الرئيسيةدراساتجذور الأزمة السورية والمرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا

جذور الأزمة السورية والمرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا

د. أحمد يوسف

العصبية القبلية مصدر الصراع السوري

لقد اثبتت الوقائع أن الأزمة السورية التي بدأت تنحبك خيوطها بوضوح مع بزوغ شمس آذار 2011، ليست أزمة قوت الفقراء من أبناء المجتمع، ولا أزمة شعب يشعر بالقهر المطلق من ممارسات نظام أستبد به على مدى عدة عقود، بل إنها أزمة تمتد بخيوطها إلى صراع تأسس قبل سيطرة الأسد الأب على مقاليد الحكم في البلد، وهو صراع يُختصر في العصبية القبلية لمكونات البلد، والتي كانت تظهر واضحةً في صراع المدينة والريف، حيث أن الأولى هي الحاملة لبذور المدنية الممتدة صناعياً على المستويين الأفقي والعمودي، والممثلة لغالبية دينية تنتمي إلى طائفةٍ، هي السائدة في الدول العربية المتشاطئة للمتوسط والممتدة في عمق ما تم تسميته ببلاد الشام. بينما الأخيرة تتنوع في انتماءاتها الطائفية وتتشتت أمام قوة المدينة، فتبقى في حالةٍ هامشية، ولا تكون في أفضل حالاتها سوى تابع هزيل للمدينة، أو عنصر قوةٍ إضافية تديرها المدينة من خلال وكلائها من الملاك وأصحاب النفوذ، لذلك ظلت المدينة مصدر السلطة والتشريع والقوة، وبالتالي مصدر الفخر أمام الريف المتميز بالفقر والتخلف.

هذا المنظور المديني للواقع السوري جعل من المدينة مركز الاستقطاب لكل حراك داخل البلد وجعل منها صمام أمان القوى المتمركزة فيها للاستمرار في ديمومة تسلطهم على الجغرافيا السورية كاملة. رغم كل سياسات المدينة في العمل على رسم الولاءات، إلا أنها وقعت ضحية أقلية طائفية عبر بوابة سياسية بعد تعايشها للحظة نصرٍ قصيرة أمام قوة ريفية قادمة من جنوب المتوسط وهادمة للبنى الهيكلية للمؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والسيطرة المطلقة على المؤسسة العسكرية. أدعت أنها الأكثرية الحاملة لمشروع نهضوي عروبي من المحيط إلى الخليج، ورأت نفسها في نهاية الأمر سائرةً في ركب تلك القوة رغماً عن إرادتها، وباءت جميع محاولات إعادة المياه إلى مجاريها بالفشل.

إن هذا الصراع بين الطرفين(المدينة -الريف) وتنامي دور الريف وسيطرته جزئياً على واجهة العمل السياسي في البلد من خلال طائفة خلقت حالةً سورية تميزها النفاق من خلال رفع الشعارات التي تمجد الوحدة الوطنية عبر وسائل خاصة، دون تحقيقها على أرض الواقع ودون التفكير في تطبيقها من قبل أي جهة، مما أدى بالبلد إلى أن يكون موضوعاً للإنهيار كمنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى أخلاقية بسبب تعاظم حوامل الانهيار الأخلاقي في المعادلة غير العادلة للجغرافيا السياسية في البلد. وتحول البلد بكل جغرافيته إلى بوالين منفوخة توحي في ظاهرها بجمال المواقف، بينما تخبئ في بواطنها بما ينذر بخطر الإنفجار تحت أي ضغط. وهذا ما حصل فعلاً وثبت أن سوريا حاملة راية العروبة ورافعة الشعارات الممجدة للوحدة والحرية والاشتراكية في جميع المحافل ليست سوى مقطع هزلي في مسرحيةٍ وهمية يدرك أبطالها حقيقتها، ولكنهم يؤدون أدوارهم التمثيلية بنجاح.

في النتيجة أنهارت المنظومة السائدة رغم بقاء الهياكل، وأكدت عملية الانهيار صحة الآراء التي كانت ترى في سوريا المنظومة السياسية والاجتماعية دولةً مفككة بكل المعايير نظراً لطمس العديد من الهويات التي تشكل جزءاً أساسياً من الموزاييك السوري. وأكدت الوقائع التي نشهدها على الأرض حقيقة الحجم الهائل للتراكم في إرث العداء بين الأطراف منذ عقود طويلة خلت.

