الرئيسيةمقالاتمرّة أخرى … الاستفتاء وتداعياته

مرّة أخرى … الاستفتاء وتداعياته

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

قطع رئيس إقليم كردستان مسعود البارزانيّ الطريق أمام كافة الاحتمالات بتأجيل الاستفتاء أو إلغائه، رغم الدعوات العديدة التي وجّهت له من أطراف إقليميّة ودوليّة، مرافقة بتهديدات من دول الجوار والمحتلّة لكردستان بالويل والثبور وبعواقب “وخيمة”، حال إقدام الإقليم على الاستفتاء أو إعلان الدولة الكرديّة المستقلّة.

عودة الوفد الكرديّ من بغداد بخُفّي حُنين

حالة الانقسام التي سادت الصفّ الكرديّ الداخليّ في جنوب كردستان، راهنت عليها العديد من القوى المعادية للاستفتاء، وصدرت تصريحات من عدّة مسؤولين في الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ وحركة التغيير “كوران” والحركة الإسلاميّة الكردستانيّة، تعلن مقاطعتها للاستفتاء، وانحيازها إلى إجراء مفاوضات “جدّية” مع الحكومة المركزيّة في بغداد، لكن بعد زيارة الوفد الكرديّ بغداد، الذي ضمّ شخصيّات من معظم القوى الكرديّة في جنوب كردستان، وعودته بخفّي حنين وخالي الوفاض إلى السليمانيّة وهولير، وبعد فهمهم جيّداً نوايا وتوجّهات الحكومة العراقيّة وكافة الفرق السياسيّة، توصّلوا إلى قناعة ثابتة، أنّ النبرة والخطاب العراقيّ الفوقي الذي لا يقبل بأيّ تغييرات في شكل العلاقة بين بغداد وهولير، تصرّ على تسويق مفهوم “الدولة الوطنيّة الواحدة” والاختباء خلفها لتمرير مخطّطاتها العدائيّة تجاه الكرد وحقوقهم، وتدّعي أنّها لا تسمح المساس “بمقدّساتها”، وتلوّح بـ”العصا العسكريّة الغليظة” حال إعلان الدولة، كلّ هذه الأسباب كانت كافية لقلب مواقف الحركات التي وقفت بعيدةً عن الاستفتاء، لتقف إلى جانب البارزانيّ في تأييد الاستفتاء، خلال اجتماع أخير عُقِدَ في هولير، لتخرج بإجماع وطنيّ والمشاركة في الاستفتاء، ولربّما كانت “لعبة” ذكيّة من البارزانيّ وتلك القوى السياسيّة في إحراج بغداد وإدخالها في الزاوية الحرجة، لجهة رفضها للمطالب الكرديّة، وأبرزها، مناقشة الاستقلال بعد الاستفتاء وفق الدستور العراقيّ.

تنصّل أمريكا من التزاماتها

الإدارة الأمريكيّة ومعها الدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن الدوليّ مرّرت قراراً، أفضى إلى رفض الاستفتاء، وكأنّها من خلاله تسعى للطعن بشرعيّة الاستفتاء، والانقلاب على حلفاء الأمس، رغم حاجتها الماسّة إلى الكرد ودورهم في المعركة ضدّ الإرهاب، فضلاً عن أنّهم السدّ المنيع أمام التغلغل الإيرانيّ في المنطقة، والحدّ من النفوذ التركيّ الذي يحاول التمدّد على حساب المصالح الأمريكية. لا أعتقد أنّ أمريكا جادّة في دعوتها إلى تأجيل الاستفتاء، وادّعائها بأنّه “سيؤثّر على المعركة ضدّ الإرهاب”، ما هو إلا إرضاءً للأطراف الرافضة للاستفتاء ونتائجه، وهي التي وعدت الكرد إبّان إقرار الدستور العراقيّ الذي أقرّه الشعب العراقيّ – ومن ضمنهم الكرد، والحاكم الأمريكيّ في العراق آنذاك بول بريمر – بمناقشة مسألة الاستقلال في وقت لاحق، ويبدو أنّها تركته وراء ظهرها، في غمرة انشغالها في الحرب على داعش، أو لأسباب تتعلّق بالمصالح الأمريكيّة في منطقة الشرق الأوسط وتوازنات القوى.

