الرئيسيةمقالاتمغامرة أمريكيّة خاسرة

مغامرة أمريكيّة خاسرة

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

أثير في الآونة الأخيرة لغطٌ كبير، حول نيّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة إنشاء جيش جديد، تحت مسمّى “جيش التحرير الوطنيّ” في المنطقة الشرقيّة في سوريّا، تمهيداً لما قيل تحرير “محافظة دير الزور” من تنظيم داعش الإرهابيّ.

ما أسباب الانسحاب الأمريكيّ من منطقة التنف..؟؟

وثمّة تساؤلات عديدة تُثار حول هذه القوّة المزمع إنشاؤها، وكذلك الفصائل العسكريّة التي ستشارك فيها، إلى جانب مخاوف عديدة من تكرار تجربة ما سمّي بـ”الجيش الحرّ” واعتماد أمريكا عليها في إسقاط النظام، على أنّها تمثّل “المعارضة المعتدلة”، حسب التوصيف الذي دُرِجَ في الأوساط السياسيّة والدبلوماسيّة قبل ثلاث سنوات.

بادئ ذي بدء، الانسحاب الأمريكيّ من منطقة التنف، ونزع سلاح الفصائل العسكريّة التي دعمتها وموّلتها ودرّبتها، هو بحدّ ذاته موضع تساؤل كبير، فالقوّات الأمريكيّة إلى الآن لم تدلِ بأيّ تصريح بشأن انسحابها من التنف، وكذلك لم تعطِ تفسيراً لسحبها السلاح من تلك الفصائل. لكن، ومن خلال المعطيات على الأرض، يتبيّن أنّ أمريكا اختبرت، وربّما للمرّة الأخيرة، جديّة تلك الفصائل التي تدّعي محاربتها للنظام وداعش على حدّ سواء، حيث انهزمت في عدّة معارك أمام قوّات النظام وداعش، حتّى تمكّنت الأولى من محاصرتها في المثلّث الحدوديّ (السّوريّ – الأردنيّ – العراقيّ)، وباتت بين فكّي كمّاشة، حيث تقدّمت من الجهة العراقيّة قوّات الحشد الشعبيّ أيضاً، مما اضطّرت معها أمريكا إلى مواجهة قوّات النظام وإسقاط طائرة لها، وتسبّبت في أزمة دبلوماسيّة بينها وبين روسيّا التي احتجّت بقوّة واعتبرتها “عدواناً سافراً”، حسب تعبير القيادة العسكريّة الروسيّة.

رغم الاندفاعة الأمريكيّة لحماية تلك الفصائل، إلا أنّها انهزمت أمام أوّل اختبار لها، ممّا دفعها إلى نزع سلاحها وانسحابها من المنطقة.

هذه الاستدارة الأمريكيّة حيال المشهد السّوريّ لا يمكن تفسيره بأنّه تغيير في الإستراتيجيّة الأمريكيّة في سوريّا من قبيل عدم نيّتها في تغيير النظام، بقدر ما أنّه لدى الإدارة الأمريكيّة أولويّات تستوجب المُضيّ قُدُماً فيها حسب المخطط الموضوع لها، وذلك ضمن توافق شبه تام مع روسيّا في سوريّا. أضف إلى ذلك، أنّ للإدارة الأمريكيّة تجربة مرّة مع تلك الفصائل، حيث برهنت الأخيرة، وبالعديد من الأدلّة والوقائع، أنّه حالما يُقوى عَضُدَها وتملك السلاح والمال، ترتمي في أحضان الحركات الإرهابيّة المتطرّفة، وتكون جزءاً منها.

أهداف مشروع إنشاء “جيش التحرير الوطنيّ”

تجميع تلك الفصائل في منطقة الشدّادي التي حرّرتها قوّات سوريّا الديمقراطيّة، إذا نُفّذ هذا المشروع، إنّما له هدفين إثنين فقط:

الأول: يتمحور حول محاولة تدجين تلك الفصائل، وانخراطها في صفوف قوّات سوريّا الديمقراطيّة، بعد أن رفضت قسم منها المشاركة في معركة تحرير الرّقّة تحت راية قسد، بل انسحبت بعضها. ولقد أوضح المتحدّث الرسميّ باسم قسد العميد طلال سلو موقفهم بالقول: ” لن نقبل بأيّة قوّات أخرى في المناطق التي حرّرتها قوّاتنا، وفي حال وجودهم، عليهم الانضمام تحت سقف قسد، بعد موافقة القيادة العسكريّة العليا لنا عليها”.

وأعتقد أنّ القيادة الأمريكية لا تملك الكثير من خيارات الرفض أمام مشروعيّة قوات سوريّا الديمقراطيّة، في رفضها لتواجد قوّات عسكريّة أخرى غير منضوية تحت رايتها، في مناطق هي حرّرتها ودفعت الكثير من التضحيات والدماء في تحريرها من براثن داعش، ولا تستطيع تجاهل هذ الموقف، وخاصّة أنّ الأخيرة على أبواب تحرير مدينة الرّقّة عاصمة الإرهاب الداعشيّ.

