الرئيسيةمقالاتفيدراليّة شمال سوريّا … تحدّيات واستحقاقات

فيدراليّة شمال سوريّا … تحدّيات واستحقاقات

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

حدّدت الهيئة التنفيذيّة للفيدراليّة الديمقراطيّة لشمال سوريّا، مواعيد إجراء الانتخابات، وعلى كافة المستويات (الكومينات، المجالس، الكانتونات، الأقاليم ومجلس أخوة الشعوب)، كما أصدرت وبشكل مفصّل اللائحة التنفيذيّة للقانون الانتخابيّ الخاص بمناطق الفيدراليّة، ممّا يؤهّلها لتدخل مرحلة الفعل ولتغدو واقعاً مُعاشاً في روج آفا وشمال سوريّا.

معوّقات داخليّة – خارجيّة واجهتها الفيدراليّة

لا شكّ أنّ تحدّيات جمّة واجهها المشروع الفيدراليّ منذ تشكّله الجنينيّ – ومازال – على الصعيدين الداخليّ والخارجيّ. فثمّة معوّقات حدت من التأخير – نوعاً ما – في الإعلان عن المشروع وهيكليّته التنظيميّة بالشكل الذي نراه الآن، فمنها متعلّق بطبيعة المعارك التي تخوضها قوّات سوريّا الديمقراطيّة في مواجهة الإرهاب، فاستنزفت إلى حدّ ما القُدُرات والإمكانات التي كان بالإمكان توظيفها في خدمة تسريع العمل على تنفيذ الخطوات اللاحقة لإتمام ولادة المشروع وليتجسّد على الأرض، كما أنّ تقطيع أواصر جغرافية شمال سوريّا – ما بين مقاطعتي عفرين وكوباني مروراً بالشهباء – هي الأخرى ساهمت في التأخير عن إعلان التقسيمات الإداريّة وصدور القانون الانتخابيّ، علاوة على صعوبة تنقّل أعضاء الفيدراليّة بين المقاطعات الأربعة.

تركيا التي ترى في ولادة الفيدراليّة نسفاً لوجودها الاحتلاليّ في شمال سوريّا، سعت بكلّ ما أوتيت من قوّة لعرقلة المشروع، بل ونسفه من أساسه، عبر زرع مرتزقته من درع الفرات في قلب مقاطعة الشهباء، والتهديد باجتياح المناطق المحرّرة منها إضافة إلى مقاطعة عفرين، ومحاولة وقوفها ضدّ إرادة مكوّناتها التي اجتمعت على المشروع، ووجدت فيه طريقاً وحيداً لإنقاذ سوريّا من الجحيم الذي تمرّ به منذ سبع سنوات.

فانبرت منذ اليوم الأول إلى شحن المعارضة السّوريّة التي خلقتها لنفسها، لتقف ضدّ المشروع وتطلق حملة شعواء لتشويهه، عبر وسائل إعلامها، تارّةً متهمّة إيّاه بأنّه “مشروع انفصاليّ” يسعى إلى إنشاء “دولة كرديّة”، وتارّة بأنّه يهدّد ما تدّعيه بـ”أمنها القوميّ”، فحشدت قوّاتها في مناطق الشهباء المحتلّة وعلى طول الحدود مع باكور كردستان مع مقاطعة عفرين.

النظام ومحاولات إعادة إنتاج الدولة المركزيّة

النظام السّوريّ تناغم إلى حدّ ما مع موقف دولة الاحتلال التركيّ، ولو ظاهراً، فتصريح نائب وزير خارجيّته فيصل المقداد، يمكن تفسيره في اتّجاهين اثنين، لا ثالث لهما: فهو إنّما يريد أن يُفهم بأنّ ذهنيّة النظام الأحاديّة مازالت هي ولم يطرأ عليها أيّ تغيير، وكأنّما يعيش على كوكب آخر، وليس هو من دفع بسوريّا إلى ما آلت إليه الأوضاع إلى هذه الأزمة التي بات الفكاك منها وحلّها من أصعب القضايا التي يواجهها العالم برمّته، وثانيها؛ أنّه برفضه للمشروع الفيدراليّ يسعى إلى إرضاء الأصوات الشوفينيّة داخل نظامه المتهالك، وطمأنتهم بأنّه لن يتنازل عن مفهوم الحزب الواحد واللغة الواحدة والشعب الواحد، وأنّ كلّ من يعيش على أراضي “الجمهوريّة العربيّة السّوريّة” فهو عربيّ، أي إعادة إنتاج الدولة المركزيّة ذات اللون الواحد بكلّ بشاعتها ومآسيها التي خلّفتها طيلة أكثر من خمسة عقود.