تبدّلٌ للخرائط وزوال أنظمة مهترئة مع معارضاتها

التغيّرات الجيوسياسيّة التي تطرأ على المنطقة، تقضم مناطق وبلداناً لصالح أطراف معيّنة، وتبدّل الخرائط، وتلغي الحدود التي رسمتها مسطرة سايكس – بيكو قبل أكثر من مائة عام، لتعيد تشكيل كيانات جديدة عوضاً عن تلك التي باتت مهترئة وغير قابلة للعيش والانسجام مع نظام العولمة، بعد سقطت في أوّل امتحان لها أمام مدّ الثورات الشعبيّة في بلدانها، وأثبتت أنّها غير قادرة على إجراء تحوّلات ديمقراطيّة، وعاجزة أن تغدو دولها “دول المواطنة والحرّيّات”، وخنقت أنفسها ضمن نظم أوليغارشيّة وفئويّة وعائليّة، ولم تتحوّل إلى دول تضمّ في جنباتها كافة المكوّنات العرقيّة والإثنيّة والدينيّة، بل غلب عليها اللون الواحد في اللغة والثقافة وحتّى في الاقتصاد، واعتمدت على قوّة الدّولة الأمنيّة والعسكريّة في إقصاء وتهميش بقيّة مكوّناتها، ليصبحوا فيها مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة.

لن تحلّ مشاكل الكرد ضمن دولة مستقلّة دفعة واحدة

هذه حال الدول المحتلّة لكردستان، ولم يطرأ أيّ تغيير عليها وعلى ذهنيّاتها ومقارباتها لحقوق الشعب الكرديّ بفعل الثورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وحتّى في معارضاتها التي أنتجت أنماطاً من الفكر والممارسة والخطاب السياسيّ، لا تختلف البتّة عن أنظمتها، وهي طالما كافحت وناضلت في سبيل إسقاطها، بل انزلقت هي وأنظمتها إلى مواقع طائفيّة مقيتة، لتنتج دولاً طائفيّة ألغت معها حتّى الدولة القوميّة، ولتصدّر خطاباً عنصريّاً كريهاً رافضٍ لكلّ ما هو مخالف لها في الرؤية والتوجّه، وقضت على الشراكة والعيش المشترك بين مكوّنات المنطقة، لتستأثر بالقرار السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ، وتحوّل بلدانها إلى دول ثيوقراطيّة تحكم بحدّ السيف وتوجيهات “الوليّ الفقيه” والشيخ والأمير وديكتاتوريّات جمهوريّة تحكم باسم العائلة.

يعي الكرد جيّداً أنّ الانفصال وتشكيل دولة قوميّة لن يحلّ مشاكلهم ويسترجع حقوقهم المسلوبة دفعة واحدة، ولكن سياسات الدول المحتلّة لكردستان تدفعهم إلى سلوك هذا الخيار وصولاً إلى الانفصال، باعتباره أفضل الأسوأين؛ التبعيّة للمركز أو الانفصال.

تهديدات الدول المحتلّة لكردستان؛ زوبعةٌ في فنجان

المنطقة متخمةٌ بالمشاكل والأزمات حتّى الثُمالة، ومن يعيش على الأزمات؛ يستغلّ قضيّة الاستفتاء مطيّة كي يجدّد موازنة معادلات الربح والخسارة في قضايا الشعوب التي اكتوت بنيران مخطّطاتها التقسيميّة التي فرضتها هي، فإن كان الاستفتاء وبما يحمله من فكرة الاستقلال قد يغيّر من خرائط المنطقة، ويهدّد كيانات ودولاً وحدوداً، فحريٌّ بتلك القوى أن تضع القضيّة الكرديّة على طاولة النقاش بكلّ جدّيّة ومسؤوليّة، لا أن تروّج بأنّ إعلان الاستقلال سيكون بمثابة” قنبلة” قد تفجّر الأوضاع في المنطقة، لتتقاطع مع مواقف الدول الحاكمة لكردستان وأوّلها الدولة التركيّة وإيران.

تهديدات تركيّا وإيران والعراق، لن تزيد إلا زيادة في التوتّر وولادة صراع من نوعٍ جديد، ولن يكسب فيه أيّ طرف، بل ستصبح الشعوب وقوداً لها. فالاستفتاء حقّ طبيعيّ لكافة الشعوب، والاحتكام إلى منطق الحوار والتفاهم، يعتبر الأساس الذي يمكن به تجاوز الخلافات. إغلاق الأجواء الإيرانيّة والتركيّة أمام حركة الطيران في جنوب كردستان، ودعوة العبّادي إلى فرض الحصار وامتناع الدول من شراء النفط وتسليم المطارات والمعابر الحدوديّة، وإجراء تركيّا مناورات عسكريّة على حدود جنوب كردستان، وقرار مجلس أمنها القوميّ بأنّ الاستفتاء “يهدّد أمنها القوميّ مباشرة” وتفويض برلمانها للحكومة باتّخاذ ما تراه مناسباً إزاء العراق وسوريّا، واطلاق معركة الحويجة من قبل “الحشد الشعبيّ الشيعيّ” وتهديدات قائدها هادي العامري، ما هي إلا زوبعة في فنجان، ولن تغدو أكثر من تصريحات إعلاميّة، هدفها عرقلة الاستفتاء، والضغط على قيادة الجنوب بالتراجع عنه.