الهدف الثاني؛ أنّ أمريكا، وكجزء من سياستها التي ما انفكّت تمارسها طيلة تاريخها، أنّها تحاول أن تخلق “نقيضاً” لقوّات سوريّا الديمقراطيّة، كي لا تفرض الأخيرة كامل شروطها عليها، وتبقى الأولى أسيرة لديها، وخاصّة أنّها القوة العظمى في العالم. وفي هذه النقطة بالذّات، يجب على قيادة قوّات سوريّا الديمقراطيّة أخذ هذه المسألة في الحسبان، وتفويت الفرصة على كلا الطرفين في المساومة على الانتصارات العسكريّة الباهرة التي حقّقتها، وذلك من خلال التشبّث أكثر فأكثر بثوابتها في تحرير كافة المناطق من الإرهاب، وألا تخسر على الطاولة ما كسبته في الميدان، ونعتقد أنّ قيادة قسد لديها من الحكمة والقدرة على فرض دبلوماسيّتها العسكريّة والسياسيّة، بحيث لا تتمكّن أمريكا ومعها الأطراف الأخرى التهرّب من الواقع الذي ترسمه قوّات سوريّا الديمقراطيّة على الأرض، من خلال زحفها وتحريرها المناطق التي تسيطر عليها مرتزقة داعش، وأنّها القوّة الوحيدة التي هزمتها بلا منازع.

اجتماع عين عيسى… اعتراف شبه رسميّ بمجلس سوريّا الديمقراطيّة

والاجتماع الأخير الذي عُقِدَ في بلدة عين عيسى وضمّ مسؤولين كبار في وزارة الخارجيّة الأمريكيّة وقيادات عسكرية من قوات التحالف، مع قيادات من قوّات سوريّا الديمقراطيّة ومسؤولين سياسيين من مجلس سوريّا الديمقراطيّة، بما فيها الرئيسة المشتركة الهام أحمد، إلى جانب مسؤولين في مجلس الرّقّة المدنيّ، إنّما هو مؤشّرٌ قويّ على أنّ الإدارة الأمريكيّة تفهّمت وجهة نظر قوّات سوريّا الديمقراطيّة، وأنّ أيّ تحالف جديد إن كان يُراد له أن ينجح؛ يجب أن يمرّ من تحت رايّة قوّات سوريّا الديمقراطيّة فقط. وخاصّة أنّ هذا الاجتماع هو الثالث من نوعه والذي عقد علناً، وهو بمثابة اعتراف شبه رسميّ بمجلس سوريّا الديمقراطيّة كمظلّة سياسيّة لقوّات سوريّا الديمقراطيّة.

صمتٌ أمريكيّ حيال إنشاء قوّة عسكريّة جديدة

ورغم كلّ التهويل الإعلاميّ من قبل ما يسمّى بقوى “المعارضة السّوريّة وعلى رأسها الإئتلاف”، في أنّ هذه القوّة الجديدة ستكون بديلاً لقوّات سوريّا الديمقراطيّة وتحظى بدعم أمريكيّ، وأنّها ستكون هي – أي الإئتلاف – مظلّتها، إلا أنّ أمريكا فقدت الثقة بتلك المعارضة التي ارتهنت لقرارات ومصالح الدول الإقليميّة وفي مقدّمتها تركيّا، ولا تعوّل عليها في شيء.

رغم كلّ الحديث المُثار من قبل جهات إعلاميّة وأطراف سياسيّة محسوبة على الإئتلاف، مازالت الإدارة الأمريكية – كعادتها – صامتة، ولم يصدر عنها أيّ تصريح يدلّ على نيّتها إنشاء تلك القوّة التي يعوّل عليها الإئتلاف وكذلك أطراف إقليميّة أخرى.

فالمعارضة السورية تركت النظام، واتّجهت نحو محاربة قوّات سوريّا الديمقراطيّة، ومحاولاتها “اليائسة” وضع أسماء قسد ووحدات حماية الشعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ)وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ (PYD) في لائحة الإرهاب، إنّما يشير إلى إفلاس تلك المعارضة التي استسلمت للنظام، وأدارت ظهرها لواجباتها الثوريّة تجاه الشعب السّوريّ. فكيف بإمكانها أن تجابه قوّة مثل قسد ووحدات حماية الشعب حقّقت كلّ تلك الانتصارات وكسبت احترام الشعوب وحتّى الحكومات الإقليميّة والدوليّة.

