الرئيسيةمقالاتعن استقلالية القوميات… الكورد نموذجا

عن استقلالية القوميات… الكورد نموذجا

فادي عاكوم

لا شك بأن السعي إلى الاستقلالية والاستقلال فطرة ربانية، سعى إليها الإنسان منذ الخليقة، وهي بذرة زرعها خالق الكون في لا وعي الإنسان منذ أن شكله من الطين، فتشكلت الجماعات على مر التاريخ، واتخذت تسميات كثيرة، منها الشعوب ومنها أبناء القومية وغيرها من المسميات التي تصب في خانة واحدة آلا وهي الاستقلالية عن الآخر، والحصوص على حق اتخاذ القرار الخاص .

الامر لا يتعلق فقط بالجماعات، بل يصل الى الافراد، فالشاب/الفتاة يداعبهم حلم الاستقلالية، وانفصال عن الأهل (الجماعة الأم) لتشكيل الجماعة الخاصة بهم، ويتحقق الامر بالانفصال المبكر وبناء المستقبل بالعمل والدراسة، أو بالانفصال التلقائي عند الزواج وتكوين الجماعة الجديدة المستقلة قرارا وتنفيذا.

في المنطقة العربية الممتدة من مصر مرورا بمنطقة الخليج وصولا إلى أرض بلاد الشام، نجد شعوب وقبائل استقلت وكونت أوطانا خاصة بها، وتتخذ معظمها اللون الواحد مع وجود أقليات فرض عليها، أو اقتنعت العيش ضمن إطار الوطن المشكل من الآخر، وهنا يرتبط البعض منهم مع “الآخر” بالتاريخ أو الدين فتتماشى الأمور وتتهادى دون حوادث تذكر، مع استثناء بعض البلدان التي يسعى “البعض” الأقلية إلى الاستقلال تحت ذرائع شتى.

ربما يجد متابع أخبار حقوق الإنسان والحركات القومية والاستقلالية نفسه حائرا عند محطات كثيرة، فبعض الباحثين يؤيدون استقلال جماعة هنا، ويعارضون حالة مشابهة هناك، يرون في تحرك سياسي أو مسلح هنا حق مشروع، بينما يرون حالة مشابهة أخرى بأنها انفصال وتدمير للأوطان وخيانة قومية.

وبالانتقال إلى الحالة الكوردية، نجد الانفصام الكلي لدى الكثيرين، فأبناء هذه القومية ورغم انتمائهم إلى دول متعددة منها العراق وإيران وتركيا وسوريا، لكنهم لم يشعروا فعليا بأنهم أبناء هذا الوطن، فكانوا دائما أقلية، وتحت المجهر الاستخباراتي، وتحت كرباج القمع، ولا يعلم القائمين على هذه الدول بأنهم كانوا جزء من تنامي الشعور القومي لدى الكورد، من خلال التهميش والقمع المستمر، ولا يقتصر الأمر على الحكومات أو “العسكر” بل يمتد إلى الطبقات المجتمعية بكافة أنواعها، وأقل مثال مثلا يقال للمواطن السوري بأنه سوري، بينما الكوردي السوري يتم التعريف عنه بأنه “كردي” .

فكيف نستطيع إبعاد فكرة الاستقلال والحصول على دولة جامعة تحفظ الكرامة لشعب مهمش تاريخيا، لشعب تم تجزئة أماكن وجوده وإلحاقها بعدة بلدان، واللافت إن هذه البلدان ورغم الاختلاف السياسي التاريخي إلا أنها تتفق على طريقة معاملة الكورد، فنجد إن التعامل واحد لا فوارق فيه على الإطلاق، من مبدأ قمعي ديكتاتوري متماثل.

وفي تجارب العصر الحديث، وتجارب الدول الكبرى والعظمى تحديدا، نجد أن الاتحاد الفيدرالي والكونفدرالي كان السبيل الأنجح لقيام دول كثيرة، علما إن التقسيم الذي سبق الاتحاد بني على القواعد القومية والعرقية بامتياز، حيث تحظى هذه الجماعات باستقلالية القرار والتنفيذ، مع المحافظة على تاريخية الأفكار والمعتقدات وصولا إلى السياسات، وتبقى مصلحة الدولة العليا (الوطن الأم) هي القاسم المشترك الذي لا يتم الاختلاف حوله كون هذه الدولة تحفظ كرامة الجميع “دون استثناء” .

وفي الوضع الراهن في المنطقة العربية، فقد بات واضحا إن مسالة الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي او الاستقلال الذاتي بات ضرورة جامعة للعديد من الدول، وربما يكون الحل لمشاكل العديد من الدول التي تعاني من عدم انسجام التعددية القومية، ويكون الاستقلال الذاتي أداة موحدة للوحدة والتنوع في آن واحد، خصوصا وإن تجارب الجمع بالقوة أثبتت فشلها في العقود الأخيرة على الأقل في سوريا والعراق، الإشارة إلى كل من هاتين الدولتين بنيتا على أساس الاشتراكية التي من المفترض أن تضمن “المساواة المطلقة في الحقوق بين القوميات، وتناضل ضد أي شكل من أشكال الامتيازات لصالح إحدى القوميات أو عدد منها”، إلا أن أي من هذا لم يتحقق تاريخيا، حتى ضمن إطار إحدى أكبر التجارب العالمية الاشتراكية وهي التجربة السوفياتية، والتي عانت من التعدد القومي والإثني وكان الأمر مدار نقاش معمق لروزا لوكسمبورغ ولينين على مدى سنوات طويلة، وربما دون الوصول إلى التطبيق العملي الصحيح ولم يخرج الأمر عن إطار التنظير البعيد عن التطبيق الصحيح والفعلي.

في الحالة الكردية الراهنة، ولصعوبة إقامة الدولة الواحد باقسامها المتعددة، يبقى حل الاستقلال الذاتي أو الإدارة الذاتية على الأقل في سوريا والعراق الحل الأنسب الممهد لمشروع الدولة، وبما أن الأوضاع في العراق أفضل من الوضع السوري بالنسبة للكورد، يبقى أن يتم العمل على الوضع السوري لتأكيد مبدأ الاستقلالية الذاتية المرحلية والتبعية السياسية للدولة السورية ضمن إطار الدولة الموحدة، على إنه الحل الأنسب بل أفضل المتاح، مع الإشارة إلى أن حلم الدولة الواحد قد لا يزال بعيد المنال لأسباب إقليمية ودولية حتى بالنسبة للكورد نفسهم .

إذاً أهلاً بمقاطعة شمال سوريا الديمقراطية المبنية على أسس التقسيمات الإدارية الداخلية على غرار التجربة السوفياتية، (وهذا ما يتم فعلا التحضير له على الأرض) …

وللحديث تتمة …