الرئيسيةمقالاتكيف تحولت من بيريفان إلى شرفان

كيف تحولت من بيريفان إلى شرفان

كيف تحولت من بيريفان إلى شرفان

بيريفان أستيقظت باكرة في ذاك الصباح المشتعل بنار شهر آب..غسلت وجهها القمري المبتسم بكفين من ماء الخزان ولبست الشال الأبيض على رأسها ..

دخلت غرفتها تتأمل دولابها المكتظ بملابس ملونة جميلة كطيف الشمس التي لا تغرب عن شنكال .. تناولت كيساً من الدولاب وخرجت مسرعة من البيت كطفلة تطارد فراشة..في نهاية الشارع دخلت بيتاً سلمت على أهله ووقفت بين يدي الخياطة لتفصل لها بقايا ملابس حفل الزواج..

الخياطة تناغشها بكلمات مازحة وبيريفان غارقة في تفاصيل حلم يتحقق في القريب..الخياطة تفصل الأقمشة قطعة وراء قطعة وبيريفان تفصل أحلامها على مقاس الأمل..

عادت للبيت لتتشارك مع والدتها وأخواتها إعداد ما تحتاجه العروس ليوم الميعاد ..قالت والدتها جارتنا المسلمة جلبت لك الحناء لتعجينه وتزخرفي به يديك ..فكرت بيريفان وقالت سأرسم قلبين وزهرة وشمس على كفي يدي ليشمهما حبيبي في ليلة العمر ويحلق معي نحو عالم أبيض كأحجار شنكال..

ظفرت الصبية شعرها الذهبي ومعه ظفرت حب الحبيب في القلب ..أيام قليلة يفصلها عن الطواف في مراقد العشق الأزلي في بيت الحبيب..ليلتها أعدت النجوم ..كم كان صافياً قلبها وكم كانت صافية السماء تلك الليله..ظلت لساعة متأخرة تناجي صورة حبيب العمر إلى أن زارها النعاس ..قبلت الصورة ولفتها بمنديلها الجميل ووضعتها تحت مخدتها ..لثواني سكنت ثم قفزت خائفة ..أخرجت المنديل من تحت رأسها وقالت :ويحي :ماذا فعلتُ؟.. المنديل رمز الفراق والتلويح للمغادرين كيف لفيت صورة ولات به ..

رمت المنديل بعيدا وأعادت الصورة إلى تحت رأسها بحب ..وغفت ..غفت بيريفان …

أيقظها فجراً أصوات حشرجة الناس والرصاص ..قالت هل أحلم وهذا عرسي والشباب يطلقون طلقات الأفراح ..هل جاؤا الأحباب ليزفوني ..أم أنها الحقيقه وأنا غفيت ولم أتهيأ لمراسيم العرس؟!

نزلت مسرعة من سطح الدار رأت أن الأحباب الذين كانوا يتهيأون لزفها لم يقفوا عند بابها بل يهربون نحو السراب ..قوافل النساء والأطفال الحفاة.. ودعاء الشيوخ تملأ الحواري وتضيق بهم الأزقة والطرقات ..استفسرت ماذا يحدث في شنكال ؟!.. هل قامت الساعة ؟! لم يلحق أحدا أن يرد على سؤالها.. أو بالأحرى لم يكن لدى أحدهم الجواب والعلم..فقط قالوا اهربي ..اهربي جاء الإرهاب.. دخلت رأت والدتها وأخواتها يلملمن بعض الحاجات الخاصة لرحلتهم نحو المجهول ..غادر الأب ليجلب الجرار من الحقل ليركب عليه الأطفال نحو رحلة لا يعلمون لها بداية ولا نهاية..لملمت بيريفان بعض ثياب العرس في كيس لتأخذهم إلى حيث لا تعلم ..صراخ ..فوضى ..أصوات الناس والمراكب والرصاص والدعاء تختلط وتزيد من نبضات القلوب والخوف يتسلل رويداً رويداً إلى قلب بيريفان ..أين ستعثر على حبيب العمر أي طريق سيسلك هو.