تعددت الطروحات التي ظهرت على الأرض في سوريا لمعالجة الأزمة ولم تكن بعض تلك الأطروحات سوى روح الأزمة وشكلها، ولا تمت للعمل في القضية السورية بأي صلة، حيث أن جميع الطروحات الإسلاموية والعلموية على حدٍ سواء ظلت تركز على سوريا البلد الواحد والشعب الواحد وحتى الدين الواحد عبر طرح مفهوم إسلاموية الدولة، وإهمال أهمية ودور المكونات الأخرى، طبعاً مفهوم عروبة الدولة لا تنبرح عن أي طرف من الأطراف الفاعلة وغير الفاعلة في هذه الأزمة الأخلاقية قبل أن تكون سياسية.

طبيعي أن تواجه هذه الطروحات الشمولية رفض المكونات السورية التي تخشى إعادة إنتاج نظام سياسي وأخلاقي أكثر تشدداً من ذلك الذي ساد في غفلةٍ عن المدينة المميزة بشموليتها هي أيضاً. فلم تتمكن القوى التي عملت في ظل الأزمة السورية الحالية سوى إبراز الميول الانحرافية نحو الشمولية الدينية والطائفية وتقزيم دور الدولة عبر إنتاج مناهج حياتية تعود بأصولها إلى الصراعات التي أعقبت عهد محمد مباشرةً منذ أربعة عشر قرناً.

طرح الفيدرالية تعبير عن العقلانية السياسية

في الوقت الذي باتت فيه الآراء المؤيدة لاستحالة التعايش المشترك سورياً مسيطرة على المواقف السياسية والاجتماعية عموماً، تبرز قوة الحل في الشمال السوري، الذي طرح مفهوم الفيدرالية كحل أمثل لقضيةٍ باتت الأكثر تعقيداً على مستوى الشرق الأوسط. لا شك من كون الطرف الذي يطرح هذا المشروع حاملاً لقيم الديمقراطية والتعايش بين المكونات من خلال الاعتراف المتبادل لتلك المكونات بحقوق بعضها البعض في إطار جغرافيا وطنية شاملة للجميع باستظلالها بمظلة منظومة فكرية حديثة، بديلة للنظم الفكرية للأنظمة التسلطية الموروثة منذ ظهور المجتمعات الطبقية والمتحكمة بإرادة شعوب المنطقة عموماً. وفي سياق هذا الطرح تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها بقوة، وذلك لأجل فهم حيثيات هذا المشروع الشامل للسوريين والمقوض للنزعات الاستفرادية بالبلد، ولعل أهم تلك الأسئلة هي:

  • هل تم طرح الفيدرالية في تاريخ سوريا المعاصر قبل طرح فيدرالية شمال سوريا؟ أم أن فيدرالية شمال سوريا هي أول تجربة مطروحة عن نموذج الدولة المركبة في سوريا؟
  • ما هي المرتكزات التي تعتمدها الجهة صاحبة المشروع؟
  • ما هي المرتكزات الاقتصادية لهذا المشروع؟
  • هل يمكن أن يعمم هذا المشروع في عموم سوريا؟

الفيدرالية أول مشروع سياسي طُرِحَ لإدارة سوريا المعاصرة

تؤكد بعض الدراسات في التاريخ السوري المعاصر أن نظام الفيدرالية هو أول نظام تم طرحه في سوريا بعد خضوعها للانتداب الفرنسي مباشرةً. وقد كانت السياسة الفرنسية في حينها ترتكز على ارتدادات معاهدة سيفر 1920م لرسم خارطة المنطقة لفرض سيطرتها[1]، فكان الشكل المناسب للسيطرة، هو شكل الدولة المركبة التي تمنح دوراً سياسياً للقيادات الاقليمية، وبالتالي تحقق ولاءات تلك القيادات لبسط نفوذها في المجالات المختلفة. وقد جرى بموجب المشروع الفرنسي تقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق تشمل سوريا ولبنان وأجزاء من الأردن إضافةً إلى لواء اسكندرون. ثم ظهر مشروع فرنسي جديد طرحه الرئيس الفرنسي ميلران في حينه، وذلك في رسالةٍ سرية وجهها إلى المفوض السامي الفرنسي في سوريا، مبيناً فيه أن النظام الذي يستجيب لمصالح سوريا ومصالحنا أيضاً هو سلسلة دول مستقلة جمهورية الشكل، تتناسب مع تنوع الأعراق والديانات والحضارات، وتتحدد في فيدرالية تحت السلطة العليا للمفوض السامي[2].