الموقف الروسيّ …

من جانب آخر، ومن خلال متابعة المشهد السّوريّ في الوقت الراهن، يظهر جليّاً أنّ أيّ تطوّر فيه مرهونٌ بموافقة القوّتين الرئيسيتين؛ أمريكا وروسيّا، بعد أن أمسكتا بكافة خيوط اللعبة العسكريّة والسياسيّة في البلاد. فالوضع الذي فرضته في جنوب غرب سوريّا، إنّما يوضّح هذا التوجّه لديهما. ومن نافل القول إنّ روسيّا، وباعتبارها قوّة تدعم النظام بكلّ قوّة، لن توافق، وبأيّ شكل من الأشكال على تشكيل هذه القوّة، بل سعت وبموافقة أمريكيّة، غير معلنة، إلى تصفية تلك الفصائل التي حاربت النظام السّوريّ، ومن بقي منها حشرتهم – وبالتعاون مع تركيّا التي هي الأخرى رضخت صاغرة للمطلب الروسيّ – في إدلب، تمهيداً للانقضاض عليها في وقت لاحق. والبيان الذي أصدره مسؤول الملفّ السّوريّ في الإدارة الأمريكيّة “مايكل راتني”، أوضح بشكل لا لُبْسَ فيه نيّة كلتا الدولتين في البدء بحملة مشتركة ضدّ كافة القوى الإرهابيّة المتجمّعة في محافظة إدلب وخاصّة ما تسمّى بهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً).

مؤتمر للمعارضة في الرياض

كما أنّه من المزمع انعقاد مؤتمر للمعارضة السّوريّة في الرياض في غضون الأيام القادمة، لإعادة تشكيلها، وبما تتوافق مع الرؤية الروسيّة الأمريكيّة المشتركة الجديدة، وبداية هذا التغيير سيطال الإئتلاف وما يسمّى الهيئة العليا للمفاوضات، اللتان تلفظان أنفاسهما الأخيرة في الرياض وإسطنبول، حيث قُطِعَ الدعم الماديّ عن الإئتلاف الذي تسيطر عليه حركة الإخوان المسلمين، وبدأت بوادر الانشقاقات والخلافات تدبّ في صفوفه. نعتقد أنّ المؤتمر سيركّز على ولادة جسم سياسيّ سوريّ معارض جديد، بعيد عن المؤثّرات الإقليميّة، ويحظى بتأييد الشعب السّوريّ، عبر مشاركة معظم الطيف السياسيّ السّوريّ، بما فيها منصّتي موسكو والقاهرة، والنقطة المفصليّة التي سيتمكّن بها هذا الوليد الجديد من العيش والإقلاع، هي مشاركة الكرد ومكوّنات روج آفا والشّمال السّوريّ، عبر هيئاتهم الممثّلة لهم مثل مجلس سوريّا الديمقراطيّة والمجلس التأسيسيّ لفيدراليّة شمال سوريّا.

ما حصل في إدلب خطّطت له كلٌّ من أمريكا والسعوديّة

والتوطئة لهذه الترتيبات الجديدة بدأت مرّة أخرى من شمال سوريّا، فتركيّا الآن في وضع لا تُحسد عليه، فمحاولاتها في احتلال محافظة إدلب على غرار جرابلس، جوبهت بمعارضة من روسيّا وأمريكا، حيث تحاول كلتا الدولتين سحب يد تركيّا من الملفّ السّوريّ تدريجيّاً، من خلال قصّ أذرعها التي كانت تحرّكها تركيّا داخل سوريّا. فاللعبة التي أدارتها أمريكا، وبتنفيذٍ سعوديّ، على حركة أحرار الشام الإسلاميّة المتطرّفة، عبر استدراجها وقطع علاقاتها مع حركة الإخوان المسلمين التي تدعمها وتأويها تركيّا بكلّ قوّة، إنّما قطعت الأمل التركيّ في التوغّل في إدلب، ومن جهة أخرى، أشعلت صراعاً بينها وبين مرتزقة جبهة تحرير الشام.

كما أن فشلها في الهجوم على مقاطعتي عفرين والشهباء، رغم استماتتها في اقتحامهما، أسقطت من يدها الورقة التي كان بإمكانها أن تناور بها مع القوى العظمى. ونعتقد أنّ الأيام القادمة ستشهد أفولاً أكبر في الدور التركيّ في سوريّا، لتصل إلى مرحلة الضغط عليها لسحب قوّاتها التي احتلّت قسماً من مناطق الشهباء، بعد أن غدا المشروع الفيدراليّ واقعاً مفروضاً ومقبولاً من قبل كلّ من روسيّا وأمريكا، والرفض التركيّ بذريعة ” إنشاء كيان كرديّ على حدودها الجنوبيّة” وما شابه ذلك، لم يعد يقنعها مطلقاً.

وفي المحصّلة، تشكيل قوّة عسكريّة جديدة في خضمّ هذا الصراع الذي بدأت تتوضّح معالم نهايته في الأفق، لا يخدم بكلّ الأحوال أهداف الشعب السّوريّ، ولا أهداف ومصالح القوى المتحكّمة بالأزمة السّوريّة، وإن أي إقدام من جانب أمريكا على هذا المشروع، إنّما يُعتبر مغامرة خاسرة غير محسوبة العواقب، ولا نعتقد أنّ أمريكا ستغامر مرّة أخرى، كما في سابقاتها، والحديث عن هكذا مشروع، لا يعدّ أكثر من هرج ومرج إعلامي لا أكثر.