الرئيسيةمقالاتتركيّا وسياسة التلويح باحتلال روج آفا وشمال سوريّا

تركيّا وسياسة التلويح باحتلال روج آفا وشمال سوريّا

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

مع بدء تبلور ملامح المرحلة المقبلة في سوريّا “ما بعد القضاء على الإرهاب” – الذي تحقّق نسبيّاً – وانحسار أدوار دول إقليميّة عديدة في الملفّ السّوريّ، تحاول تركيّا الاستفادة من الوقت في المرحلة الانتقاليّة، وتوظيفه في خدمة مشروعها الاحتلاليّ التوسّعيّ في سوريّا، ولو على حساب دماء شعوبها التي دفعت الكثير من الأكلاف في خضمّ الصراع الدوليّ – الإقليميّ – الداخليّ عليها.

وقائع جديدة ترسمها معركة تحرير الرّقّة

الانتصارات التي تحقّقها قوّات سوريّا الديمقراطيّة في الرّقّة، بدأت إسقاطاتها تظهر على الأرض، لترسُمَ وقائعَ جديدة، وعلى ضوئها شرعت كافة القوى المتورّطة في الملفّ السّوريّ بإعادة ترتيب أوراقها، واتّباع تكتيكات وإستراتيجيّات جديدة على ضوء نتائج معركة الرّقّة.

تقدّم قوّات النظام في شمال دير الزور، وبدعم من روسيّا والميليشيات المتحالفة معها، هي الأخرى، تسعى لإقحام نفسها في المعادلة “النهائيّة” للأزمة السّوريّة، رغم أنّه كان بعيداً عمّا يُرسَم ويخطّط لسوريّا، ويسعى من خلالها السيطرة على دير الزور، والوصول إلى المناطق النفطيّة والسيطرة عليها، ولفتح كريدور بينها وبين العراق، لتحقيق التواصل الجغرافيّ الإيرانيّ مع حلفائها، والذي أكملته بصفقة حزب الله مع مرتزقة جبهة النصرة في جرود عرسال بين سوريّا ولبنان.

ما هي حظوظ تركيّا في شنّ عدوان جديد على الشمال السّوريّ..؟؟

غير أنّ تركيّا “المقامرة والمغامرة” في سوريّا تحديداً، ما انكفأت عن اتّباع ذات السياسة في التعامل من الأزمة السّوريّة، من خلال تمسّكها بمعاداة الكرد، كجزء من إستراتيجيّتها القديمة – الجديدة، وهي القشّة التي طالما قصمت ظهر تركيّا وسياساتها الرعناء. فعادت مرّة أخرى إلى سياسة التهديد والوعيد بمنع ” إقامة أيّ كيان كرديّ” على “خاصرتها الجنوبيّة”، حسب زعم مسؤوليها، وأعلنت عن نيّتها في استئناف ما سميّت بعمليّة “درع الفرات”؛ لاحتلال المزيد من الأراضي السّوريّة، متجاوزة بذلك كافة الأخلاقيّات والقوانين الدوليّة المتّبعة بين الدول. ولكن هل بإمكانها البدء مرّة أخرى بشنّ عدوان آخر على شمال سوريّا، واستهداف إقليم عفرين (مقاطعتي الشهباء وعفرين)، خاصّة إذا ما قرأنا المعادلة العسكريّة والسياسيّة الجديدة المتشكّلة في الشمال السّوريّ، بعد الإعلان عن التقسيم الإداريّ وصدور قانون انتخابات فيدرالية شمال سوريّا، وكذلك قرب الانهاء من معركة تحرير مدينة الرّقّة؟

التهديدات التركية باقتحام مقاطعة عفرين والشهباء ليست بالجديدة، بل سبقتها العديد من التصريحات، وعلى لسان كبار مسؤوليها بما فيها رئيسها أردوغان، وهي على ما يبدو تأتي في سياق الاستهلاك المحلّي، وابتزاز كلّ من أمريكا وروسيّا، اللتان انفردتا – على ما يبدو – بملفّ الأزمة السّوريّة، واستبعدتا كلّ الدول وخاصّة تركيّا وإيران.

