الرئيسيةدراساتتطورات الواقع الجيوسياسي السوري والقوى الفاعلة فيها

تطورات الواقع الجيوسياسي السوري والقوى الفاعلة فيها

د. أحمد يوسف

لقد أثبتت الأحداث الحاصلة في سوريا اعتباراً من آذار 2011م صحة المواقف التي كانت ترى في الأزمة السورية حدثاً مختلفاً عن الربيع العربي الذي بدأ بانتفاضة الشعب التونسي ضد سلطة بن علي في العام 2010م، إذ أنها أدت إلى حالة صراع مختلفة تماماً عن تلك التي ظهرت في تونس ومصر وغيرها من دول الربيع العربي. وقد شكلت سوريا بذلك بداية النهاية للربيع العربي وتحولها خريفاً قاسياً لشعوبها. وأدى الحدث السوري إلى تغيير الكثير من المفاهيم التي سادت في الشرق الأوسط عقب الأحداث التونسية، وأظهرت للمتابعين أن المصالح الاقتصادية والتوازنات الجيوسياسية تلعب دوراً منقطع النظير في الأحداث السياسية سواءً أكانت تلك الأحداث ضمن الحدود الجغراية لدولةٍ ما أم خارجها، فالقضايا الإنسانية وكل مفردات حقوق الإنسان ليست إلا مظاهر شكلية لتزيين الأحداث الكارثية وإظهارها في هيئة الصراع ما بين قوى الاستغلال والقوى المعرضة للاستغلال.

إن عملية نزع غطاء شكليات الأزمات عن الأزمة السوريةهي السمة الأساسية لها، فباتت الألعاب التي تقوم بها جميع الأطراف الفاعلة عالمياً واقليمياً فيما يخص الواقع السوري مكشوفة. وبات معها معظم الأطراف مدركةً لحقيقة الصراع الدائر في سوريا والمنطلق نحو الشرق الأوسط. إذ تم التأكد، بتأثير هول القوة المفرطة المستخدمة من قبل جميع الأطراف الداخلة في الصراع، أن الأزمة السورية هي أزمة ولادة منظومة سياسية جديدة كلياً في منطقة تشكل بؤرة الأزمات العالمية من جهة، ونقطة انطلاق منظومةٍ عالمية جديدة، نظراً لتمتعها بخصائص جيوسياسية فريدة تجعلها نقطة جذب لجميع القوى العالمية المتصارعة لاحتلال مكانةٍ متقدمةٍ لها في لعبة التوازنات الجديدة التي ظهرت في مرحلة ما بعد انتهاء التجربة السوفياتية في بداية العقد الأخير من القرن العشرين.

يعد إخفاء حقيقة الموقع الجيوسياسي السوري. سواءً في مرحلة الحرب الباردة في القرن العشرين أو في مرحلة سيطرة القطب الواحد في القرن الواحد والعشرين ضرباً من المستحيل. فقد كانت منطقة توازن القطبين في الشرق الأوسط نظراً لأدائها السياسي القائم على توحيد المتناقضات وإظهارها بصورةٍ كليةٍ توحي بأنها موحدة، واستطاعت استثمار هذه السياسة لخدمة مصالحها على مدى ثلاثة عقود متتالية، وحاولت سوريا بعد توريث السلطة إلى الأسد الأبن أن تقوم بنفس الدور السابق، مستندةً في ذلك إلى مكانتها الجغرافية، إلا أنها لم تكن على درايةٍ كافية بحقيقة المتغيرات العالمية، شأنها في ذلك شأن الكثير من دول المنطقة. وقد مُنِيَت سياساتها الموروثة من القرن العشرين والمطبقة في القرن الواحد والعشرين بالفشل أمام القوة التغييرية القادمة عالمياً.