لقد كان من المخطط لدى الفرنسيين تقسيم سوريا إلى ثماني كانتونات، إلا أن الجنرال غورو استعاض عنها بطرح دويلاتٍ أربع[3]، آخذاً في الاعتبار بعض التمايز الطائفي عبر طرح دولةٍ للعلويين في الساحل ودولة للدروز في السويداء.

إذن إن النموذج الفيدرالي الذي تم طرحه حالياً في الشمال السوري من قبل الكرد ليس أول نموذج فيدرالي يطرح في سوريا لتحقيق التعايش بين مكوناته، إلا أنه يتميز عن النموذج الأول بأنه مشروع قائم من قبل مكونات شمال سوريا لبناء نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي يستند إلى قوة الإرادة المحلية لمكونات الشمال لتحقيق تعايش مشترك أساسه مساهمة جميع تلك المكونات في عملية تأسيس مجتمع ديمقراطي إيكولوجي. وبذلك فقط يمكن معالجة الانحدار السياسي والأخلاقي الناجم عن السطوة الشعاراتية الفارغة في حياتنا السايسية التي تميزها التكار من لحظة سيطرة الشمولية الدينية والقومية على مقاليد الحكم لغاية يومنا هذا.

أما ما يتعلق بالمرتكزات التي اعتمدتها الجهة صاحبة المشروع لبناء نموذج فيدرالي متميز عن النماذج المتعارف عليها عالمياً هي مرتكزات فكرية ترى في تبني مفهوم الأمة الديمقراطية حلاً لقضايا شعوب الشرق الأوسطية عموماً. وذلك كبديل عن المنظومة التسلطية القائمة فيها، وتعتمد في طرحها هذا على بناء شكل متميز للمؤسسات يعتبر المجتمع أساساً في اتخاذ القرار عبر تحويل آلية اتخاذ القرار من السلطات المركزية إلى المؤسسات المجتمعية التي تتأسس من خلال المجالس المنتخبة شعبياً حتى على أدنى مستويات التجمع السكاني.

لقد بدأت أولى خطوات هذا النموذج الإداري بالتطبيق عبر انتخابات الثاني والعشرين من أيلول 2017 لاختيار الرئاسات المشتركة لأكثر من ثلاثة ألاف وخمسمائة كومين في مقاطعات Rojava مهد فيدرالية شمال سوريا.

كل ما سبق يشكل ترجمة واضحة للخلفية الفكرية للجهة التي تبنت مشروع الفيدرالية وتمكنت من استقطاب الرأي العام في الشمال السوري، إلا أنه وعلى الرغم من كل تلك القوة الفكرية للسير بالشعب نحو التوافق، هناك مرتكزات ذات أهمية بالغة في إنجاح هذا المشروع، وتشكل صمامات أمان لإمداد هذه المنظومة الفكرية وتطبيقاتها العملية في الميادين المختلفة  بالقوة المادية لوضع شعوب شمال سوريا في سكة النهوض عبر تطوير شبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين جميع المكونات بالشكل الذي يؤسس لتوحيد الرؤى أو تقاربها بشأن مختلف القضايا التي تواجه تلك المكونات.

سوريا الأزمة، الانهيارات المتعاقبة

لفهم حقيقة المرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا يتحتم علينا فهم الواقع الاقتصادي السوري في ظل هذه الأزمة التي عصفت بالبلد وأدت إلى انهيار البنية التحتية بشكل عام، إذ أن الاقتصاد السوري قد شهد ضرراً بالغاً بتأثير مجموعةٍ من العوامل، لعل أهمها:

  • التدمير الممنهج للمنشآت الاقتصادية والبنى التحتية، كحال المدينة الصناعية في حلب، وتدمير معظم طرق المواصلات والمؤسسات التعليمية. تشير إحدى الدراسات إلى أن خسائر الحرب السورية خلال السنوات الست السابقة قاربت 1170 مليار دولار، تتوزع بين مختلف القطاعات، ويحتل القطاع السكني والعمراني المرتبة الأولى من حيث التضرر، حيث يقدر عدد الوحدات السكنية المتضررة بمليونين وأربعمائة ألف وحدة سكنية، وهو ما يرفع الخسائر إلى 200 مليار دولار، ويحتاج إعادة البناء إلى 300 مليار دولار على أقل تقدير، ولا يشمل ذلك المدمر من المصانع ومحطات التوليد الكهربائية والبنى التحتية المتعلقة بالخدمات العامة. ويحتل المرتبة الثانية من حيث حجم الضرر، القطاع الصناعي، إذ توضح الدراسة ذاتها أن 67% من قدرة سوريا الصناعية دمرت بشكل كامل.[4] وتوسعت دائرة تلك الأضرار لتشمل الزراعة والتجارة والنفط وغيرها.
  • العقوبات الدولية المفروضة على النظام منذ بداية الأزمة، وتأتي في مقدمة تلك العقوبات تلك التي فرضها الاتحاد الأوروبي بوصفها شريكاً اقتصادياً كبيراً للنظام السوري، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما في العام 2010م مبلغاً تقريبياً قدره (429) مليار ليرة سورية[5]. فقد أعلن الاتحاد وبشكل تدريجي أكثر من 15 حزمة عقوبات بدأها بحظر السلاح مع بداية الحدث السوري ومروراً بفرض عقوبات على القطاع النفطي الحيوي للبلاد وإلى إحداث جولة من العقوبات دعت دول الاتحاد بتفتيش السفن والطائرات المتوجهة إلى سوريا إذا اشتبه بوجود أسلحة أو عتاد عسكري فيها.[6]
  • عدم الكفاءة في إدارة السياسات الاقتصادية عموماً من مختلف الأطراف المسيطرة على الجغرافيا السورية، وغياب المشاريع الاقتصادية في ظل سيطرة آلة الحرب المدمرة لكل مقومات البناء الاقتصادي.

النتيجة كانت كارثية على سوريا البلد والمواطن، حيث واجه المواطن السوري انهيار قيمة الليرة السورية، مما زاد عبء تكلفة المعيشة التي أرهقت كاهل معظم المواطنين وبلغ عدد السكان تحت خط الفقر أرقاماً فلكيةً لأول مرة في تاريخ سوريا المعاصر. فقد برز عوامل الانهيار الاقتصادي السوري من خلال سعر صرف الليرة السورية الذي شهد انهياراً بما يعادل 660% من حزيران 2010 إلى حزيران 2016،[7] ومعدلات البطالة التي تجاوزت 60%[8]

الشمال لم ير انهياراً اقتصادياً

تحتل جغرافية شمال سوريا مكانةً حيوية في الحسابات الاقتصادية السورية، نظراً لتميزها بخصائص جيولوجية تكاد تكون معدومة في المناطق السورية الأخرى، وتجعل منها أهم مصدر للثروات الباطنية والسطحية، مما يمنح القوى التي تسيطر عليها مكانةً تفاوضيةً هامة لتأمين حقوق مكوناتها ولرسم ملامح الخارطة المستقبلية لسوريا. وقد استطاعت الإدارة الكردية لمناطق Rojava المحافظة نسبياً على معظم مقومات  البناء والتطور الاقتصادي، إذ أنها حافظت عليها من الخراب والدمار، رغم خروج بعضها من العملية الإنتاجية خلال سنوات الحرب، وتشكل المؤسسات التي تمت المحافظة عليها مرتكزات قوية للنظام الفيدرالي المعلن عنه، والذي سيدخل حيز التطبيق بعد الانتهاء من انتخابات مؤتمر الشعوب الخاص بفيدرالية شمال سوريا في التاسع عشر من كانون الثاني لعام 2018م.

