الرئيسيةدراساتالرقة والنبش في تاريخها المجتمعيّ

الرقة والنبش في تاريخها المجتمعيّ

صلاح الدين مسلم

إنّها منطقة الشرق الأوسط، وسيطول الحديث عنها وعن مركزيتها وكيف أنها كانت ومازالت نقطةَ الصراع والحضارات، حيث أنّها أولى الأبجديات والفلسفات والأديان، وبالأخصّ الهلال الخصيب الذي كان ومازال الحسناء التي يحاول المعتدون الاستيلاء عليها، كانت المنطقة الممتدة من أورفا وصولاً إلى حران وجرابلس إلى حواف الفرات ودجلة وروافدهما، إنّها موطن الأديان والأخلاق والثورة ضدّ الظلم والعدوان، موطن الديانتين الإبراهيميّة والزردشتيّة التي غذّت العالم بالفكر والمعرفة والرقيّ والمساواة والمحبة والسلام، والثورة ضدّ الدولة غير الأخلاقيّة.

وأمّا بالنسبة للرقّة وضواحيها وصولاً إلى أورفا وحرّان كانت منبع الأديان ما قبل الإبراهيميّة والزرادشتية فكانت موطن الآلهة: إنليل فالآلهة السبعة وكانت هناك عبادة النجوم والكواكب، ونبو وبعل وأتارتا كيس وصولاً إلى عشتار فحدَد ونوسكو ونينجال ونرجال ونمرود وشماش…

إنّنا هنا ما بين النهرين في العراق وشمال سوريا وجنوب غرب تركيا، قبل أن تكون هذه المسمّيّات التي جلبتها الدولة الناهبة للتآلف المجتمعيّ، نحاول في هذا البحث أن نؤكّد على أنّ أخوّة الشعوب كانت الحلّ الوحيد لاستمرار هذه الحضارة الراسخة التي لم تتهدّم يوماً، وصمدت أمام سياسة؛ (فرّق تسُدْ) التي ظلّ الدولويّون (الدولتيّون) ينتهجونها، من سياسة (الكرد والعرب) (الإسلاميون والمسيحيّون) (السنّة والشيعة)… سنحاول البحث في بعض التفاصيل التي كانت تضفي إلى الوئام الحضاريّ المجتمعيّ ما بين الكرد والعرب في الخط الواصل ما بين منبج وصولاً إلى الرقّة.

لقد كانت هذه الأرض موطن الإمبراطوريّات المتعاقبة من البابلية إلى الكلدانية إلى الآشورية والحثية والمقدونية فالرومانية والبيزنطية، فالإمبراطوريات والإمارات الإسلامية انتهاءً بالمغول وصولاً إلى الإمبراطورية العثمانية إلى الانتداب الفرنسيّ فالاستقلال وعقم البعث فظهور الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة وانتهاءً بالمنهج الذي تتّبعه قوّات سوريا الديمقراطيّة الذي نحاول دائما في البحث عن حيثيّاته ومدى نجاعته ونجاحه، ولماذا هو الحل الوحيد؟

