الرئيسيةمقالاتروسيا المقلّدة وأزمة الهويّة

روسيا المقلّدة وأزمة الهويّة

صلاح الدين مسلم

قد يكون الحوار التصعيديّ لروسيا تجاه قوّات سوريا الديمقراطيّة تمهيداً لكشف الأوراق، فهذه اللغة التصعيديّة من الجانب الروسيّ تكشف حقيقة خلل الذهنيّة الروسيّة التي تنحو اتجاهاً غريباً متناقضاً، فمن جهة تتفق مع نفس القوّات في عفرين ومن جهة تصعّد من نبرة الخطاب العدائيّ تجاه قوّات سوريا الديمقراطيّة في دير الزور.

إذا أردنا أن نحلّل هذا الخلل فعلينا أن نستشفّ طراوة الذهنيّة الرأسمالية الجديدة التي تبنّتها روسيا البوتينيّة إثر انهيار الاتّحاد السوفيتيّ، حيث انخرطت في الحداثة الرأسماليّة ولم تستطع أن تتخلّى عن الإرث الشيوعيّ، فخرجت الذهنيّة التناقضيّة التي أبدت ندمها في العراق وليبيا… وغداً في سوريا.

إنّ روسيا مخدّرة رأسمالياً وهي تُقاد دون علم من قبل المنظومة المخضرمة في أميركا والاتّحاد الأوروبي، فهي من جهة تجلس مع تركيا وتتفاوض معها وتقنع العالم على أنّها تضحك على تركيا، ومن جهة أخرى تدعم النظام السوريّ والإيراني، ومن جهة أخرى تبدو وكأنّها راعية الفيدراليّة الكرديّة وكأنّها الصديق الوحيد لمنظومة الشمال السوريّ التي ترى فيها الإرث الاشتراكيّ.

يبدو أنّ روسيا تريد أن تتناسى مشروع سايكس بيكو الذي انسحبت منه إثر ثورة إكتوبر، وتريد أن تتناسى كلّ المشاريع التقسيميّة التي فتّت الشرق الأوسط، حيث كانت كردستان الضحيّة الكبرى، ولا تعلّق أبداً على أيّ شيء يمسّ القضيّة الكرديّة لا بالخير ولا بالشرّ، على الرغم من أنّها وقعت في مكيدة الاستعمار العالميّ عندما انسحبت من مهاباد عندما كانت تصرخ حينها بأعلى صوتها منادية بحقوق الشعوب، وقد اعترفت بإسرائيل في عام 1948…

(لن نسمح بسقوط سوريا وإن وصلت الحرب السورية وسط الساحة الحمراء وشوارع موسكو ولن نكرر الخطأ الليبي…) هذا ما يكرّره بوتين، من هنا نريد أن نعلم ما هي الذهنيّة التي ينادي بها وهو يريد أن يهاجم قوّات سوريا الديمقراطيّة في دير الزور، فكيف استطاع أن يغلّب المصلحة على المبدأ من خلال هذا التصريح؟ وكيف استطاع أن يتجاوز المبدأ الرئيس الذي كان يتّبعه من خلال تحييده من القضيّة الكرديّة؟

إنّ الساحة السوريّة تفضح كلّ يوم موقفاً وتيّاراً معيّنَين، حتّى وإن كان التهديد الروسيّ لا يصبّ في بوتقة الخطر على شرقيّ الفرات الذي يعدّ خطّاً أحمر عند التحالف الدوليّ، لكن لماذا كلّ هذا التنازل عن المبادئ؟ فعلى المراقب أن يدرس هذه التجربة الروسيّة المتلاشيّة المتهالكة، وخاصّة أنّها ظلّت تدعم النظام السوريّ وهي لا تعرف ما هي الآفاق التي تنتظر هذا النظام الذي يظنّ أنّه انتصر على شعبه؟

من جهة أخرى كيف يسمح الروس للإرهاب الداعشيّ أن يمرّ عبر الأراضي السوريّة – الروسيّة من القلمون تجاه دير الزور التي تفضح كلّ ما هو مخبّأ في هذه الأزمة الدولويّة (الدولتيّة)؟ وهي تعيش كاوساً وجوديّاً، فقد ملّ صانعو الحداثة الرأسماليّة من نفسها، لكنّ المقلّدين هم أسوأ من الأصل.