الرئيسيةمقالاتأمة ديمقراطية

أمة ديمقراطية

 إلتصق وصف العربية والإسلامية بأسماء معظم دول الشرق الأوسط ، وذلك على الرغم من عدم معرفة معظم هذه الدول بالإسلام كدين فضلا عن وجود مكونات أخرى غير العرب فى هذه الدول وهو ما يجعل لفظ “العربية” الملحق بوصف دول المنطقة غير دقيق فضلا عن كونه ظلم وإقصاء لبقية المكونات .

لنتخيل معا وقد أستبدلت ألفاظ “العربية أو “الإسلامية ” من أسماء دول المنطقة بكلمة ” الديمقراطية” لتصبح مثلاً ، جمهورية سوريا الديمقراطية ، جمهورية العراق الديمقراطية ، مملكة البحرين الديمقراطية …ألخ

كلمة واحدة يتبعها تغيير فى دستور دول المنطقة وإجراء إصلاحات سياسية وثورة تشريعية ، تتحول بعدها الأمة العربية بما فيها من ظلم وفقر واستبداد إلى الأمة الديمقراطية بما فيها من عدل ومساواة وحرية .

“أمة ديمقراطية ” ما أجمله من وصف ، وما أعظمه من تعبير ، ما أروعه من أمر يدعو للتفاخر والعزة .

أمة ديمقراطية لا تعرف القومية أو الإيدلوجية ، لا تؤمن سوي بالديمقراطية ديناً ومرجعية ، أمة يتساوي فيها الجميع تحت سماء واحدة بحقوق وواجبات وواحدة ، أمة يستطيع فيها أبن عامل القمامة أن يصبح قاضياً ، ويقف فيها الرئيس خلف القضبان عارياً بعد أن أسقطه القانون .

أمة ديمقراطية ، لا فضل فيها لعربيا على أعجميا ، ولا تمييز لكردي على سرياني ، الجميع أمام القانون واحد ، سيف القانون يقطع يد السارق ورقبة القاتل دون تمييز .

أمة ديمقراطية تري مواطنيها بعين واحدة ، تقبل الجميع ، فأياً كان توجهك السياسي أو مستواك الإجتماعي أو معتقدك الديني فأنت مواطن لك كل الحقوق ، لن يحرمك الفقر من التعيين فى المناصب السيادية ، ولن يمنعك الغني من الوقوف أمام القضاء كفاسد .

تبدو الكلمات السابقة أشبه بالحلم الذي من المؤكد أنه لا يفارق كل عربي ومسلم ، فالجميع بلا استثناء يحلم بدولة مدنية يشعر فيها بإنسانيته وكرامته ، دولة تعطيه حقوق مثلما يعطيها واجبات ، دولة لا تورث فيها المناصب ، ولا أولوية فيها لأبناء العاملين ، فالكل يعمل وفق قدراته وإمكانياته أياً كان اسمه أو جنسه أو ديانته أو مستواه الإجتماعي ، فالكفاءة هي المعيار الوحيد.

مرت عقود وعقود والدول الإسلامية والعربية لا تطبق من الإسلام سوي قوله الله تعالي “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” ولا تعرف عن السنة سوي أحاديث “بول الرسول” ورغم ذلك تصنف نفسها كأمة إسلامية !!

أمة يتواجد فيها التركمان والأكراد والنوبيون والسريان والأشوريين والأمازيغ ورغم ذلك تصنف نفسها كأمة عربية ولا تعترف بخصوصية هذه المكونات.

 لم تقدم القومية التي سعت الدول الغربية لإثارة نعرتها فى عشرينات القرن الماضي مع اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة وفق مصالح الدول الكبري سوي الثالوث المدمر الفقر والجهل والمرض وما تبعهم من استبداد وظلم وقهر تسبب فى خروج الأمة “الإسلامية والعربية” من خارطة التطور لتصبح مجرد دول مستقبلة لكل مخلفات العالم ، تجري على أراضيها الحروب ويقتل أبناءها فى سبيل حماية مصالح الدول الكبري الذين استبدلوا الإحتلال بمندوبين لهم بتلك الدول ” العربية ” .

بعد هذه العقود من الفقر والظلم تبدو الأمة بحاجة لتغيير أيديولوجياتها ومرجعيتها ، نبدو بحاجة للبحث عن دين جديد غير ما نعرف من الإسلام ، نريد إسلاماً جديداً غير ذلك الذي استخدمه الحكام فى تعزيز سلطانهم وتكفير معارضيهم ، نريد الإسلام الذي يصنع الحضارة ويقيم العدل والحق .

نريد ذلك الإسلام الذي وجده الإمام المجدد محمد عبده فى أوروبا “الكافرة” الذي دفعه ليقول كلمته الشهيرة عندما زار أوروبا : “رأيت في أوروبا إسلاماً بلا مسلمين وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام”.

من لطيف القول التذكير بتجربة الأمة الديمقراطية التي يتنباها الأكراد بشمال سوريا ، والتي نتمنى لها النجاح لتصبح صورة مضيئة للأمة الديمقراطية يتم تصديرها لبقية دول المنطقة ، نتمنى أن تنتشر تجربة الأمة الديمقراطية بالمنطقة مثلما انتشرت سياسة الإنقلابات العسكرية خلال منتصف القرن العشرين ، نريدها ربيعاً جديداً ينتقل بين العواصم على غرار ربيع 2011 … نريدها أمة جديدة ديمقراطية لا عربية ولا إسلامية .. فالديمقراطية أعلي قيم الإسلام  …

محسن عوض الله

كاتب مصري