لننظر في نقاط التلاقي بين الكرد والعرب؟ (وإنّنا في هذا البحث نركّز على الكرد والعرب فحسب، مع احترامنا للمكوّنات الأخرى كالشركس والتركمان والأرمن والسريان…) لنتأمّل رفضهما جور العثمانيين، ورفض اتفاقية سايكس بيكو، وكيف كانت هناك اتفاقات معاً في مناهضة الانتداب الفرنسي والتدخّل الغربيّ في شؤون الشرق عامّة والشرق الأوسط على وجه الخصوص، العادات والتقاليد المشابهة في الأفراح والأتراح، تشابه الاضطهاد من الجور الطبقي الذي لعب به العثمانيين من خلال تحويل كبار السن وأصحاب المشورة إلى زعماء وآغاوات وباشاوات وأفندية…، فالدولة العثمانية قد لعبت في هذا النظام العشائري وقسّمته إلى طبقات، وجاء الغرب وأكمل تلك المهمة، وسواء كان الكرد أمراء وأقطاعيين منذ العهد الأيّوبي، وكانت هناك نقمة عربية على الطبقة الكرديّة لأنّها طبقة ملّاكة، وقد تغيّرت هذه المعادلة بعد ثورة الثامن آذار بقيادة حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، واعتلاء القوميين العرب سدّة الحكم؛ أمثال أكرم الحوراني وغيره، وقد بدؤوا بخطّة تعتمد على قلب المعادلة؛ من خلال جعل العرب طبقة فوقيّة والكرد طبقة دنيا، وذلك من خلال تقسيم أملاك إبراهيم باشا الملّي وكور شيد وعائلة كردو والبرازي غيرهم من الإقطاعيين الكرد وتوزيعها على الفلاحين العرب، وانحدار الوضع المعيشي للكرد واضطرارهم إلى العمل في كافة المجالات بأجور متدنيّة وقلب المعادلة الطبقيّة، حتّى ترسّخت النظرة الدونيّة للكرد، وصار بعضٌ ممّن كانوا يحسبون للنخبة المثقّفة الريادية للمجتمع العربيّ أمثال عبد الرزاق عيد وهيثم المالح وعطا كامل… لانتهاج نهج التفرقة وبثّ السموم في الاتفاق المجتمعيّ الذي أفسده أولئك المنتفعون والطبقة المثقّفة التي انضمت إلى طبقة التجار، وصار المثقّف التاجر منذ عهد الحوراني وصلاح الدين بيطار وميشيل عفلق… إلى الآن ينتهج نهج المفرّق، نفس نهج الدولة والدولة القوميّة.

وبعد أن تغلغلت المنهجية التثقيفة الجديدة في جسد المثقّفين المتأثرين بموجة الليبرالية الغربيّة، والمقادون من قبل الحداثة الرأسماليّة التي سرّبت القوموية إلى الوطن العربيّ لتقسّمه إلى دويلات متصارعة فيما بينها، وبعد أن انتعشت الطبقة العربيّة في الجزيرة وفي المناطق المتاخمة للكرد، والتغيير الديموغرافي للمنطقة الكرديّة عبر استحضار عرب الغمر إلى مناطق الكرد، بعد استملاك أراضي الكرد عبر أضحوكة تأميم الأراضي وانتعاش العشائر العربيّة مادّيّاً على حساب العشائر الكردية، وبعد تغلغل تلك الليبرالية في رؤساء العشائر العربيّة، الذين باتوا يرسلون أولادهم إلى المدارس المتأثّرة بالتجربة الليبرالية الغربيّة، وتطبّعت بعض العشائر العربيّة والكرديّة على السواء بالعِلْم الوضعيّ الغربيّ، فانتعشت القومويّة وانتشرت بين العرب وتعاظمت النظرة الدونيّة عند العرب، وصاروا ينظرون إلى الكرد على أنّهم الطبقة المتدنيّة في المجتمع، وبالتالي ازدادت النظرة التقزيميّة الدونيّة للكرديّ على السواء.

عندما نريد أن نقدّم الصورة الصحيحة لتقسيم المجتمع الكرديّ والعربيّ على السواء، سنرى أنّها كانت خطّة الدولة القوميّة التي انتعشت بعد استلام جمال عبد الناصر سدّة الحكم في سوريا في عام 1958، وتركّزت وتثبّتت أركان الدولة القوميّة بعد استلام البعث سدّة الحكم بعد الانفصال عن مصر في عام 1961، وصار حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ هو القائد لعمليّة التطهير العرقيّ والتغير الديموغرافي وشقّ صفوف العرب والكرد، وصارت سبباً للصراع السنّي العلوي، والمسيحي والسنّي، والكرديّ والعربيّ … وبات همّ الدولة البعثيّة تثبيت أركان الدولة بالقوّة والعنف بعد أن فشلت الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في 1946 حتى 1961 أي في ظرف 15 عاماً من تثبيت أركان الدولة الوليدة التي لا تعرف ما معنى الدولة القوميّة؟ لأنّها حكم جديد تعلّموه من الفرنسيين طيلة حكم الفرنسيين بين عام 1920 حتى عام 1946 أي طيلة 26 عاماً وتصوير الاستقلال والحدود والعلَم على أنّها الحرّيّة والخلاص والقوميّة والوطن والمواطنة… دون أن تدرك العشائر العربيّة والكرديّة على السواء هذه المصطلحات عبر تاريخ التآخي والعيش المشترك الذي يعدّ أقدم بكثير من هذه المنظومة الفكريّة الجديدة المستوردة.