إن عدم استيعاب حقيقة التغيرات العالمية في العقد الأول من هذا القرن أو وجود ضعف في قراءة تلك التغيرات وتحليلها ليست حالة محصورة بالنظام السوري فحسب بل هي جزء من الثقافة العامة السائدة في سوريا وعموم منطقة الشرق الأوسط، حيث سيادة الذهنية الشعاراتية البعيدة عن تحليل جوهر القضايا الاستراتيجية. انطلاقاً من هذه الحقيقة فقدت السلطات السياسية السورية مكانتها في العلاقات الدولية دون أن تفقد سوريا مكانتها الجيوسياسية المميزة، وقد أدت هذه الفروقات بين مكانة سوريا السلطة وسوريا الجيوسياسة إلى إشعال نار الحراك السوري الذي سرعان ما تحول من حراك سلمي إلى حراكٍ عسكري، إذ أن الحراك الأول لم يكن هو المرغوب ولا هو المطلوب، لأنه لا يوجد في ذلك سوى هدف تغيير منظومة سلطوية قامعة واستبدالها بمنظومة سلطوية أخرى غير قادرة على استيعاب متطلبات عملية التغيير، بينما الحراك العسكري بات الأقرب إلى قلوب القوى العالمية والاقليمية التي تسعى إلى الاستفادة من الجيوساسة السورية في المراحل المقبلة. لذلك فقد كانت العسكرة هي ميزة الحراك السوري، باعتبارها الآلية المثلى لإجراء تعديلات جوهرية في المكانة الجيوسياسية السورية بحيث تتأقلم مع الشروط المفروضة من القوى الدولية عبر سياسة تعميم الفوضى الخلاقة التي أدت إلى انهيار سوريا الدولة القومية العربية واستعاضتها بسوريا الدويلة المفككة أثنياً وطائفياً تمهيداً لإعادة إنتاج دولةٍ تشكل نموذجاً جديداً للدولة القادمة في الشرق الأوسط.

أولاً: إدراك الواقع السوري الجديد

على الرغم من هول المعارك الدائرة على الأرض السورية بإشراف وتخطيط القوى الدولية والإقليمية، والتي أدت إلى جملة من المعطيات المؤكدة لكارثية الوضع على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، لا تدرك معظم الأطراف المحلية التي أصبحت جزءاً من هذه المعارك حقيقة ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، ولا تزال تضرب في وترٍ واحد، وهو إسقاط رأس النظام وتأسيس دولة بديلة لا تختلف عن الأولى إلا في تسميات القادة وانتماءاتهم الطائفية. وما زالت هذه القوى المحلية تنظر إلى فقدان ثلثي الناتج المحلي السوري خلال سنوات الحرب الست وهجرة نصف السكان من ديارهم ومقتل ما يزيد عن ثلاثمائة ألف نسمة على أنها جزء من نتائج حرب التحرير من نظام طغى وبغى بالبلاد، وهي تخفي عبر نظرتها هذه حقيقة الوضع السوري الذي لا يخفى دور تلك القوى إلى جانب النظام وبتأثير القوى الخارجية في الوصول إليه. كما أنها تؤكد على قصر النظر في قضية تعد منطلق التغيير الجوهري في الشرق الأوسط.

إن القوى الإقليمية كانت أكثر إدراكاً للواقع السوري، وفهمت حقيقة التدخل الأمريكي والروسي في المعادلة السورية، لذلك عملت منذ مرحلةٍ مبكرة على المساهمة في ترتيب الخريطة السورية بالشكل الذي يناسب تطلعاتها ويؤدي إلى الحفاظ على كياناتهم التي لا تشكل سوى نسخ من منظومة سياسية كانت مفيدة في يوم ما للمصالح الغربية، وهي تقاوم اليوم بشتى الوسائل إجراء التغييرات الجيوسياسية في أي بقعة شرق-أوسطية من منطلق أن تلك التغيرات لا بد وأن تمسها يوماً، وغالب الظن أن التغيير سينالها قريباً.

أمام كل هذه الحركات من القوى الخارجية الدولية والإقليمية أثبتت المعارضة السورية أنها تنتمي إلى مدرسة قائمة على خلاف المظهر مع الجوهر، فهي من جهة ذات طابع أحادي رافض لكل مختلف وتعتبر الاختلاف مصدراً للخلاف وظاهرة لا تستحق سوى الوأد بمختلف الوسائل المتاحة، ومن جهة ٍ أخرى تتميز بسذاجتها السياسية وعدم إدراكها لحقيقة التغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط بدءاً من الخريطة السورية، لذلك ظلت على مواقفها الرافضة لكل ما ينجم عنه إعادة ترتيب الخريطة السورية بما يتوافق مع مصالح الأطراف النافذة عالمياً، مما أفقدها كل مكتسباتها التي حققتها لغاية عام 2015م، وانحصرت مساحات سيطرتها في بقع صغيرة على الأرض إلى جانب ترهل منظومتها السياسية تحت ضغط الأطراف النافذة.

توضحت حيثيات مسار الوضع السوري في العام 2017م أمام مختلف القوى المؤثرة والجهات المراقبة للوضع السوري، واصبح الوضع السوري أكثر قبولاً للتحليل وبيان وجهات النظر مقارنةً بسنوات الأزمة السابقة وحدث شبه إجماعٍ دولي على تحديد القوى الفاعلة في الحدث السوري محلياً ودولياً.

