الرئيسيةمقالاتدير الزور … بين “عاصفة الجزيرة” وحملة النظام..؟؟

دير الزور … بين “عاصفة الجزيرة” وحملة النظام..؟؟

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

بدأت قوّات سوريّا الديمقراطيّة عمليّة “عاصفة الجزيرة” لتحرير ما تبقّى من أراضي الجزيرة السّوريّة والريف الشّماليّ الشرقيّ من دير الزور وصولاً إلى المدينة التي مازالت ترزح تحت سيطرة مرتزقة دعش، وبالتوازي مع استمرار عمليّة تحرير الرّقّة، وهي في فصولها الأخيرة، إنّما دلالة على قدرة هذه القوّات على الانطلاق نحو فتح جبهات أكبر وأوسع لتحرير كافة الأراضي السّوريّة من ربقة الإرهاب.

سذاجة الربط بين حملتي “عاصفة الجزيرة” والنظام

إطلاق قوّات النظام وحلفائه من حزب الله وإيران وبمساندة روسيّة، حملتها في الجانب الجنوبيّ والغربيّ من نهر الفرات نحو مدينة دير الزور، وفكّها الحصار عن قوّاتها المحاصَرة فيها منذ أكثر من ثلاث سنوات داخل أحياء معدودة وكذلك في المطار، لها سياقاتها المختلفة كليّاً عن حملة “عاصفة الجزيرة”.

وقد فسّر بعض السذّج بأنّ تزامن الحملتين، إنّما يدلّل على التنسيق – على الأقلّ التفاهم – فيما بينهما وتقاسم مناطق النفوذ في الجزيرة السّوريّة.

قوّات النظام التي “تفاهمت واتّفقت” مع مرتزقة داعش في القلمون وعلى الحدود السّوريّة اللبنانيّة، وتمكّنت من إخراج عناصر داعش مع عوائلهم وإرسالهم باتّجاه دير الزور، وتحت حماية طائرات النظام وروسيّا، غايتها الرئيسيّة تجميع داعش لقوّاته واستعادة المبادرة في الإعداد لهجمات جديدة على مؤخّرة قوّات سوريّا الديمقراطيّة التي تخوض معارك شرسة معه في مدينة الرّقّة، ولا أدلّ على ما ذهبنا إليه الهجوم الفاشل الأخير على بلدة الشدّادي. وقد أشار عدد من قيادات قوّات سوريّا الديمقراطيّة أنّ إحدى أهداف حملة “عاصفة الجزيرة”، هي قطع الإمداد عن مرتزقة داعش في الرّقّة.

روسيّا، إيران والتحرّك تحت عباءة “عودة الشرعيّة وسيادة الدولة”

تيقّنت قوّات سوريّا الديمقراطيّة ومعها التحالف الدوليّ، أبعاد هذا المخطّط الذي تُحاك خيوطه في طهران وموسكو وينفّذها النظام السّوريّ دون إرادةٍ منه، فعمد التحالف إلى محاصرة قافلة داعش في الصحراء ومراقبتها، ووجّهت لها بعض الضربات الجويّة الموجعة، إلى أن انقسمت قسمين، قسمٌ توجّه إلى أطراف دير الزور وفي حافلات فرديّة وتحت جنح الليل، والآخر ظلّ تحت حماية قوّات النظام السّوريّ التي وصلت إلى أطراف مدينة دير الزور وتمكّنت من السيطرة على حقول نفط (التيم والعمري)، ودون قتالٍ يُذكر.

التنافس والسباق للسيطرة على دير الزور من جانب حلف النظام، تحفّزه شهوة الروس والنظام السيطرة على حقول النفط الغزيرة، مضافاً إليه سعي إيران فتح الكريدور الجغرافيّ للوصل بين حلفائها الشيعة في العراق وسوريّا وصولاً إلى لبنان، في استغلال فاحش ولا أخلاقيّ لاسم النظام تحت عباءة وعنوان “عودة شرعيّة وسلطة وسيادة الدولة”، فيما جوهره الاستحواز على مناطق نفوذ أوسع لتمرير مشاريعها التقسيميّة والطائفيّة.

ثوابت وإستراتيجيّة (قسد) في حملاتها التحريريّة

قوّات سوريّا الديمقراطيّة التي جمعت تحت رايتها كافة ألوان الطيف العسكريّ السّوريّ المؤمن بسوريّا ديمقراطيّة وتعدّدية، أطلقت حملتها لتحرير دير الزور انطلقت من ثوابت وإستراتيجيّة وطنيّة صرفة، وهو ما كان شعارها في كافة المعارك التي خاضت غمارها على الجغرافيا السّوريّة، وكان النصر حليفها، لأنّها استندت إلى هذه الحقيقة وتحرّكت وفق هذه الرؤية. معارك تحرير عين عيسى والشدّادي وقبلها تل حميس وتل براك ومبروكة والآن في الرّقّة، شاهدةٌ على الأهداف التي تحملها هذه القوّات.