 وأين سيلتقون..لم تمهلها يد الغدر طويلا دخل عليهم الغربان ينعقون ..صرخت قالت أمي أين ذلك خيال المآته(الفزاعة) الذي صنعه والدي لنضعه في الحقل؟! أظهريه يا أمي ولا تدعي الغربان تأكل حبات القمح لا تدعي يكسرون سنابل الأمل فينا ..وسط ضحكات مشمئزة من غربان العصر ولعاب حقدهم وغرائرهم التي كانت تسيل من قلوبهم وأفواههم ..أسروا بيريفان تلك الحمامة الشنكالية البيضاء التي لم تلحق أن ينموا جناحاها لتجرب الطيران ..أسروها هي ونساء البيت ..سحبوها ويداها ممسكتان بالكيس ..وهي تصرخ (ولات من )أين انت ؟!

تعال لتخرجني من بين مخالبهم ..وتارة أخرى تصرخ منادية والدها ..أبي تعال لا تدعهم يحرقون حصاد عمرك ..

صراخ ..دموع ..بكاء..فوضى ..رائحة دم..أصوات آهات الجرحى ..أصوات الثكالى من النساء ..رهبة الموت  ..مزيج رعب كأنه يوم القيامة حسب وصف كتب الدين .

في طريق رحلتهم نحو الموت البطيء مروا في شوارع ..جثة الأب على قارعة الطريق لم يصل إلى جراره فقد جره الهلاك..أولاد العم مذبوحون ..جثث بالعشرات ..قالت في نفسها تعودت في مدينتي أن يرحل الناس بهدوء نحو الفناء..كيف فارت مدينتي بكل هذا الفوضى وكيف بدل الموت في مدينتي ثوب الهدوء ..

أناس بثياب سوداء تفوح منهم رائحة الحقد يسبون ويقتلون يضحكون أحيانا وأحيانا يزمجرون..

بيريفان من شنكال إلى الموصل ومن ثم إلى الرقة ..رحلة سبي وإغتصاب ومتاجرة بإنسانيتها..ضاع كيسها على الطرقات ..تبدد حلم اللقاء..أين ولات؟! ضاع ولات في الولات..

ياويحي هل أصبح ولاتنا متاهه ويضيع في دروبها الاحباب؟! ألم يقولون الوطن سقف وأمان؟! أي عاصفة هوجاء طير سقف وطني الصغير شنكال؟!

بقيت بيريفان رغم أنها تجرعت الموت كل لحظة ألف مرة.. بيريفان حمامة شنكال لم يبق منها إلا هيكل بدون محتوى روحي ..تتقاذفها الأيادي من سوق للنخاسة إلى بيت داعشي جديد..لم تكن نائمة في تلك الليله بل خائفة وهي على أبواب شهر آب لم تنم ..الخوف زائرها منذ يوم البيعة المشؤومة..مرة أخرى أصوات الرصاص وفوضى وصراخ ورائحة الدم ..لم تميز ..هل أنا مرة أخرى في شنكال ..صرخت لقد جاؤا ليسبوني من جديد ورأت تجارها يهربون ..لم يدرك عقلها ما يحدث فعقارب ساعة تفكيرها متوقفة منذ غزوة شنكال !!!!!!

تكومت في زاوية تنتظر برعب دخول مالكيها الجدد ..تطرق إلى سمعها أصوات نساء يتحدثن بالكورمانجي ..قالت في نفسها ..أين أنا هل مت وهذا يوم الحشر مع أهلي ؟!

أم كلما ما مر علي كابوس وهذا صوت أخواتي جاؤا ليعدوني للعرس..دخلن عليها نساء يتحدثن بالكوردي ولكن يرتدين اللباس الخاكي وفي كتفهن بندقية وعلى شفاههن إبتسامة وعلى رأسهن شال بلون طيف شمس شنكال ..حضنوا بيريفان وقالوا لا تخافي يا أختنا في الدم لقد قتلنا أسراب الغربان وكلها أيام ستمنو أجنحتك من جديد لتحلقي نحو شنكال..

قالت كيف أعود كحمامة إلى شنكال ولا أعرف أين أمي وأخواتي ..كيف أعود مكسورة ألى شنكال ..كيف أعود للولات وأنا لا أعرف شيئاً عن حبيبي ولات؟!أقسمت بيريفان أن تتحول من حمامة مقصوصة الجناح إلى صقر تحلق فوق حقول القمح ويعانق جناحاها شمس الحرية ..بيريفان تحولت من مجرد بيريفان إلى شرفان.

گولي فيلي