إنّ تاريخ المجتمعيّة الكرديّة التي لم تبحث عن دولة عبر تاريخها المديد والذهنيّة الدولتيّة العربيّة التي لم تعش إلّا تحت سقف الدولة العربيّة والإسلاميّة تستطيع أن تندمج معاً عبر التحالف العربيّ – الكرديّ في الرقة ومنبج ودير الزور وصولاً إلى الهول فالشدادة…

لقد استطاع الاستعمار الفرنسيّ أن يحوّل الثورة التي كانت تعتمد على حماية نمط الحياة والدفاع المشروع عن هويّة المصالحة والارتباط بالمكان والزمان وحماية القيم الثقافيّة إلى صراع أثنيّ عرقيّ، فبات العربيّ يقول: أنا عربيّ، وكانت ردّة الفعل الكرديّة وبتشجيع من المثقّفين الآتين من خارج سوريا والمتلمَذِين على يد التيار الغربيّ الذي زرعه كمال أتاتورك فيهم إلى فكرة القومويّة المتأثرة بمدّ الدولة القوميّة الآتي من الغرب.

عندما نريد الحديث عن منطقة ما في الشرق الأوسط علينا أن نذكر الأحداث العظيمة التي أثرت فيها، ولا يفيد كثيراً ربط التاريخ بما قبل الميلاد أو ما بعد الميلاد، فمثلاً الرقة يمكن أن نربطها بما قبل غزو هولاكو وما بعد غزو هولاكو، بما قبل داعش وما بعد داعش… فلا يمكن الحديث عن كوباني على سبيل المثال دون ذكر ما قبل داعش وما بعد داعش، ما قبل ثورة روجآفا وما قبل ثورة روجآفا…

ولا يمكننا الحديث عن الرقة تاريخيّاً دون ربطها جغرافيا بسهول حران التابعة لرها (أورفا) حيث تعدّ المنطقة الممتدة ما بين الرقة ومنبج وعفرين إلى أورفا وحرّان ومرعش مناطق كردية عربية تركمانية أرمنية جركسيّة… وسواء كان الوجود الكرديّ فيها ممتدّاً إلى ما قبل الميلاد، أو الوجود العربي ما بعد الهجرة، أو الوجود التركماني مرتبطاً بزحف المغول على تركمانستان وغيرها من البلاد التي هاجر منها الكرد والتركمان والعرب أيضاً.

لقد شهدت كردستان أوسع هجرة كردية باتجاه مصر وبلاد الشام في الفترة الأيوبية أي ما قبل 800 عام، وزادت الهجرة الكرديّة في حقبة الدولة العثمانية

لا يمكن أن نربط الرقّة كثيراً بتدمر ثقافيّاً، فالامتداد الثقافي للرقّة يتّجه نحو الشمال والشرق والغرب، فكان في الرقة باب حرّان الذي كان يصل إلى حرّان التابعة لأورفا، وباب بغداد الذي يصل إلى عاصمة الدولة العبّاسيّة، ولم يكن فيها باب يربط الرقّة بحلب أو ريف حمص وحماه على سبيل المثال، فقد كانت الرصافة الامتداد الثقافي للدولة الأمويّة التي كانت الحصن الحصين أمام الرومان، فكانت الرصافة موضع حج وتقديس لدى المسيحيين لذلك جعلها الخليفة  هشام بن عبد الملك مدينة مهمّة وحصنا دفاعيّاً له، فالامتداد الثقافي للرقة كان مع العشائر الكرديّة والمدن الكرديّة في أورفا وصولاً إلى نصيبين فجبال عبد العزيز (كزوان).

لقد كانت الرقة ومنذ عهد الخلفاء الراشدين مأهولة بالسكان، وقد وقعت بالقرب منها معركة صفين. وقد اهتمّ المقدونيّ بها، عندما أسّس مدينة نيقوفوريوم في موقـع الرقــة السمـراء، ثمّ تغيّر اسمها إلى كالينيكوم إلى ليونتوبوليس.