هروب الأهالي من المناطق التي سيطر عليها النظام إلى مناطق قسد

ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال المقارنة بين الحملات التي تقودها (قسد) وتلك التي يسيّرها النظام وحلفاؤه، حيث كافة المناطق التي سيطر عليها النظام في سوريّا، مازالت إلى الآن شبه فارغة من سكّانها، كبلدات مسكنه ودير حافر في ريف حلب الشرقيّ، والآن يتكرّر السيناريو نفسه في دير الزور، حيث هرب الأهالي من المناطق التي وصلت إليها قوّات النظام نحو مناطق (قسد)، ونقلت أنباء أنّها ذبحت أحد الأشخاص بتهمة الانتماء لداعش، فكافة الأهالي يتخوّفون من حملات انتقام النظام منهم، وتجربة مدينة حلب المرّة مازالت ماثلةً أمام الأعين، حيث استجمع كافة سكّان أحياء حلب الشرقيّة – ما عدا تلك التي حرّرتها وحدات حماية الشعب والفصائل الثوريّة المتحالفة معها – التي سيطر عليها النظام إبّان عمليّة تسليمها بإشراف روسيّ، تركيّ وإيرانيّ، جمعتهم في مخيّم جبرين (دويرينه) وتعرّضوا لشتّى الإهانات والإذلال وكذلك الاعتقال، حيث أنّه في عُرفِ النظام “كلّ من لا يواليه؛ فهو معارضٌ له”.

عودة للحياة بكلّ رونقها

في حين أنّ المناطق التي حرّرتها قوّات سوريّا الديمقراطيّة، عادت إليها الحياة وانتعشت من جديد، وخيرُ دليلٍ على ذلك مدينة منبج والطبقة وعين عيسى والشدّادي، حيث افتتحت المدارس وزوّدت بالمياه والكهرباء والمحروقات وكافة المواد الغذائيّة، وشكّل أهلوها مجالسهم المدنيّة والخدميّة، مثل البلديّات والمراكز الصحيّة وافتتحت المخابز والمراكز الثقافيّة، ونظّموا أنفسهم ضمن هياكل تنظيميّة جديدة؛ تحفظ لهم كرامتهم التي هُدِرت على أيدي الإرهاب والاستبداد، ليعيشوا ولأوّل مَرّة في أجواء من الحرّيّة والتآخي، رغم قلّة الإمكانات وضعفها في البداية.

وفق هذه الذهنيّة تتحرّك قوّات سوريّا الديمقراطيّة لتحرير كافة المناطق، وهي تَلقى قَبولاً لدى أهلها الذين عانوا الأمرّين من النظام ومرتزقة داعش.

قبول للقتال تحت راية قسد

محاولات وسم حملة (قسد) لتحرير دير الزور بـ”سيطرة الكرد عليها”، سيناريو تكرّر في بداية كلّ معركة لـ(قسد) ضدّ الإرهاب وكما حصل عند بدء معركة تحرير الرّقّة، إلا أنّها كانت مثل فقاعة الصابون في الهواء ولم تلقَ آذاناً صاغية لدى أحد، وانقلبت الآية على المعارضة التي لم تدخّر جَهداً في محاولات سدّ الطريق أمام قسد في حملاتها التحريريّة كافة لتشويه صورتها أمام الرأي العام الدوليّ، وما دعوة رئيس ما يسمّى بالهيئة التفاوضيّة العليا للإئتلاف “رياض حجاب” قبل أيام لإعلان قبوله “بمشاركة بعض فصائل الجيش الحرّ القتال تحت راية قوّات سوريّا الديمقراطيّة” بزعم تحرير مدينتي الميادين والبوكمال، إلا إقرارٌ بالدور الرياديّ والوطنيّ لقوّات سوريّا الديمقراطيّة، ويفيد بحقيقة أنّ من يريد أن يسجّل له حضوراً عسكريّاً في السّاحة السّوريّة، عليه التحالف مع قوّات سوريّا الديمقراطيّة، فقط.

إنّ قيادة مجلس دير الزور العسكريّ للحملة المؤتلفة ضمن قوّات سوريّا الديمقراطيّة، يحمل في جوهره عمق مفاهيم الانتماء السّوريّ لهذه القوّات، ويوضّح قراءتها الصحيحة للمعادلة العسكريّة والسياسيّة في السّاحة السّوريّة، في حملها أعباء تحرير سوريّا من الإرهاب وبكافة صنوفه وألوانه.

