الرئيسيةمقالاتديالكتيك الإرهاب وعسكرة الثورات 2/6

ديالكتيك الإرهاب وعسكرة الثورات 2/6

فادي عاكوم

عند الحديث عن التيارات الفكرية الجهادية من الممكن التوقف طويلاً عند الفكر القطبي، أو الكتب والمراجعات الفكرية التي وضعها الإخواني سيد قطب، والتي وجدت لها خلال العقود الماضية المساحات الشاسعة للانتشار، بحيث أصبحت مرجعا أساسياً للعديد من المنظمات المتطرفة إسلامياً، بدءاً من جماعة التكفير والهجرة مروراً بتنظيم القاعدة وفروعها في العراق وسوريا (جبهة النصرة ضمنا) وصولاً إلى تنظيم داعش الدموي، كما إن العديد من زعماء هذه التنظيمات المتطرفة خرجوا أساساً من رحم جماعة الإخوان المسلمين وتحديداً الجناح القطبي، ومنهم أو أبرزهم أيمن الظواهري وأسامة بن لادن وعبدالله عزام، بالإضافة إلى معلومات غير موثقة حول التنظيم الأساسي لزعيم داعش أبو بكر البغدادي حيث تقول بعض المعلومات إنه من خريجي الفكر القطبي هو الآخر.

وربما تكون فكرة إنشاء الدولة الإسلامية المزعومة التي يردها سيد قطب، الدافع أو السبب الذي انطلقت منه معظم التيارات الجهادية، فنظريته حول الحاكمية والجاهلية التي وردت في كتابه “في ظلال القرآن” شددت على أنه لا يوجد اليوم مجتمع إسلامي أو دولة إسلامية، داعيا إلى مواجهة هذا الواقع وعلاجه، ومن هذا المنطلق انطلق فكر التكفير أو تكفير الآخرين تحت ذرائع البعد عن الإسلام والدعوة إلى تطبيق شرع الله، بدءاً من تكفير الحكام وصولاً إلى تكفير العامة من الناس تحت الذرائع المختلفة التي رأت النور بعد تحوير الأساس الذي انطلق منه قطب ليصل إلى مبتغاه.

ومع انتشار الفكر القطبي كان سهلاً على باقي التيارات المتطرفة الدموية أن تنتشر في المجتمعات العربية والشرق الأوسطية، بل حتى في المجتمعات الغربية خصوصاً تجمعات المهاجرين، خصوصاً وأن هذا الفكر تم استثماره من قبل الجماعات المتطرفة التي لم تتكلف عناء إيجاد فكر جديد، بل كل ما قامت به إعادة بناء ونشر الفكر القطبي، كونه كان يحتوي كل ما تحتاجه، فرأينا أن الجماعات المتطرفة تنتشر في المناطق التي تنشط فيها على سبيل المثال جماعة الإخوان، حيث يعمل التيار القطبي تحت ظلال الجماعة الأم، إلا أن قيادته ومشرعيه مستقلون تماماً عن القيادة وحتى عن مكتب الإرشاد، وهذا لا يبرئ الجماعة من الإرهاب بل على العكس فالجماعة وقياداتها لجأت إلى هذا الفرع الإخواني لتغذية التطرف والعمليات الإرهابية، حتى أن هذا الفرع تفوق على الفرع العسكري المستقل هو الآخر عن الجماعة.

ورأينا انتشاراً كبيراً في بدء ما اتفق على تسميته بالربيع العربي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث تسلقت على ظهر التحركات الشعبية التي حصلت، خصوصاً في سوريا وليبيا ومصر، علماً أن طرق التحرك والظهور تختلف من بلد لإخر خصوصاً في اليمن، وخلال فترة الانتشار الإخواني رأينا آلات إعلامية قطرية وتركية تروج وتطبل وتلمع جماعات الإخوان التي انتشرت بمسميات كثيرة، وفي ذلك الوقت لم تكن التنظيمات الجهادية قد أعلنت عن ظهورها وتواجدها بعد، وانتشرت وقتها العشرات بل مئات المنظمات والجمعيات الخيرية والإنسانية التي سيطرة على مقدرات الشرائح الواسعة من المجتمعات التي كانت تعاني من حالة إقتصادية متردية، وأصبحت هذه المنظمات المصدر الوحيد للرزق، وكان سهلاً بعدها سوق اأنائها إلى الجماعات المسلحة التي شكلت الوقود الأساسي للجماعات المتطرفة خصوصاً في سوريا بحالة جبهة النصرة وداعش، حيث كان الشعار الأساسي نصرة المسلمين والثورة على الحكام، وهذه من أسس أدبيات سيد قطب.

وربما يستغرب البعض الطريقة التي يعيش بها المنضوين تحت مظلة الجماعات التكفيرية، هي العيش ضمن مجتمع خاص داخل المجتمع العام، بحي تكون لهذه الجماعة قوانينها غير المكتوبة وعاداتها التي تختلف عن باقي المجتمع، بالإضافة إلى نظرة موحدة إلى المجتمع الكلي وهي التكفير، كونه راض بالطريقة الكافرة التي يحكم بها الحاكم، ويأتي هذا التكفير رغم إسلامية المجتمع، فإقامة الصلوات الحج والعمرة وغيرها من الطقوس الإسلامية لا تكون بالضرورة دليلاً على الاتجاه الإسلامي للمجتمع بل على العكس، علماً أن نشر الكراهية الشديدة لكل من يخالفهم الرأي والعقيدة يعتبر أساساً منهجياً، ففي مصر على سبيل المثال نجد أن موجات الكراهية تنتشر من قبل التيار القطبي بعد وأثناء كل مواجهة حكومية – أمنية لجماعة الإخوان والمنظمات الرديفة التي انبثقت عنها بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان عن كرسي الرئاسة، مما أحدث فعلاً شقاً مجتمعياً بين أبناء البلد الواحد خدمة لإصحاب الفكر التكفيري لضمان استمرار القاعدة الشعبية أو الحاضنة إن جاز التعبير.

وفي الحالة السورية فالأمر مماثل، بل إن ما حصل في مصر يحصل في سوريا والعكس، فالفكر واحد والاتجاه التكفيري واحد، فنجد إن تنظيمي داعش والنصرة وإن اختلفا سياسياً يتفقان على طريقة الانتشار والوصول إلى الهدف وهو السيطرة الكلية، مع إقصاء أي فكر مناهض لهما، وهو ما أضر بالشعب السوري، فالحالة العدائية على سبيل المثال بين أبناء القوميتين العربية والكردية، لم تأت من الهواء أو من قبيل الصدفة، بل تم الترويج الأساسي لها من خلال تكفير الشعب الكردي من قبل جماعات الإخوان المسلمين والنصرة وداعش وكل التفرعات، بحيث أصبح الأمر مسألة مجتمعية سائدة، فتم تكفير الكرد وإلصاق صفات البعد عن الدين والزندقة والاستقلالية ومعاداة العرب بهم، وذلك بعد استشعار القوة العسكرية والعقائدية التي يتمتع بها الكرد إن كان الأمر على الصعيد العقائدي او القومي، وبالتالي فهم باتوا الخطر الأكبر المنافس لوجودهم ولخططهم المستقبلية، وهو ما أثبته اليوم الحاضر فعلاً من خلال الانتصارات التي يقوم بها الأبطال الكرد في جبهات الرقة حالياً، وكوباني والرقة ومنبج وغيرها.