الرئيسيةGeen categorie“راحت السكرة وإجت الفكرة”. . . هل كردستان العراق أقدمت على مغامرة سياسية؟!

“راحت السكرة وإجت الفكرة”. . . هل كردستان العراق أقدمت على مغامرة سياسية؟!

بير رستم (أحمد مصطفى)
يقول المثل الشعبي الدارج؛ “راحت السكرة وإجت الفكرة”، طبعاً يقال في تلك الحالات التي يكون المرء قد يتخذ بعض القرارات تحت الضغط الشعوري والانفعالات الوجدانية والتي تطغى عليها وبكل تأكيد العاطفة الجياشة وليس التفكير العقلاني الهادئ .. ونحن الكرد عموماً؛ معارضة وموالاة أو من داخل الإقليم مع كرد باقي الأجزاء والشتات، وقفنا جميعاً مع قيادة إقليم كردستان وأحزابها السياسية وعلى الخصوص مع الرئيس بارزاني في مسألة الاستفتاء على إستقلال كردستان وإن كانت تحت هيمنة الشعور الوجداني أو “السكرة” بحسب التعبير الشعبي والآن دعونا نُخضع المسألة والقرار للفكرة وذلك بعدما طارت الأولى وربما هي لم تطر بعد لدى الكثيرين منا، لكن رغم ذلك دعونا نحاول أن نستحضر الفكر والعقل في قضية الاستفتاء قليلاً ونقول: إننا وبدايةً نأمل أن يكون الرئيس بارزاني وقيادة إقليم كردستان قد أخذوا بعض الضمانات الإقليمية والدولية ولو من تحت الطاولة وإنهم لم يكونوا قد ذهبوا للاستفتاء تحت الضغط الجماهيري وتعطشها لتكون لها هي الأخرى كيانها ودولتها المستقلة وبالتالي تكون بذلك قد إرتكبت أخطاء قيادات عربية مصر والسادات تحديداً حيث وتحت الضغط الجماهيري ذهبت لحرب 73 وهي غير مستعدة لها فكانت حرب تدميرية رغم الادعاء العربي؛ بأنها كانت “حرب تحرير” وبالحقيقة كانت حرب تدمير؛ تدمير الجبهات ووحدة الصف العربي.

أو تكون تلك القيادات الكردستانية بالأحرى بعضها وبالأخص الديمقراطي الكردستاني وكما تقول بعض الجهات والمحللين السياسيين، قد ذهبت إلى الاستفتاء كهروب للأمام بحيث تديم سلطتها على الإقليم حيث نعلم جميعاً؛ بأن ولاية الرئيس بارزاني ومنذ سنوات وبعد أكثر من تمديد دستوري وآخر توافقي بين الكتل السياسية قد أنتهت وبالتالي كان يجب إنتخاب رئيس جديد، لكن قيادة الديمقراطي الكردستاني لم تقبل بإجراء الانتخابات وبقي السيد بارزاني يشغل المنصب بطريقة غير دستورية وقد عارض ذلك بعد الأحزاب والتكتلات السياسية وأبرزها حركة التغيير كوران مما شكل أزمة بين الطرفين؛ كل من “الديمقراطي الكردستاني وكوران” وصل لحد القطيعة وتعطيل البرلمان وذلك بعد أن مُنِعَ برلماني ووزراء كوران من دخول أربيل، كما روج في الإعلام كثيراً وبالتالي فإن هذا الفريق السياسي يحاول أن يقول: بأن السيد بارزاني يريد أن يمارس من خلال قضية الاستفتاء “الهروب للأمام”، كونه يدرك جيداً بأن لا يمكن لأي طرف سياسي كردستاني أن يعارض مسألة الاستفتاء على الإستقلال حيث وفي ظل الموجة الشعورية السكرة سوف يفقد من يعارض الاستفتاء جماهيره الحزبية وهكذا فقد وضعهم البارزاني في خانة اليك كما يقال؛ فإما الرضوخ لرغبته ورغبة الجماهير الكردية بإجراء الاستفتاء وبالتالي هو بذلك أعطى لنفسه فرصة زمنية أخرى و”أكسجين جديد” ليبقى في سدة الرئاسة أو أن تقوم تلك الأحزاب برفض الاستفتاء وبذلك يكون فقدانها لجماهيرها وبقائها وحيدة عارية في الساحة ومن دون سند في الشارع وبالتالي سقوطها سياسياً من خلال خسارتها للقاعدة الشعبية.