YPJ عقدة للمرتزقة

دير الزور وبامتدادها الجغرافيّ مع مدينة الرّقّة، تشكّل الآن العمق الإستراتيجيّ لمرتزقة داعش، بعد أن فقد السيطرة على معظم المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريّا والعراق، وفلولهم “الناجية” من معارك الموصل وتلعفر في العراق تجمّعت مرّة ثانية في دير الزور، ومازالت تشكّل تهديداً على معركة تحرير الرّقّة، علاوة على احتمالات تمدّدها في المناطق السّوريّة، حيث أنّ قوّات النظام، رغم الدعم اللا محدود لها من قبل حلفائها، لا تَقوى على مجابهة داعش، فكثيراً ما استرجع المرتزقة مناطق انتزعتها قوّات النظام منها، مثلما حصل في تدمر. فتنظيم داعش الإرهابيّ لديه القدرة العالية لتجميع قوّاته والانتقال سريعاً من حالة الدفاع إلى الهجوم، وأخذ زمام المبادرة أمام قوى ضعيفة ليس لديها عقيدة قتاليّة كقوّات النظام، في حين أنّ تلك المحاولات جميعها باءت بالفشل أمام القوّة التنظيميّة والانضباط العالي واليقظة الدائمة لقوّات سوريّا الديمقراطيّة، وهذه بحدّ ذاتها شكّلت عقدةً نفسيّة لدى المرتزقة، وخاصّة وحدات حماية المرأة الـ(YPJ) التي كافحت وبقوّة المرتزقة في كلّ موقعةٍ ومنازلةٍ وكانت العنوان الرئيس في كافة الانتصارات.

سيناريو فاشل

السيناريوهات التي أُعدّت سابقاً حول دير الزور ومنطقة التنف في المثلّث الحدوديّ السّوريّ – العراقيّ – الأردنيّ، باءت بالفشل، فمراهنات أمريكا وبريطانيا على قوّات النخبة وبعض الفصائل العسكريّة في إحراز تقدّم عسكريّ ما في تلك المنطقة لم تحقّق أيّ نصر على مرتزقة داعش؛ نظراً لعدم جديّة تلك القوى في محاربة داعش وضعف العقيدة القتاليّة لديها وعدم إيمانها بالانتصار على مرتزقة داعش، رغم الدعم الكبير الذي تلقّته من أمريكا وبريطانيا، مما حدا بالقوّتين الأخيرتين إلى سحب قوّاتها المساندة لها، وباتت هذه المنطقة الآن ثغرة مفتوحة أمام تمدّد “قوّات الحشد الشيعيّ” من العراق، لتصل بقوّات النظام السّوريّ وحزب الله، وتشكيلها خطراً على مستقبل المنطقة، وهو ما يجب أن تأخذه قيادة عمليّة “عاصفة الجزيرة” بالحسبان.

تحديد مسرح عمليّات “عاصفة الجزيرة”

إنّ تحديد مسرح عمليّات “عاصفة الجزيرة” في جغرافيّة محدّدة – والذي جاء في بيان مجلس دير الزور العسكريّ وقوّات سوريّا الديمقراطيّة عند الإعلان عن بدء العمليّة – جاء لاعتبارات ترك مساحة “لمنع الاشتباك” مع قوّات النظام وحلفائه، وذلك في إطار التفاهمات الروسيّة – الأمريكيّة في سوريّا. ونُقل عن الرئيس الأمريكيّ ترامب قوله “لا مانع من قيام أيّ طرف بهزيمة “داعش” بما في ذلك قوّات النظام، وأنّ الأولويّة هي لمعركة الرّقّة لطرد التنظيم من معقله والمتوقّع إنجازها نهاية الشهر المقبل”، وفي هذا ظهر تردّد أمريكيّ حيال قرارها البدء بعمليّة “عاصفة الجزيرة”، إلا أنّها سرعان ما عدّلت من موقفها واقتنعت أنّ الوقت ليس في صالحها، فانضمّت وبقوّة إلى العمليّة، لتهدّد بعدها بقصف قوّات النظام حال عبورها إلى شرقيّ نهر الفرات، وأنّه لن يُسمح لها بالتقدّم أكثر من منطقة “معمل السكّر” شمال دير الزور، وهذا تأكيد على دعمها القويّ للعمليّة.

خلال يومين للعمليّة؛ وصلت طلائع قوّات سوريّا الديمقراطيّة مدينة دير الزور ومن الجهة الشماليّة، واقتحمت حي الصناعة، حيث دارت اشتباكات عنيفة بين الطرفين، حاول خلالها المرتزقة صدّ الهجوم بالسيّارات المفخّخة وزراعة الألغام والأنفاق والخنادق والانتحاريين، إلا أنّها لم تحقّق نتيجة أمام قوّة وإصرار قوّات سوريّا الديمقراطيّة، وتمكّنت خلال ساعات التوغّل في عمق الحي والسيطرة على عدّة شوارع ومبانٍ فيه.

لن تكون معركة تحرير دير الزور المعركة الأخيرة التي تخوضها قوّات سوريّا الديمقراطيّة في سوريّا، بل ستتّجه غرباً وجنوباً إذا ما تتبّعنا مسار حملاتها التحريريّة، ولن تقف إلى أن تستأصل الإرهاب، ومن جذوره في السّاحة السّوريّة، وتُعيد لها شكلها ورونقها التعدّدي في العيش المشترك لكافة المكوّنات المتعايشة على جغرافيّتها، بعيداً عن النزعات القومويّة والطائفيّة والمذهبيّة التي أثخنت جراحاً في أجساد وذاكرة السّوريين طيلة سبع سنوات من أزمتها.