ولكن هل بإمكان النظام وقف المشروع..؟؟

من خلال استقراء مقوّمات وجوده والحالة المزرية التي يمرّ بها، يتبيّن لكلّ ذي بصر وبصيرة، أنّ النظام لا يقوى على إيقاف عجلة التطوّرات في سوريّا، وأنّ اللاعبين الكبار، أمريكا وروسيّا، تحدّدان مصيره ومستقبله، فحتّى “سوريّا المفيدة” غير قادر على إدارتها دون الاعتماد على إيران وروسيّا. وكذلك الأمر بالنسبة للمعارضة، فهما وبحكم ارتباطهما بالخارج، لا دور لهما في المعادلة السّوريّة التي تُرتَسم معالمها حتّى دون الرجوع إليهما واستشارتهما، فما عليهما في النهاية إلا التوقيع على ما أقرّه اللاعبين الكبار.

تنسيق تركيّ – إيرانيّ في مواجهة الفيدراليّة

إيران من جهتها، سارعت إلى استشارة تركيّا في كيفيّة الوقوف ضدّ المشروع، فلأوّل مرّة ومنذ خلع الشاه ووصول الإسلاميين إلى السلطة في إيران عام 1979، زار رئيس هيئة أركان الجيش الإيرانيّ تركيّا، وأتبعه لقاء ثلاثيّ بين رؤساء أركان الدول الثلاثة(روسيّا، إيران وتركيّا)، لوضع الخطط لمواجهة المدّ الفيدراليّ الذي تشكّل مناطق الشّمال السّوريّ المنطلق نحو باقي المناطق السّوريّة، من خلال التمهيد للسيطرة على إدلب وتهديد الخاصرة الشماليّة الغربيّة للفيدراليّة – مقاطعتي عفرين والشهباء – ومنعها من الوصول إلى البحر.

روسيّا وموقفها الضبابيّ

والسؤال الأهمّ هنا، هل ستنجرّ روسيّا وراء الألاعيب والخطط التي تعدّها كلّ من إيران وتركيّا في سوريّا..؟؟

أعتقد أنّه لن تنطلي على روسيّا المؤامرة التي يشكّل طرفيها إيران وتركيّا وإلى حدّ ما حزب الله والنظام السّوريّ، ولن تكرّر خطأها التاريخيّ الذي ارتكبته العام الماضي في السماح لتركيّا باحتلال مناطق إضافيّة أخرى في سوريّا، لأنّها لن تخدم مصالحها مطلقاً، كما أنّها لن تضحّي باتّفاقاتها الإستراتيجيّة مع أمريكا في سبيل إرضاء كلّ من تركيّا وإيران وإطلاق يديهما في سوريّا.

الخطوط الحمراء الأمريكيّة في سوريّا

من جانبها أمريكا، مثلما رفضت مشاركة تركيّا في معركة تحرير الرّقّة، كذلك لن تسمح لها بنسف الترتيبات التي وضعتها طيلة الفترة الماضية، فهي تدرك أكثر من غيرها طبيعة الدور التركيّ الهدّام في سوريا، من خلال دعم المجاميع الإرهابيّة المتطرّفة، وكيف فتحت حدودها لهم، ومدّتهم بكلّ أسباب القوة والدعم الماديّ والعسكريّ، فهي الأخرى لن تدع تركيّا تصول وتجول مثلما يحلو لها، علاوة أنّ رفضها لأيّ دور إيرانيّ في سوريّا؛ يُعتبر من الأهداف الإستراتيجيّة التي تسعى إدارة ترامب تحقيقها في سوريّا، ولهذا أيّ دور تركيّ في نسف المُنجز السياسيّ والعسكريّ الذي تحقّقه قوّات سوريّا الديمقراطيّة والتحالف الدوليّ سويّةً، لن تقدّمه أمريكا وكافة دول التحالف وقسد على طبق من ذهب إلى تركيّا وإيران والنظام السّوريّ، فالتهديد الذي أطلقه مبعوث الرئيس الأمريكيّ للتحالف الدوليّ لمحاربة الإرهاب بريت ماكغورك من بلدة عين عيسى قبل أيّام، بأنّه “لن يُسمح لقوّات النظام وحلفائه بعبور نقاط التماس وستتعرّض للردّ المباشر إن تجاوزته، ويحاولون إبعادها إلى جنوب نهر الفرات”، إنّما يسري على تركيّا أيضاً، وهي بمثابة خطوط حمراء أمريكيّة لكلّ من يحاول تقويض المشروع الأمريكيّ في سوريّا.