أمريكا وتقويض الدور التركيّ في سوريّا

أمريكا، وتحت أيّ ظرفٍ كان، لن تقبل بإيقاف عمليّة تحرير الرّقّة، وقوات سوريّا الديمقراطيّة من جانبها، هدّدت ولأكثر من مرّة بأنّها ستُعيد النظر في العمليّة، فيما إذا أقدمت تركيّا على شنّ عدوان على روج آفا وشمال سوريّا، وأمريكا تدرك جيّداً حساسيّة معركة الرّقّة والنتائج التي تترتّب على إيقافها، لذلك لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أيّ توغّل تركيّ في سوريّا، بل على  العكس، هي تعمل باتّجاه الضغط على تركيّا لسحب قوّاتها من المناطق التي احتلّتها العام الماضي، من خلال سحب الحجج والذرائع من يد تركيّا، والتي ما انفكّت تلوّح بها تحت مسمّيات مختلفة من قبيل المناطق الآمنة وإنشاء قوّات عسكريّة متطرّفة، تتعارض في توجّهاتها مع السياسة الأمريكيّة في سوريّا، إلى جانب أنّها تشكّل خطراً على مصالحها وتعدّها امتداداً لمرتزقة داعش والنصرة، وهو ما صرّح به أكثر من مسؤول أمريكيّ، بأنّه لا توجد قوّة معتدلة في سوريّا، على عكس ما تدّعيه تركيّا، وخاصّة تلك التي احتضنتها تركيّا. علاوةً أنّ أمريكا، وبعد أن رسّخت من تواجدها العسكريّ في سوريّا، لن تضحي بها على مذبح المطامع التركيّة الاحتلاليّة في التمدّد على حساب مصالحها، وهي تعدّها تهديداً لها، وتعمّقت هذه القناعة لدى أمريكا بعدما نشرت صحيفة تركيّة محسوبة على حزب العدالة والتنمية الحاكم ورئيسها أردوغان، معلومات تفصيليّة عن أماكن تواجد القواعد العسكريّة الأمريكيّة وأعداد قوّاتها، واعتبرته أمريكا في حينها بأّنّها تعرّض سلامة جنودها في سوريّا للخطر.

كذلك استبعادها من إدلب، شكّل الضربة الثانية التي تتلقّاها تركيّا وأعوانها من أمريكا، وهي الساحة التي كانت تعوّل عليها تركيّا في المقايضة والمساومة بها مع أمريكا في إطلاق يدها للهجوم على مقاطعتي عفرين والشهباء، ومن ثمّ الرجوع على السّاحة السّوريّة بشكل قويّ.

روسيّا والمفاضلة بين سياستها الإستراتيجيّة ومصالحها الاقتصاديّة

روسيّا من جانبها، استثمرت الدور التركيّ في سوريّا، عبر تدجين ما كانت تسمّى “بالفصائل العسكريّة المعارضة”، عندما جرّتها إلى توقيع عدّة اتّفاقيات، سمكن وصفها بأنّها “صكوك استسلام” في اجتماعات أستانه، التي خرجت بتسليم سلاح تلك الفصائل إلى قوّات النظام في عدّة مناطق من سوريّا، وليس آخرها في عرسال.

فالتحالف التركيّ – الروسيّ “المرحليّ”، قد أفل نجمه. وروسيا لن تضحّي بأيّ شكل من الأشكال باتّفاقاتها السرّيّة مع أمريكا حول الملفّ السّوريّ، ارضاءً لتركيّا، وكلّ الاعتقاد أنّ روسيّا وصلت لمرحلة باتت تركيّا بالنسبة لها ورقة خاسرة، رغم صفقة صواريخ إس – 400 التي وقّعتها معها. فروسيا تدرك جيّداً الدور القذر الذي تلعبه تركيّا في القوقاز وخاصّة في أوكرانيا، وهي لن تفاضل بين سياساتها الإستراتيجيّة في كلّ من سوريّا وأوكرانيا والمصالح الاقتصاديّة مع تركيّا، رغم أهميّتها الحيويّة بالنسبة لها، ولن تتورّط روسيّا مع تركيّا في الوقوف مع الحركات الإسلاميّة المتطرّفة في التمهيد لإحياء دورها في سوريّا، بل هي الأخرى تعدّ العُدّة للانقضاض على ما تبقّى من حركات إسلامويّة تكفيريّة في إدلب وغيرها من المناطق، إن كان عبر ما يسمّى بـ”المصالحات” التي تجريها في الغوطة أو حمص أو ريف حماه، أو فرض مناطق ما تسمّى “بخفض التوتّر” وبإشراف روسيّ وأمريكيّ فقط، دون إشراك تركيّا وإيران في نظام مراقبة وقف إطلاق النار في تلك المناطق، مثلما حصل في جنوب شرق سوريّا.

ماذا دار في الاجتماع الرباعيّ السرّيّ (الروسيّ، التركيّ، الإيرانيّ والروسيّ) في طهران..؟؟

والنظام السّوريّ هو الآخر، لن يكون بمقدوره الانجرار وراء السياسات التركيّة الخادعة، فرغم أنّه عُقِدَ اجتماع سرّيّ رباعيّ في طهران قبل عدّة أيّام، وضمّ كلّاً من روسيّا، إيران، تركيّا والنظام السّوريّ؛ إلا أنّه لم ينتج أيّ موقف مؤيّد للسياسات التركيّة والإيرانيّة والسّوريّة، وحاولت تركيّا كلّ جهدها في تمرير عمليّتها في سوريّا والهادفة إلى احتلال المزيد من الأراضي السّوريّة، كما حاولت الأطراف الثلاثة (تركيّا، إيران والنظام السّوريّ) حصر النقاش في كيفيّة إفشال فيدراليّة شمال سوريّا، إلا أنّ روسيّا أبدت تحفّظاً على الاقتراحات التركيّة والإيرانية والسّوريّة في عودة الدولة المركزيّة الواحدة، وأفهمت كلّ الأطراف المجتمعة بأنّ سوريّا ماضية نحو النظام الفيدراليّ لا مُحال.