حتّى احتلّها عيّاض بن غنم في عام 639م من الحكم البيزنطيّ، وتوالت الدول والإمبراطوريّات على هذا المركز التجاريّ المهمّ الواقع على طريق الحرير، ومعظم القبائل العربيّة والكرديّة تعيش بعيداً عن المركز، وكانت هذه الصفة تجمع ما بين الكرد والعرب وهي التنقّل وعدم التجمّع في مناطق كبيرة مثل مراكز المدن، وحال هذه المدن التجارية المهمّة هي الدمار والبناء من جديد من بابل وصولاً إلى واشوكاني (سرى كاني) إلى قرقاميش (جرابلس) فحداتو (شيران)…

بنى هشــام بن عبد الملك مقابل الرقة على الضفة الغربية قصرَين وجسراً على نهر الفرات، وتوسعت المدينة شرقاً وشمـالاً وازدهرت، واعتبرها الخليفة هارون الرشيد مركزاً لإعداد الجيوش لقتال البيزنطيين، وبعدها تدمّرت على يد هولاكو عام 1371م.

لقد كانت القوافل التجارية تنطلقُ من الرقّة متجهةً من بلادِ الشامِ إلى بغداد، وباب حران؛ الذي لم يبق منه سوى فتحة كبيرة في الشمال في جسم السور، والجامع العتيق (جامع المنصور)، وقصر البنات (القصر العباسي)، وقصر الرشيد.

ومازال التاريخ المجتمعي يخفي في طيّاته اتّحاد مدينة بيراجيك والعشائر البرازية والكيتكان والملّية والعشائر العربيّة والتركمانية في حصار بيراجيك بين عامي 1831 – 1845 م ضد العثمانيين, وحصول حرب عظيمة حينها حتّى أن أجبرت القوّات العثمانية إلى الالتجاء بقلعة بيراجيك حتّى وصول الإمدادات العثمانية العسكرية لفكّ الحصار عن الوالي المحاصر.

إنّه التاريخ الذي يصوغه العظماء الذين تحاربوا يوماً سابقاً من اتّحاد الكرد والعرب، والآن باتوا في خندق واحد يحاربون الوحش الداعشيّ، فإذا حاولنا أن نسرد الصراع الشيعيّ – السنّي (قرب الرقة في موقعة صفّين) عبر التاريخ الإسلاميّ وقارناه بالوئام العشائريّ العربيّ الكرديّ فسنستشفّ حينها أنّ تاريخ الوئام هو أعظم وأعرق من تاريخ الصراع السنّي الشيعيّ الدولويّ (الدولتيّ) الذي كان فيه الصراع على الدولة أكثر منه الصراع على الفكرة والأيديولوجيا.

أمّا في مرحلة الاحتلال العثماني للرقّة وغيرها للمدن الكرديّة والعربيّة والفارسيّة، ويمكن أن نعتبر الأتراك قوماً جديداً في الشرق الأوسط، ويمكن أن نربطهم بالسلاجقة، وأن نربطهم بالأقوام التي ساهمت في تقويّة الجيش، فقد كانوا كالمغول يحبّون الغزوات والحروب، وعندما سيطروا على هذه المنطقة من خلال السلطنة العثمانية التي قضت على الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة، وأضحت الرقّة تابعةً لآمد (ديار بكر)، وكان الوالي يقيم في آمد، وكثيراً ما  كانت عشائر الرقة تقوم بالعصيان و التجاوزات، وكلّما ذهب الوالي إلى الرقّة كانت العملية عكسيّة، فكانت الاضطرابات والثورات تقوم في آمد، وهذا ما يثبت أنّ الشعبَين العربيّ والكرديّ لم يهضما الدولة، فصحيح أنّ العرب قد تشرّبوا من تاريخ الدولة، فقد استمرّت الدولة العربيّة عدّة قرون منذ العهد الراشدي وصولاً إلى القرنين الأوّلين من العصر العباسي، وبعدها سيطر البويهيّون فالفرس والسلاجقة والأكراد الأيوبيّون فالمماليك وصولاً إلى العثمانيين، حتّى نشوء الدولة القوميّة ما بعد خروج الانتداب الفرنسيّ وصولاً إلى داعش.

