُمع صداه فى اليمن السعيد مرورا بمصر وليبيا وانتهاء بسوريا ..

نظرة سطحية على ما يعرف بدول الربيع التي شهدت نوعا من التغيير، نجد أن الهدف الذي عبر عنه الشعار لم يتحقق وإن ظهر للعامة غير ذلك، فقد نجحت الثورة فى الإطاحة برئيسي مصر وتونس ولكنها فشلت فى إسقاط أنظمة تلك الدول التي استطاعت أن تتعايش مع الوضع الجديد وتغيير من قناعها وشكلها عن طريق تبديل أسماء الحكام.

أما سوريا التي تحولت فيها الثورة لحرب أهلية نتيجة إفراط النظام فى مواجهة الثورة بالعنف، والهتافات بالبراميل المفخخة، فقد أصبحت بعد 6 سنوات من الحرب أو الثورة الأقرب لتطبيق الهدف الذي اندلعت من أجله ثورات الربيع العربي وإن بدا للعامة غير ذلك .

فسوريا التي لا نسمع عنها منذ 6 سنوات سوى أخبار القتل والدمار، ولا نشم منها سوي رائحة الموت التي ملأت حواريها وطرقاتها، سوريا التي يوجد تحت كل طوبة فيها شهيد، وخلف كل سور معتقل، سوريا التي تتحارب فيها القوى الدولية بالوكالة أصبحت تقترب بشكل كبير من إسقاط النظام حتى وإن بقي رمز النظام فى منصبه.

لم يعد بالإمكان العودة لسوريا ما قبل 2011 فالأوضاع تغيرت تماما والحديث عن الدولة السورية المركزية ذات القومية العربية أصبح جزءا من الماضي لم يعد بالمقدور استعادته فالواقع قد تجاوزه بمراحل.

لم يعد من العقل أن نتحدث عن دولة سورية مركزية يحكمها نظام سلطوي يقبض بيده على كل مراكز صناع القرار فى البلا ، فهذا النظام كان أحد أهم أسباب اندلاع الثورة السورية، والشباب السوري الذي هتف فى 2011 “الشعب يريد إسقاط النظام” كان يقصد تلك الديكتاتورية المتسلطة كان يقصد السلطة المتمركزة فى شخص يملك البلاد ويحكمها بعد أن ورثها عن أبيه وكأنها مملكة وليست دولة، كان يقصد تلك الدولة القومية التي لا تعترف سوي بقومية واحدة ومكون واحد وعرق واحد له كل الامتيازات، وبقية المكونات مجرد كائنات ليس لهم أى حقوق وعليهم كل الواجبات.

سيسقط النظام فى سوريا حتى وإن بقي بشار كجزء من معادلة الحل الدولية للأزمة فى مراحلها الانتقالية، ستسقط الدولة القومية المركزية، فسوريا الجديدة لابد أن تكون فيدرالية لا مركزية تتشارك جميع المكونات العرقية والمذهبية فى حكمها فزمن حكم الفرد وإقصاء بقية المكونات السورية قد ولي بلا رجعة.

الفيدرالية .. تلك الكلمة التي ينظر لها بعض العرب بتوجس وريبة رغم أنها نظام الحكم المتبع فى كل دول العالم المتحضر بداية من أمريكا صاحبة اليد العليا فى إدارة شئون العالم والتي ينظر الحكام العرب لرئيسها نظرة خليفة المسلمين الأولي بالطاعة وحتى الإمارات العربية أغلى جوهرة فى تاج الممالك العربية.

أزمة العرب مع الفيدرالية أنها لا تعترف بالحاكم الإله أو الرئيس الملهم، فلا يوجد فى النظام الفيدرالي حكم مطلق يملك كل السلطات والصلاحيات له كل الحقوق وليس عليه أي واجبات.

الفيدرالية نظام حكم تشاركي فالكل يحكم والشعب عن بكرة أبيه يشارك فى السلطة فكل مدينة تختار رئيسها وبرلمانها، كل إقليم ينعم بخيراته وثرواته الطبيعية، الكل يحصد ثمار تعبه ولا يوجد شخص يتفرد بكل شيء.

لم تعد الفيدرالية السورية قرارا بل صارت إجبارا وحل وحيد لبقاء سوريا دولة موحدة، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما إما الفيدرالية الجامعة لكل المكونات السورية، وإما اقتطاع جزء من بقايا سوريا من أجل إقامة وطن لكل مكون وكل تيار، وهذه الأطروحة موجودة وجاهزة للتنفيذ وليس مناطق خفض التوتر التي تم توافق عليها بين القوى الدولية سوي مقدمة لهذا السيناريو الذي يعتبر الأسوأ بالنسبة  للعرب.

أعتقد أن نموذج الإدارة الذاتية الذي تبناه الأكراد فى الشمال السوري يمثل بارقة أمل على قدرة المكونات السورية على التعايش معا فى وطن واحد يقبل الآخر ويؤمن بحقه فى الحياة فى ظل وطن يتعايش كل مكوناته ويمارس الجميع شعائره ومعتقداته بكل حرية.

 تجربة الإدارة الذاتية بإمكانياتها القليلة ورغم كل الانتقادات التي توجه لها والملاحظات التي تؤخذ عليها،  إلا أنها تمثل نقطة ضوء يجب تعميمها فى الظلام السوري لتعود سوريا نجمة مضيئة فى سماء الشرق الأوسط.

محسن عوض الله

كاتب مصري وباحث فى القضية الكردية