يمكن تقسيم المرتكزات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا إلى نوعين من المرتكزات، أحدهما يتمثل في المرتكزات الطبيعية والثاني يتمثل في المرتكزات المؤسساتية والبشرية

أولاً: المرتكزات الطبيعية

  • الأراضي الزراعية: بلغت مساحة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (44) ألف كم2 في شهر أيلول من العام الحالي[9]، وذلك في المحافظات الشرقية الثلاث(الحسكة، دير الزور، الرقة)، وهي بغالبيتها أراضٍ صالحة للزراعة، إذ تتميز محافظة الحسكة باستحواذها على أكبر مساحة للأراضي الزراعية بين المحافظات السورية، وتبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة فيها (1579) ألف هكتار، وهي تعادل(27.7%) من إجمالي المساحات القابلة للزراعة على مستوى سوريا البالغة (5697) ألف هكتار. وتصل مساحة الأراضي القابلة للزراعة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية إلى (2080) ألف هكتار إذا أضيف نصف الأراضي القابلة للزراعة في محافظتي الرقة وديرالزور إلى المساحة القابلة للزراعة في محافظة الحسكة، وبذلك تبلغ نسبة الأراضي القابلة للزراعة والخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية من إجمالي المساحات القابلة للزراعة في سوريا(36.5%)[10]، وتشتهر هذه المساحات بكونها مصدراً هاماً لإنتاج الحبوب والقطن، إذ أن محافظة الحسكة لوحدها تنتج 37% من إنتاج سوريا من الحبوب، و39% من إنتاجها للقطن، وبالتالي فهي تعد مصدر الأمن الغذائي في البلد، إلى جانب كونها تشكل بنية تحتية قوية للصناعات الزراعية.
  • تنوع مصادر المياه: تعد مناطق فيدرالية شمال سوريا من أغنى المناطق السورية بالمياه على مستوى سوريا، فهي من ناحية تتراوح ما بين مناطق الاستقرار الأولى والثانية والثالثة، ومن ناحية أخرى تمر فيها ثمانية أنهار، أهمها نهري الفرات والدجلة. تم إقامة مجموعة من السدود على تلك الأنهار إضافةً إلى السدود السطحية المخزنة للمياه السطحية. ويبلغ عدد السدود الواقعة في مناطق فيدرالية شمال سوريا والمقامة في محافظتي الرقة والحسكة وعفرين ستة عشر سداً بطاقة تخزينية تتجاوز 300 مليار متر مكعب من المياه، يعد سدود الفرات وتشرين وميدانكي من أهم تلك السدود.
  • الثروات النفطية والغاز الطبيعي: تستحوذ فيدرالية شمال سوريا على أكثر من 70% من الاحتياطي النفطي المكتشف في سوريا، فهي تسيطر على الحقول النفطية في محافظة الحسكة، وبدأت توسع دائرة سيطرتها على الحقول والآبار الواقعة إلى الشمال والشرق من نهر الفرات في محافظة دير الزور، حيث تشير بعض الأرقام الإحصائية إلى أن إنتاج سوريا من النفط في العام 2010 قد بلغ 385 ألف برميل يومياً، ويتوزع إنتاج النفط في سوريا على ثلاث مناطق رئيسية. الأولى في محافظة الحسكة، والتي كانت الحقول النفطية فيها تنتج ما يزيد على 220 ألف برميل يومياً من النفط الثقيل، والثانية في محافظة دير الزور والتي كانت تنتج نحو 140 ألف برميل يومياً من النفط الخفيف، أما الباقي فهي حقول صغيرة متناثرة في ريف حمص وحماة[11]

يلاحظ مما سبق أن قوات سوريا الديمقراطية باتت مسيطرة على أغلب الإنتاج النفطي في سوريا والمتركز بشكل رئيسي في محافظتي الحسكة وديرالزور، كما أنها تسيطر على أهم معمل لإنتاج الغاز(كونيكو) في الشرق الأوسط، وكذلك مصادر المياه السطحية والجوفية والأراضي الزراعية التي تؤمن الغذاء لكل سوريا، وهي تشكل واحدةً من أهم نقاط القوة الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا.

بشكل عام يتجاوز مساهمة الناتج المحلي لفيدرالية شمال سوريا 60% من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، ويعني ذلك أن لفيدرالية شمال سوريا أهمية اقتصادية كبيرة على مستوى عموم سوريا، ويمنحها هذه الميزة القدرة على تعميم التجربة الفيدرالية لعموم سوريا في حال توفر الإرادة السياسية والاقتصادية لبناء سوريا فيدرالية ديمقراطية لكل مكوناتها.