طبعاً هذا الفريق الأخير ومع عدد من المحللين يعللون لجوء البارزاني وإصراره على إجراء الاستفتاء رغم كل المحاولات والجهود المحلية والإقليمية وحتى الدولية “الأممية” والتي قالت؛ بأن التوقيت غير مناسب، إلا أن الرئيس بارزاني أصر على إجرائه رغم كل تلك المحاولات، فإنهم يعزون ذلك لسبب شخصي حزبي حيث وبحسب قراءتهم وأنا اتفق مع تلك القراءة لدرجة كبيرة إنه أراد أن يجعل من مسألة الاستقلال قضية شخصية بحيث ترتبط ولادة الدولة الكردية بكاريزما البارزاني وليتم تدوين إسم كردستان كدولة وولادة مع إسم بارزاني وبذلك يكون قد حقق المجد الشخصي الكلي وهو أقصى ما يمكن لشخصية وطنية وسياسية أن يحلم بها حيث لا يعلى مجداً على مجد إرتباط دولة وطنية باسم زعيم سياسي وبذلك سيكون قد كلل كل تجربته السياسية والنضالية بهذه الولادة، بل ربما يكون تحت وطأة تحقيق الحلم الطفولي وهو يشاهد الوالد؛ “البارزاني الأب” يتطلع لتحقيق الحلم وها هو الأبن يقدمه هدية لذاك الرمز الأبوي وهنا الأب يأتي بالمعنى العضوي وكذلك بالمعنى الدلالي وهكذا فإن الحلم هنا ليس فقط حلماً ومجداً شخصياً، بل يمكن إعتباره حلم دين ووفاء وخضوع إرادة الابن لمشيئة الأب ونتذكر هنا الحكاية الأسطورية عن الولادة البشرية حيث صراع “آدم وإبليس” وخضوع الأول للمشيئة الإلهية ليكون الوريث على الأرض عن الرب، بينما الآخر أصبح ملعوناً وبالتالي فها هو الأبن يريد ان يحقق مشيئة الأب أو الرب وليحقق المجد لاسمه وهو بنفس الوقت تمجيداً وتخليداً شخصياً له ككاريزما ورمز وطني كردستان حيث سيدونه التاريخ وبه يكون قد حقق الوفاء للوالد وحقق المجد السياسي الأعظم لأي مناضل ورجل دولة يمكن أن يحلم به سياسياً ووطنياً!!

لكن وبعد ان طارت أو طيّرنا “السكرة” بعض الشيء، هل فعلاً ذهبت قيادات كردستان فقط تحت تأثير سكرة ونشوة الاستقلال والشعور العاطفي ومن دون ضمانات دولية وإقليمية، كما قلنا سابقاً، وكذلك من دون حساب العواقب إلا بعض التصريحات العاطفية والتي هي الأخرى تصب في خانة السكرة وليس الفكرة؛ مثل “أن نموت من الجوع خيرٌ لشعبنا من أن يبقى تحت الذل والاحتلال” وذلك على الرغم من إننا جميعاً نعلم؛ بأن واقع إقليم كردستان لم تكن بهذا السوء، بل يمكننا القول بان الإقليم كان يشكل حال وواقع دولة غير معلنة حيث لم تكن لبغداد أي سلطة حتى في تعيين شرطي بأربيل أو اي بلدة من بلدات إقليم كردستان (العراق) وقد أشتكى بعض السياسيين العرب العراقيين وقالوا؛ بأن “الكرد أصبحوا شركائنا في بغداد ولم يسمحوا لنا بشيء في أربيل”. وبالتالي فإن شعبنا لم يكن يعاني “الذل والاحتلال” من بعد ما شكل برلمانه وحكومته ومؤسساته الدستورية والتشريعية والتنفيذية، بل كانت سلطات الإقليم هي وحدها التي تسير أعمال المواطنين والبلاد ولذلك فمن المفروض أن تكون الخطوة التالية هي خطوة متقدمة لما كان عليه الحال في السابق ومن هذا المنطلق والحرص على شعبنا، فإننا نقوم بهذه القراءة وليس تشكيكاً بالنوايا، بل نتيجة خوفنا من أن نخسر ما كسبناه وذلك على “مذبح الشعور العاطفي أو رغبات شخصية بالمجد” حيث عندها ستكون الكارثة الكبرى على شعبنا الكردي ليس فقط في الاقليم، بل في عموم أجزاء كردستان الأخرى أيضاً.

لكن وبعد إجراء الاستفتاء هل يعني التوقف أو الاعتذار أو القول بأننا “نادمون على ما قمنا به”، بالتأكيد سيكون جوابنا جميعاً واحداً منافياً لذلك حيث لا يمكن إعادة عقارب الساعة للخلف، بل وبرأي يمكن عمل شيء واحد فقط في هذه المرحلة وهو أن تكون قيادة إقليم كردستان قد فكرت ووفرت البدائل الحقيقية للحفاظ على الاستفتاء ووصولاً للإستقلال الناجز حيث أي تراجع عن الخطوة سوف تشكل كارثة ليس فقط على المستوى السياسي، بل كذلك على المستوى الاجتماعي أي “الوجداني والمعنوي” وهو الأخطر برأينا حيث سيشكل صدمة وإنهيار في الشخصية الكردستانية والتي تعاني أساساً من الضعف والتبعية نتيجة واقع سياسي مؤلم عاشه ويعيشه شعبنا منذ عقود وأحقاب تحت الاحتلال والإذلال والإلحاق وبالتالي فليس أمام قيادة كردستان إلا المضي قدُماً في مشروعها السياسي نحو الاستقلال مع العمل جدياً على تأمين الأصدقاء والظروف والمناخات والبدائل التي تساعد على الوصول للحظة الولادة وإعلان دولة كردستان .. وبالأخير فإن ما جاء في المقال هي أسئلة وتخوفات نطرحها عليكم، لكن وبنفس الوقت نأمل أن نكون مبالغين ومههوسين في تخوفاتنا وتساؤلاتنا وبأن “السكرة” قد لعبت بعقولنا بحيث أن “الفكرة” لم تردنا بشكل جميل .. نأمل ذلك لكي لا نكون غراب النحس لكردستان!!