ثانياً- لماذا سوريا؟

لقد ساعدت مجموعة من العوامل على جعل سوريا الحلقة الأولى في مسليسل التغيير الجيوسياسي في الشرق الأوسط، ولم تكن النداءات السلمية بتغيير النظام في سلسلة المظاهرات الشعبية في دول الربيع العربي أول وأهم تلك العوامل، بل كانت مجرد شرارة أحسنت القوى الدولية والإقليمية استغلالها عبر عسكرتها. فالعامل الأهم في هذه المسألة كانت التجربة الأمريكية التي بدأت في العام 2003م في العراق. فقد كلفت تلك التجربة الولايات المتحدة كثيراً على الصعيدين المادي والبشري، إضافةً إلى عدم توفقها في اختيار البدائل السياسية للنظام القومي في العراق. فبالرغم من أهمية موقعها الجيواستراتيجي لا يمكن للعراق أن تلعب الدور المطلوب منها عالمياً دون سوريا، لذلك أصبحت سوريا جزءاً أساسياً من مخطط التغيير الشامل للمنطقة عبر استثمار حركة داعش الإرهابية في البلدين من خلال عمليتي السيطرة الشاملة على مدينتي الرقة في آذار 2013م والموصل في حزيران2014م، إضافةً إلى مساحات تجاوزت ربع مساحة البلدين.

إن الموقع الجيوسياسي السوري الذي يمثل نقطة التقاء مصالح القوى العالمية الكبرى(أمريكا وأوربا، روسيا، الصين)، وكذلك مصالح القوى الإقيمية(تركيا، السعودية، إيران، القطر)، إضافةً إلى ضرورات تغيير استراتيجية التغيير بالاستفادة من التجربة العراقية أدت إلى الاهتمام بالحدث السوري والتحكم في مسارها وفق إمكانيات الأطراف المتدخلة التي حاولت بشتى إمكانياتها زرع خلاياها في الجسد السوري.

ثالثاً-التناوب الإجباري للأدوار

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل استطاعت جميع الأطراف المتدخلة في الحدث السوري تحقيق أهدافها؟ أم أن هناك وقائع فُرِضت على الأرض. وأدت إلى نتائج مختلفة عن آمال وطموحات البعض؟

إن إطالة أمد الحرب الدائرة على الأراضي السورية تؤكد صعوبة المواقف فيما يتعلق بإجراء التغييرات الشاملة بدءاً من سوريا، إذ أن موضوع التغيير الحاصلة في سوريا لا يقتصر على تغيير سلطة نظام حاكم، بل هي تمهيد لمنظومة شرق أوسطية جديدة تتجاذب فيها الأطراف لتسيرها وفق مصالحها، ويمكن توضيح المراحل التي مرت بها هذه الحرب الحاصلة على الأراضي السوري وبإرادة لاعبين دوليين كمايلي:

المرحلة الأولى: الحراك السلمي

وهي المرحلة التي لم تكن متوقعة من الكثير من المراقبين لأسباب كثيرة لعل من أهمها ما كانت تدعى بالخصوصية السورية التي ظلت مجهولة، لذلك كانت انطلاقتها بمثابة صدمة قوية للكثير من المحللين، وبدأت في شهر آذار 2011م بأحداث درعا التي ما لبثت أن انتشرت بصورة بطيئة عبر خروج بعض المظاهرات التي تستهدف رفع الغبن عن كاهل الشعب السوري في العديد من المدن، مما أدى إلى كسب تعاطف معظم السوريين لها، الأمر الذي أدى إلى خشية النظام لفقدان كل مكتسباتها التي حققتها على مدى العقود الأربع السابقة، ولم تستمر هذه المرحلة لأكثر من عام واحد لسببين:

الأول: استخدام العنف المفرط من قبل أجهزة النظام والمجموعات المشكلة من قبلها(الشبيحة)، وجلبها للمقاتلين من خارج سوريا، مما شجع الكثيرين على التسلح لحماية المظاهرات، ولم يكن هدف هؤلاء عسكرة المظاهرات، إلا أنهم وجدوا أنفسهم مرغمين على ذلك، وقد تمثل هذا الاتجاه في انشقاق الرائد حسين الهرموش عن الجيش السوري في حزيران 2011م، وإعلانة لتشكيل لواء الضباط الأحرار.