ثانياً: المرتكزات المؤسساتية

تؤكد معظم الدراسات الاقتصادية أن توفر الموارد الطبيعية لا تكفي لتحقيق الرفاه الاقتصادي إذا لم يقترن ذلك بتوفر العنصر الأكثر أهمية في أي عملية تنموية، وهو العنصر البشري الذي يظهر دوره من خلال البناء المؤسساتي. ويظهر هذا الأمر واضحاً في الكثير من التجارب الدولية، كالتجربة اليابانية التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وبدأت نهضتها ببناء الإنسان والمؤسسات الناظمة لعمله بهدف تغطية الفراغ الذي يتركه فقدان الموارد الطبيعية.

إدراكاً لأهمية الجانب المتعلق بالبناء المؤسساتي في مناطق فيدرالية شمال سوريا، فقد قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تدير المقاطعات الثلاث في Rojava بمنح الأهمية الكبيرة لبناء المؤسسات التي تضمن مشاركة المجتمع بعمومه في القرارات التي تخص جميع المكونات التي تسكن في مناطق سيطرتها. لاشك أن الحالة التي تعتبر تميزاً إدارياً في تاريخ الشرق الأوسط تهدف إلى توقيف العمل بالمفاهيم الإدارية التي تؤدي إلى إبعاد الشعب عن اتخاذ القرارات المتنوعة، وخاصة تلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية، وتفعل دور الشعب عبر اللجان الاقتصادية في المؤسسات التي تتخذ الصفة الشعبية الضامنة للمساهمة الفعالة للشعب والابتعاد عن الاحتكار في أي مجال من المجالات الاقتصادية.

بين هذا وذاك من المقومات الاقتصادية لفيدرالية شمال سوريا، وإلى جانب الانهيار الاقتصادي لمؤسسات المنظومة الحاكمة في دمشق، وفشل القوى العسكرية التي عارضت النظام واستهدفت اسقاطه في جميع مشاريعه العسكرية والمدنية بتأثير عوامل مختلفة. هناك سؤال يطرح نفسه، وهو: هل ستتمكن فيدرالية شمال سوريا من إدارة العجلة الاقتصادية في مناطقها في المرحلة القريبة القادمة، أم أنها ستسقط تجربتها الاقتصادية، حالها كحال الطرفين الآخرين؟

تعد القضايا الاقتصادية من القضايا الأكثر تعقيداً على مستوى العالم، لذلك يكون نجاح السياسات الاقتصادية بمثابة دليلٍ على قدرة النظم الإدارية على استيعاب خبايا المفاهيم العامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، نظراً للتأثير المتبادل لتلك الجوانب في بعضها البعض. لذلك نرى أن نجاح تجربة فيدرالية شمال سوريا اقتصادياً، يتوقف على عاملين يمتلكان نفس الأهمية، فالعامل الأول هو بناء الخلفية النظرية للسياسات الاقتصادية واستيعابها، والعامل الثاني هو إيجاد الآليات المناسبة لتطبيق النظرية الاقتصادية، آخذاً في الاعتبار عوامل التأثير في البيئتين المحلية والعالمية. وكل ما عدا ذلك لن يكون سوى ضرب من الخيال في عالم يحتاج إلى فهم الواقع وإدراك حيثياته.

[1] -أحمد محمد طوزان، الفيدرالية في سوريا(التهديدات والفرص). مركز دمشق لأبحاث والدراسات، 2017، ص: 9

[2] -أحمد محمد طوزان، نفس المرجع السابق، ص: 10

[3] -أحمد محمد طوزان، نفس المرجع السابق، ص: 10

[4] -www.al-akhbar.com/node/270722/

[5] -المجموعة الإحصائية السورية لعام 2011م، جدول2/9

[6] -www.bbc.com/Arabic/middleeast/2012/209/8_syria-sanctionlist.shtml

[7] -https://sadaalshaam.net/2017/02/

[8] -https://7al.net/2016/03/19

[9] -www.syriancivilwarmap.com/war-statistics

[10] -تم حساب الأرقام من قبل الكاتب بالاعتماد على المجموعة الإحصائية السورية لعام 2011، جدول رقم 4/7

[11] -www.slnnews.co/