الرئيسيةمقالاتكومينات “وطنية” في روج آفا

كومينات “وطنية” في روج آفا

فادي عاكوم

لاعزاء لمن اتهم الكرد بالعنصرية والعمل على تهجير العرب وتغيير الواقع الديموغرافي في منطقة روج آفا بالشمال السوري، فها هي انتخابات الكومينات تؤكد الاتجاه الصحيح الذي يسلكه أهالي تلك المنطقة، من خلال اختيار المجموعات والأشخاص الذين سيسيرون أمورهم ويراقبون أحوالهم المعيشية والتنموية والأمنية، وذلك بعد موجة كبيرة من الاكاذيب التي طالت الانتخابات هذه نفسها والتي وصلت إلى حد وصفها بانتخابات بعض الأنظمة العربية التي تنتهي بنتيجة نعم بنسبة 99.99%.

والكومينات لمن لا يعرفها هي عبارة عن لجان مهمتها إدارة المنطقة الإدارية المحددة لها، وذلك لمختلف النواحي، الإقتصادية والتنموية والأمنية والتربوية، بمعنى إن أهل كل ناحية سيديرون منطقتهم بأنفسم، لتتشكل لجنة عليا من الكومينات للتنسيق فيما بينها، مرتبطة بإدارة عليا لاقتسام الثروات وتأمين الاحتياجات الخاصة والعاجلة.

وحسب التوزيع الديموغرافي في سوريا وفي منطقة الشمال تحديداً، فإن هذه اللجان ستكون متنوعة الأعراق والطوائف، فالتداخل كبير جداً في العديد من النواحي والبلدات والقرى والمدن، بحيث يجعل من المستحيل تكوين كومين واحد من لون عرقي أو طائفي واحد، حتى إن التقسيم الإداري للجان راعى هذا الأمر حسب النسبة والتناسب لكل الأعراق والطوائف المسيحية والإسلامية، باختصار الجميع ممثل وصوت الجميع موجود.

ليست كومينات سوريا الاولى من نوعها في العالم، فالأمر تاريخي ويعود ربما إلى بدايات التكوين البشري، عندما قرر الإنسان العيش بجماعات منفصلة يدير بعض أبنائها الأمور الحياتية اليومية، وفي منطقة الشرق الأوسط ظهرت في العام 500 تقريباً في منطقة شرق كردستان وتحديداً في مدينة همدان على يد “مازدك”، ثم أتت تجربة أخرى على يد الإسماعيليين عام 1081 على يد حسن صباح، ثم مع القرامطة عام 870 إلى عام 1070، ثم في العام 1420 على يد الشيخ بدر الدين، أما في أوروبا فقد شهدت دول أوروبية عديدة تجربة الكومينات كاليونان وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وكانت آخر التجارب التجربة الروسية الإشتراكيةعام 1917، بالإضافة إلى أن حركة التحرر الفكري والعمالي التي اجتاحت أوروبا في العام 1969 كانت تهدف لإقامة نظام الكومينات كحل جذري لمشاكل الشعب والحصول على الحقوق الكاملة.

وقد ينبري البعض للقول بأن هذه الانتخابات فرضت من القوى الكردية المسيطرة على الأرض، ويتناسى في الوقت نفسه بأن هذه القوى الكردية نفسها قامت بتسليم المناطق التي حررتها هي من تنظيم داعش الإرهابي، إلى مجالس محلية لإدارتها، كمجلس مدينة الطبقة والرقة ومنبج، ورغم الامكانات المحدودة لغياب الاموال اللازمة لإنعاش هذه المناطق إلا أن التجربة ناجحة جداً، وعكست روح الأخوة بين الشعوب بشكل حقيقي ومباشر.

وبالمحصلة نستطيع القول أن الكومينات في روج افا ليست الا كومينات سورية وطنية، تؤسس لمرحلة ما بعد الحرب، والتي بسبب مآسيها ودمارها والشق الاجتماعي الكبير الذي أحدثته، ستكون الكومينات الدواء الناجح لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها ولو بالحد الأدنى، مع ملاحظة أن الكومينات لا تعني الانفصال عن الدولة الأم، بل على العكس فإن هذه الطريقة من إدارة المناطق ربما تعزز روح الانتماء إلى الدولة الأم، بعد زوال أسباب النقمة الشعبية بسبب الإقصاء وسياسة الإفقار والاضطهاد الممنهج.

 

وللحديث تتمة …