صارت الرقة تنتقل إدارتها ما بين والي آمد ووالي عينتاب، ومعظم الوثائق العثمانية تثبت تهجير الكرد من عنتاب وأورفا ومرعش وديار بكر إلى الرقة وضواحيها، فقد كانت الإمبراطوريات تهتمّ بالمدن، وكان هناك عذاب في إدارة هذه المناطق، لأنّها كانت تحتوي على ثقافات متنوّعة، وإلى الآن مازال أردوغان وسابقوه يعانون من إدارة المناطق التي تحتوي على ثقافات متعدّدة، لذلك آثرت الدولة التركيّة إلى الانحياز إلى الأحاديّة لقولبة كل القوميّات في قوميّة واحدة، وكذلك فعلت سوريا والعراق من خلال البعث.

إن قراءة  نصوص الجغرافية والتاريخ الإسلامي والأنثربولوجيا والأثار وتحليل هذه المنطقة الممتدة ما بين عفرين وصولاً إلى الرقة فدير الزور فالحسكة فالبوكمال… لا تستطيع أن تثبت المكوّن الرئيس في البلاد، ففي كلّ حقبة زمنيّة كان هناك طغيان لمكون ما، ولا توجد حاضرة ومدينة إلا وتهدّمت وأعيد بناؤها، سواء في نفس المكان أو في مكان قريب منه، فالتداخل الفظيع في هذه المنطقة يعطي انطباعاً وهو أنّ هذه المنطقة منطقة تعايش مشترك، فالتوزع الجغرافي للأقوام والأديان في هذه البلاد يتداخل بشكل لافت، ومن الصعوبة بمكان رسم حدود فاصلة بينها واستناداً إلى النصوص الإسلامية فإن تاريخ غالبية الشعوب التي عاشت في إقليم الجزيرة ،كالعرب والأرمن والكرد والآثوريين الكلدان ،يعود تاريخها إلى حقبة ما قبل الإسلام، أمّا التركمان فقد دخلوا المنطقة بعد معركة ملاذ كرد عام 1071م، وأصبح  لهم دور  بارز في تاريخ الإسلام بشكل عام وهذا البلاد بشكل خاص، حيث أسّسوا العديد من الإمارات والدول فيها، ولم تنشأ الصراعات إلّا بظهور الدولة القوميّة البعثيّة، وهو الفصل الدمويّ الأشدّ عنفاً وقهراً بعد الهجوم المغولي والهجوم الداعشيّ، بل باتت هذه السياسة البعثيّة التي رسّمها محمد طلب هلال في مقترحات بشأن القضيّة الكرديّة التي أثّرت بشكل أو بآخر على العرب والكرد على حدّ سواء، من خلال تركيز هلال على إسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود، فهم حصن المستقبل برأيه، ورقابة بنفس الوقت على الأكراد، ريثما يتم تهجيرهم، واقترح أن تكونَ هذه من (شَمّر) لأنهم أولاً من أفقر القبائل بالأرض، وثانياً مضمونين قومياً مئة بالمئة، فقد وصّى هلال بجعْل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة، بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب، وإجلاء الأكراد، وفق ما ترسم الدولة من خطة، وإنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً، وعدم السماح لمن لا يتكلم اللغة العربية بأن يمارس حق الانتخاب والترشيح في المناطق المذكورة، ومنع إعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة، مهما كانت جنسيته الأصلية (عدا الجنسية العربية)…إلخ. هذا وقد رأى أنّ هذه المقترحات ليست كافية، بل قال: (أردنا منها إثارة المسؤولين بحسب خبرتنا، لتكون تباشير مشروع خطة جذرية شاملة، لتؤخذ للذكرى بعين الاعتبار.).

وبالفعل قام البعث بهذه السياسة بعد إنشاء سدّي الفرات والبعث، فتمّ تهجير الكرد وإسكان عرب الرقّة في مناطق الجزيرة، فشعر العرب بالسيطرة، وازداد الحقد الكرديّ ضدّ العربيّ، وازداد الاحتقار العربيّ للكرديّ، وهنا ارتاحت الدولة القوميّة في دقّ الإسفين ما بين الكرد والعرب، لكن بعد أن تحرّرت الطبقة والضيع الرقّاوية والرقّة أيضاً من داعش، تعرّفوا على وحشيّة الدولة القوميّة، والآن يبحثون في جوهر التعايش والعيش المشترك والأمّة الديمقراطيّة ليعيدوا مجد هذه الأمّة الديمقراطيّة من خلال نبش التاريخ المجتمعيّ.