الثاني: استثمار القوى الإقليمية للعنف المستخدم من قبل النظام عبر تشكيل مجموعات مسلحة لا تمت للحراك بصلة ودعمها بالأسلحة لتغيير مسار الحراك السلمي نحو العسكرة تطبيقاً لأجندتها، وتأتي تركيا وقطر في مقدمة تلك الدول. ونظراً لأن مفهوم العسكرة التي أعلنها الهرموش لم يكن مستوفياً لمطالب القوى الإقليمية، فقد أنتهى به الأمر في السجون السورية بخطةٍ من استخبارات الدول الإقليمية، لتحقيق المزيد من القلاقل في سوريا، واعتبر النظام السوري عملية القبض عليه بمثابة انتصار له، دون أن يدرك أن تفكيك الدولة السورية بدأت من لحظة إيداعه السجن، وظهور القوى العسكرية البديلة والمدعومة خارجياً.

المرحلة الثانية: عسكرة الحراك

وهي المرحلة الثانية في الحراك السوري، وقد بدأت بمرونة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مرحلةٍ عنيفة تحت تأثير الأجندة الخارجية الداعمة لطرفي الصراع، واتخذت أشكال صراع مذهبية وطائفية لا علاقة لها بالغبن الواقع على السوريين في ظل سيطرة البعث، فتعددت الأهداف والمستهدفين من الصراع، وكانت الحصيلة النهائية لهذه المرحلة تدمير سوريا اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وباتت الدولة السورية مجزءة ومقسمة بحكم تعدد الأطراف المتصارعة والمتناحرة. حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 60 مليار دولار سنوياً في العام 2010م إلى 20 مليار دولار في العام 2014م.

لقد تطورت خلال هذه المرحلة سطوة الأجندة الإقليمية (تركيا، إيران، السعودية، القطر)، واصبحت السمة المميزة لها، واستمرت لغاية عام 2015م. إلا أن هذه المرحلة انتهت بعد التدخل الروسي المباشر في أيلول 2015م، حيث قامت بقلب موازين القوى لصالح أجندتها عبر سحب البساط من تحت أقدام الأطراف الاقليمية المتنفذة في الحدث السوري. فقد أدى التدخل الروسي إلى انتهاء هذه المرحلة دون أن تنتهي العسكرة، حيث أصبحت قوى المعارضة تخسر كل معاركها نتيجة الضغط الروسي في معظم المناطق السوري.

المرحلة الثالثة: مرحلة تحقيق الأجندة الأمريكية –الروسية

بدت ملامح هذه المرحلة واضحة في العام 2016م، إذ أن السيطرة الأمريكية باتت شبه كاملة في مناطق شمال وشرق نهر الفرات، واصبح التأثير الروسي في مجريات الأحداث أكثر من ذي قبل، وخاصةً فيما يتعلق بعمليات التهجير من مختلف مناطق التوتر ذات التأثير المباشر في نفوذ النظام إلى محافظة إدلب وشمال حلب، وكذلك إنهاء دور الجماعات المسلحة المسيَّرة وفق الأجندة التركية في مدينة حلب، ولعل ذلك كان بمثابة الضربة القاضية للأجندة الإقليمية في سوريا، والبدء بمرحلةٍ جديدة، تتمثل في توسع النفوذ الروسي-الأمريكي وترسيخهما إلى جانب بعض القوى المحلية التي استمدت قوتها من الحاضنة الشعبية في مناطق نفوذها، كقوات سوريا الديمقراطية، ووحدات حماية الشعب الكردية.

أدت التطورات الحاصلة في الجغرافيا السورية خلال المراحل السابقة إلى تغيير موازين القوى لصالح الأجندة الأمريكية –الروسية كقوى خارجية، ولصالح قوات سوريا الديمقراطية ومظلتها السياسية الممثلة في مجلس سوريا الديمقراطي كقوى داخلية.  لم تأت تلك التغيرات في موازين القوى من الفراغ، بل كانت نتيجة مجموعةٍ من العوامل، لعل أهمها:

  • دخول المجموعات المسلحة للمعارضة في صراعات جانبية بعيدة عن أهداف الثورة عند انطلاقتها، وأدى ذلك إلى وقوعها في مستنقعات خطيرة، أفقدتها المكانة السياسية والعسكرية، كمعركة رأس العين التي نفذتها في تشرين الثاني 2012م تطبيقاً للتوجيهات التركية للحد من توسع دائرة السيطرة الكردية. وقد شكلت هذه المعركة بداية صدمة يقظة للقوى الغربية التي سعت في المراحل اللاحقة إلى اكتشاف حقيقة القوات الكردية التي حاربت التطرف.
  • تأييد مهاجمة منظمة الداعش الإرهابية لمدينة كوباني في أيلول 2014م، وإن كان ذلك بصورةٍ مبطنة، وظهور المقاومة الكبيرة من قبل القوات الكردية التي استقطبت التعاطف الشعبي عالمياً، مما ساهم في إعادة القوى الغربية لقراءتها للحالة السورية عبر فرز القوى الفاعلة على الأرض، والاهتمام بالقوى المعتدلة وغير مرتبطة بالأجندة الخارجية.
  • الدخول الروسي القوي عبر استخدام الطيران لصالح النظام في أيلول 2015م، الأمر الذي ساهم في انهيار المجموعات المسلحة للمعارضة.
  • فقدان الثقة الأمريكية بالقوى التي حظيت بدعمها في مراحل سابقة، نظراً لارتباطها بحركات الإسلام المتطرف.
  • الاندفاع الكردي المستند إلى منظومة فكرية شاملة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وذلك عبر توحيد جهود مختلف الانتماءات الأثنية لبناء منظومة ديمقراطية.
  • أهمية الحيز الجغرافي الذي يسيطر عليه القوى الكردية بدءاً من حدود إيران شرقاً إلى تخوم المتوسط غرباً، وهو ما تنظر إليه الولايات المتحدة نظرة استراتيجية بعيدة المدى لمواجهة تمدد منافسيها في عموم الشرق الأوسط.

 رابعاً- التحولات الدراماكتيكية

كادت غالبية الأطراف أن تقتنع أن الانحسار المتسارع لسلطات النظام على معظم الجغرافيا السورية في السنوات الثلاث الأولى من الأحداث السورية، هي بداية سيطرة القوى الإسلامية على سوريا دون منازع، وذلك بدعم القوى الاقليمية التي دخلت في مرحلة معايشة نشوة انتصاراتها الوهمية. فقد رأت تلك الجهات في الفوضى العارمة على امتداد الأراضي السورية انتهاء حقبة النظام واستبدالها بحقبة القوى التي تخدم مصالحها، وبذلك توقعت تلك القوى انتهاء دور القوى الديمقرطية في سوريا، خاصةً تلك التي تشكل وجودها تهديداً لنظمها السياسية التي باتت غير مقبولة عالمياً، كالقوة الكردية التي تتميز بانضباطها التنظيمي، وترسخت ثقتهم في ذلك أثناء معارك كوباني التي فقد فيها الكرد الجغرافيا دون أن يفقدوا الإرادة. إلا
أن هذه القناعات سرعان ما تبددت أمام قوة التدخل العالمي وجبروت القوى الداخلية المعتدلة، وأثبتت أن الواقع السوري في مرحلة سطوة القوى الإقليمية كان واقعاً منبوذاً من السوريين عموماً، لذلك شهدت ساحات المعارك انقلابات جذرية لمصلحة الأطراف المناقضة للقوى الإسلامية المتشددة والدخيلة على حراك الشعب السوري.

فالتدخل المزدوج الأمريكي- الروسي إلى قلب الحدث السوري أدت إلى انحسار  الأجندة الإقليمية في سوريا وأصابتها بالشلل أمام نمو وتوسع دور القوى الديمقراطية.

لقد أدت التدخلات الخارجية إلى جانب نمو القوى الديمقراطية داخلياً إلى توضيح ملامح المراحل القادمة في سوريا السائرة نحو الفدرلة على أسس بعيدة عن التطرف الديني والأثني والطائفي.

أكدت التحولات الدراماتيكية في المعادلة السورية على فرض القوى الفاعلة لواقع جيوسياسي جديد في الجغرافيا السورية، يمكن تلخيصه بالنقاط التالية:

  • تحول النفوذ على الأرض من القوى الإقليمية(تركيا، السعودية، قطر، الإيران) إلى القوى الدولية(أمريكا، روسيا)، وبالتالي استبدال المشروع الإسلامي المتطرف بمشروع ديمقراطي يمهد لشرق أوسط جديد.
  • نمو دور القوى الديمقراطية على الأرض، وقيام تلك القوى بفرض واقع جديد يتمثل بالتوجه نحو الفدرلة التي تحمي الموزاييك السوري من الانحلال في بوتقة قومية واحدة أو ثقافةٍ واحدة.

لعبت القوى الدولية بالتعاون مع القوى المحلية الفاعلة في فرض واقع جيوسياسي جديد في سوريا، يمهد لحالة شرق أوسطية جديدة يتراجع فيها دور القوى الإسلامية والقومية المتطرفة مقابل توسع وترسيخ دور القوى الديمقراطية، ويبدو أن ذلك سيكون سمة القرن الواحد والعشرين ليس سورياً فحسب، بل شرق أوسطياً.