ففي ظلّ التوازنات العسكريّة والسياسيّة الراهنة، فإنّ أيّ تدخّل تركيّ جديد في سوريّا، سيقلب الترتيبات والتفاهمات التي توصّلت إليها كلّ من أمريكا وروسيّا حول سوريّا، وهو ما لن تدعه كلتا القوّتين في التفريط بها أو جعلها في مهبّ التحرّكات التركيّة في عودة التوتّر والاقتتال الداخليّ، وبالتالي ستقطعان الطريق أمام أيّ هجوم تركيّ على أراضي شمال سوريّا، ولن تكرّرا الخطأ الذي ارتكبته العام الماضي، عندما منحته الضوء الأخضر في احتلال جزء من مناطق الشهباء، بدءاً من جرابلس.

الإئتلاف السّوريّ دخل طور الانقراض ويلفظ أنفاسه الأخيرة

والمعارضة السّوريّة المتمثّلة بالإئتلاف، والتي راهنت عليها تركيّا ومعها قطر، في الاستحواز بالملفّ السّوريّ، هو الآن في طور الانقراض والتلاشي ويلفظ أنفاسه الأخيرة. فالخلافات والانشقاقات دبّت فيه، وعلى كافة المستويات، وهي في إحدى جوانبها من مفرزات الأزمة القطريّة، فقطع الدعم الماديّ عنه، أشعل نيران التناقضات المتفاقمة داخله، حيث بدأت تتوالى الانسحابات والاستقالات منه. فاستقالة رياض حجاب وبسّام الملك، إشارات توحي ببداية نهاية الإئتلاف، وتهيئة الأجواء لولادة جسم معارض جديد، يجري الإعداد له في واشنطن وموسكو الرياض معاً، مما يشير إلى سحب ورقة المعارضة السّوريّة من تركيّا، والتي طالما كانت تستثمرها في كافة المجالات.

مقاومة شمال كردستان … الرادع الأقوى

من جانب آخر، الأزمة الداخليّة المستفحلة التي تعيشها تركيّا، سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً، لن تمكّنها القيام بأيّ تدخّل في سوريّا. فالمعارضة لسياسات أردوغان وحزبه تزداد يوماً بعد آخر. فالتصريحات التي أدلى بها رئيس حزب الشعب الجمهوريّ الأخيرة، وكذلك المعارضة القويّة من قبل حزب الشعوب الديمقراطيّ، كفيلان بتقويض أيّ دور تركيّ عدوانيّ خارجيّ، رغم حالة القمع المعمّم التي فرضها أردوغان على الإعلام والحرّيّات والاعتقالات العشوائيّة للنخب الثقافيّة والأكاديميّة، كذلك لن تنقذه عمليّة تسريح ضبّاط في القيادات العليا في الجيش وتعيين آخرين موالين له، فلقد أضعف أردوغان الجيش التركيّ، حتّى صار أضحوكة، فيما عيّن أيضاً أفراداً من حزبه في مناصب عليا في الدولة والمؤسّسات الحكوميّة، لتغدو تركيّا حكومة وشعباً ذات لون حزبيّ – إسلاميّ واحد.

والتهديد الأقوى لسياسات أردوغان والذي دائماً يكبح جماح تحقيق حلمه العثمانيّ، يأتي من المقاومة الكبيرة التي يخوضها حزب العمّال الكردستانيّ، وهو مازال يشكّل نزيفاً دائماً للجيش التركيّ منذ أكثر من 34 عاماً، والتي تمرّ الذكرى السنويّة لانطلاقة كفاحها المسلّح في 15 آب/ أغسطس الجاري. ولا يمرّ يوم إلا ونسمع مقتل العديد من الجنود والضبّاط الأتراك في عمليّات نوعية أنهكت الجيش التركيّ وجعلته لا يقوى على خوض معارك خارجيّة إضافيّة. وإذا ما وضعنا المقاومة التي ستبديها وحدات حماية الشعب ومعها قوّات سوريّا الديمقراطيّة اللتان تمرّستا في المقاومة والقتال تحت كافة الظروف والشروط، فإنّنا سنتيقّن بأنّ أيّ مجازفة تركيّة بعمليّة عسكريّة في الشمال السّوريّ، لن تكون نزهة لجيشها، وستغدو مقبرة لها، مثلما كانت اليمن “مقبرة الأناضول” أيّام الاحتلال العثمانيّ للمنطقة سابقاً.