الرئيسيةمقالاتديالكتيك الإرهاب وعسكرة الثورات 1/6

ديالكتيك الإرهاب وعسكرة الثورات 1/6

فادي عاكوم

قبل العام 2011 وبدء ما اتفق على تسميته بثورات الربيع العربي، كانت النظرة للمجموعات الإرهابية أنها مجموعة من العصابات المسلحة المنتشرة هنا وهناك، تقوم بعمليات التجنيد بواسطة الفتاوي المزيفة وعمليات غسل العقول التي توقع بشباكها الأعداد الكبيرة خصوصاً من فئة الشباب، إلا أن هذه الصورة بدأت بالوضوح أكثر مع تقدم الوقت، وتنوع “أصناف وألوان” هذه المجموعات خصوصاً تنظيمات القاعدة والأخوان وجبهة النصرة وداعش.

إن هذه التنظيمات الأربعة ورغم الخروج من رحم واحد إلا أنها تختلف بالأهداف المعلنة وغير المعلنة، لكنها تتفق على الطريقة التي يتم من خلالها التجنيد والانتشار، والتي تتم من خلال منظومة منظمة إلى إبعد حدود، وإلى هنا فالأمر قد يبدو عادياً، إلا أن ما يلي عمليات التجنيد والانتشار فهو الأخطر، كونه وصل إلى نقطة الجدلية أو الديالكتيك بين العناصر الفاعلة منهم، والجدل غالباً ما يدور حول الأهداف والوسائل التي يجب اتباعها خلال الممارسات اليومية، ورغم طابع العنف الذي تتسم فيه النقاشات لأنها غالباً ما تصل إلى التكفير والإبعاد وصولاً إلى حد إقامة الحد، إلا أنها تشير إلى واقع يجب التسليم به، ألا وهو إن الإرهابيين لم يعودو مجرد رعاع من الممكن التخلص منهم عسكرياً من خلال القضاء على نقاط تمركزهم الجغرافية، بل أصبحوا حالة فكرية جدلية تستكمل انتشارها.

ولا شك بأن الصراع الفكري والجدلي القائم بين “تيار الحازميين” الذي اتخذ تسميته نسبة إلى أحمد بن عمر الحازمي، الذي اعتقلته قوات الأمن السعودية في العام 2015، وتيار البنعلي نسبة إلى البحريني تركي البنعلي الذي قتل في غارة على الرقة، يعد من أبرز الأمثلة على الصراع الفكري بين التيارات المتشددة، فهذان التياران يتبعان أساساً لتنظيم داعش، ووصلت الامور بينهما إلى الجدال التصادمي الذي وصل بدوره غلى التكفير والاتهام بالردة، وقلماً يتجرأ أحد عناصر أو أمراء داعش بالتطاول على زعيم داعش “البغدادي” إلا أن التيار الحازمي قام بتكفير البغدادي وتحميله مسؤولية الهزيمة في العراق وسوريا بسبب اللين والتساهل في الأحكام الشرعية، ولم يقتصر الجدل بين الفريقين على الأمراء الشرعيين بل انتشر بين العناصر وشهدت حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالجهاديين تفاعلاً كبيراً.

وسبق الجدال بين أبناء داعش صراع مماثل بين منظري تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وأبرزهم “أبو محمد المقدسي” و”أبو قتادة الفلسطيني” و”أيمن الظواهري” زعيم القاعدة وكانت الغلبة ولو ظاهرياً لتنظيم داعش، الذي ربما مالت الكفة لمصلحته بسبب تزامن هذا الجدال مع انتشار التنظيم في سوريا والعراق والشعبية التي حصدها بين صفوف المتشددين حول العالم وعملية الاستقطاب التي تلتها.

لكن ما هو سبب انفراد هذه الجماعات المتطرفة دون غيرها بالديالكتيتك، والذي يعتبر من ارقى العلاقات السياسية وربما الاجتماعية كونها منذ نشاتها كانت سبيلاً لتنظيم أمور السياسة والمجتمع، وبالعودة إلى سنوات ماضية، نجد أن ممارسي الديالكتيك كانوا أصحاب الأفكار الاشتراكية والشيوعية وحتى أصحاب الرؤى الرأسمالية، أي الجماعات التي أسست نظم العالم الجديد، وكان لهذه الجدالات أثر في العديد من المجتمعات، بل كانت أساساً لها كالاتحاد السوفياتي كمثال على الجدلية الاشتراكية، والولايات المتحدة كمثال على الجدلية الرأسمالية، لكن وبعد خفوت ضوء الجدلية تراخت عقول المنظرين إلى أن تلاشت الديالكتيك وحل مكانها فراغ استطاع المتشددون العبور من خلاله إلى المجتمعات.

وهذا الفراغ لا ينحصر بالمنطقة العربية فقط، بل هو فراغ عالمي، بسبب الاهتمام المجنون بالتقنيات ووسائل التواصل والتقدم العلمي، وظنون البعض بالوصول إلى الكمال الفكري المحصن من أي تداخلات غريبة عنه، والدليل أن نسبة المجندين في الدول الغربية لدى التنظيمات الإرهابية ليست بقليلة مقارنة مع مجندي المنطقة العربية، لكن يوجد استثناء كسر القاعدة العامة وهي موجودة لدى المجتمع الكوردي الذي ربما يكون المجتمع الوحيد الذي حافظ على روحية الفكر والجدل حوله، وكانت النتيجة مجتمع محصن فكرياً ضد التيارات الإرهابية، رغم الموجة الكبيرة التي اجتاحت وللأسف معظم أبناء المكون العربي في سوريا والعراق وأبناء الجيل الثاني للمهاجرين العرب في أوروبا وبعض الدول الاخرى.

وللحديث تتمة…