“حبل الوريد” في مواجهة فيدراليّة شمال سوريّا

الشبق التركيّ – الإيرانيّ في الاستحواذ على إدلب ، عبر الإيحاء بمحاربة الإرهاب واستئصال جبهة النصرة منها، لن يُكتب له النجاح، في ظلّ التهافت والإجماع الدوليّ على ضرب الإرهاب في أوكاره، وليس مدّ طوق النجاة له، فاستبعاد كلّ من تركيّا وإيران كمراقبين لمناطق خفض التوتّر، أثبت مرّة أخرى أنّ دورهما في سوريّا ليس القضاء على الإرهاب، بل استثماره بما يخدم مصالحهما، وقد قال أكثر من مسؤول تركيّ وعلى رأسهم رئيسها أردوغان، أنّ هدف توغّل الجيش التركيّ في إدلب عبر ما سمّاه بعمليّة “حبل الوريد” هي محاصرة مقاطعة عفرين، وقصف عفرين المدينة قبل عدّة أيام يأتي في هذا السياق، أي خلط الأوراق والترتيبات التي وضعتها كلّ من أمريكا وروسيّا. والاتّجاه العام لدى الدولتين – تركيّا وإيران – هو تقوية نفوذ الإرهاب (النصرة، داعش) في مواجهة فيدراليّة شمال سوريّا، ما ينسف كافة الجهود المبذولة لإنهاء التوتّر ووضع نهاية للأزمة السّوريّة ويعيدها مرّة أخرى إلى دائرة العنف والحرب الأهليّة.

معركة إدلب المرتقبة لتنظيفها من الإرهاب، لن تستطيع تركيّا وإيران القيام بها، فقط قوّات سوريّا الديمقراطيّة، ومن خلال المفاهيم التحرّرية والديمقراطيّة التي رسّختها في المناطق التي حرّرتها، بإمكانها أن تنقذ إدلب من فكّي الإرهاب.

فالفيدرالية وبحكم كينونتها والشرعيّة التي تحظى بها في سائر مناطق الشّمال السّوريّ، ستقوّض كافة المخطّطات الرامية إلى النيل منها، وهي اليوم أقرب من الواقع والحلّ من أيّ وقتٍ مضى، فبعد أن كانت مشروعاً، ستغدو بعد الانتخابات واقعاً ملموساً في كامل المناطق التي أعلن عنها في الشّمال السّوريّ، وأنّ أحد أسباب نجاحها تأتي من الأرضيّة الصُلبة التي تستند إليها، من حيث أنّها جاءت التعبير الأدقّ والأوضح للانتصارات الميدانيّة على قوى الإرهاب، التي طالما رعتها تلك الدول التي تعارض الفيدراليّة الآن، وغذّت التطرّف على الجانبين.

مصداقيّة الانتخابات ونزاهتها

فالانتخابات الأوليّة ستبدأ من الكومينات التي ستنطلق في 22 أيلول القادم، ستحدّد المسار الجديد للفيدراليّة، وسيشارك فيها الجميع، حيث إنّ الترتيبات التي تؤهّلها لأن تكون ناجحة وشفّافة متوفّرة، فالإحصاء الذي أُجري العام الماضي سيُساهم إلى حدّ كبير في تذليل العقبات التي يمكن أن تواجهها، فالبيانات الإحصائيّة لدى المفوضيّة العليا المستقلّة للانتخابات في كلّ مقاطعة، تمنح الانتخابات المصداقيّة والنزاهة في الترشيح الاقتراع. فالآليّات التي اعتمدتها الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة خلال انتخابات البلديّات في المقاطعات الثلاث (الجزيرة، كوباني وعفرين) قبل عامين، راكمت من الخبرات والتجارب في هذا الميدان. ستتبعها انتخابات المجالس، وقد حدّدت اللائحة التنفيذيّة للقانون الانتخابيّ للفيدراليّة، وبالتفصيل، عدد المقاعد وآليّات الانتخاب وشروط الترشّح والانتخاب.

المجتمع الدولي، وأمام هذه التجربة الجديدة في سوريّا، لا بدّ له أن يدعم هذه الانتخابات، بعدما فشلت كافة المراهنات على معارضة علمانيّة حاملة لمشروع ديمقراطيّ يضمن الحياة التشاركيّة لكافة المكونات في إطار سوريّا الواحدة، فالتصدّعات والشروخات مازالت تتوالى في صفوف ما يطلقون على أنفسهم “معارضين”، وبتنا نشهد كلّ يوم عودتهم لأحضان النظام، وهو ما يشير إلى فرط عقد الإئتلاف السّوريّ. فالمجتمع الدولي مدعوّ إلى الوقوف إلى جانب هذه الفيدراليّة، ليس فقط من خلال التصريحات والمواقف الضبابيّة، بل يتطلّب مواقف جادّة تعترف بها وبشرعيّتها التي استمدّتها من كافة مكوّنات الشعب السّوريّ، وتقطع الطريق على كافة الأطراف التي تحاول النيل منها.