الكلّ غارقٌ في أزماته

روّج في بعض الأوساط الكرديّة أنّ “الاستفتاء وإعلان الاستقلال وحّد كافة أعداء الكرد”، من الناحية النظريّة تصحّ هذه المقولة، ولكن عمليّاً، كلّ تلك الأطراف المعادية للكرد غارقةٌ في أزماتها حتّى العنق، الحكومة العراقيّة الطائفيّة، إلى الآن لم تتمكّن الخروج من شرنقة إيران لتعيد صياغة مشروع عراقيّ وطنيّ بعيد عن المؤثّرات الإيرانيّة والإقليميّة، وكذلك تركيّا تواجه انقسامات داخليّة طوليّة وعرضيّة، فالقضيّة الكرديّة المتفجّرة بكلّ أبعادها، تضغط عليها وتكبّلها، رغم محاولاتها الميؤوسة لتصديرها إلى الخارج، فيما إيران لا تستطيع انتشال نفسها من المستنقعين السّوريّ واليمنيّ، ولا يُفهَم أنّ الكرد يستغلّون هذه الأزمات، بل السياق الطبيعيّ لتطوّر القضيّة الكرديّة ونضال الشعب الكرديّ، يفرض على قيادات حركاتها السياسيّة، التحرّك يميناً وشمالاً لإحقاق حقوق شعب طالما عانى كلّ الويلات على يد الحكومات المتعاقبة في تلك الدول.

الاعتراف ودور الدول المحتلّة لكردستان

أعتقد أنّ الدولة الوليدة ستعاني بعض الصعوبات من الناحية السياسيّة والاقتصاديّة، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في أيّ كيان جديد يرى النور، وقضيّة الاعتراف بها ربّما تشغل بال البعض، ولكن هذا أمرٌ مفروغٌ منه، فهو سيتوالى تباعاً بمجرّد اعتراف دولة واحدة بها، دون إغفال الدور المُعيق الذي ستلعبه الدول المحتلّة لكردستان، وأوّلها تركيّا، حيث ستحاول ومن خلال وجودها في المحافل الدوليّة والإقليميّة والأوروبيّة خاصّة، الضغط على كافة الدول لحثّها على عدم الاعتراف بالدولة الكرديّة، ولكن، بكلّ الأحوال لن نستبق الأحداث.

روج آفا وقنديل … درع الجنوب

تزامن الاستفتاء مع انتخابات الكومينات في روج آفا وشمال سوريّا التي أنجزت قبل أيّام وتكلّلت بالنجاح، سترسّخ من الفكر الديمقراطيّ لدى مكوّنات شعوب كردستان، وروج آفا وشمال سوريّا في هذه اللحظة التاريخيّة يشكّلان العمق الإستراتيجيّ لجنوب كردستان، وهو المتنفّس الوحيد لها اقتصاديّاً وسياسيّاً وحتّى عسكريّاً إلى حدّ ما، ونجاح تجربتها السياسيّة الديمقراطيّة والعسكريّة، ستجد لها انعكاساً مباشراً على جنوب كردستان، فهي الخاصرة الشماليّة الغربيّة التي ستحمي الجنوب وتعتبر درعاً له، مهما اختلفنا مع قيادته سياسيّاً، كذلك قنديل ستحمي خاصرته الشماليّة وتشكّل حائط الصدّ أمام أيّ هجمات تركيّة وإيرانيّة عليه، وتصريح القياديّ في حزب العمّال الكردستانيّ “صبري أوك” قبل أيّام بأنّ “هناك تفاهمات بينهم وبين الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ لحماية جنوب كردستان”، تؤكّد على وحدة مواقف الحركات الكرديّة في القضايا المصيريّة، لمواجهة التحديّات مهما كان نوعها ومن أيّ جهة كانت.

الاستفتاء والعبور إلى المؤتمر الوطنيّ الكردستانيّ

وحده المعرقل لأيّ تطوّر في الحالة الوحدويّة الكرديّة، هو العلاقة مع تركيّا وإلى حدّ ما إيران، وبمجرّد الفكاك منهما، يعتبر نصراً وطنيّاً كرديّاً بامتياز وانطلاقة نحو مسار صحيح للعلاقات بين الحركات الكرديّة، وفي مقدّمها بين الأحزاب الرئيسة الثلاث، حزب العمّال الكردستانيّ PKK، الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ. وعلى قيادات هذه الأحزاب الدعوة مباشرة إلى عقد المؤتمر الوطنيّ الكردستانيّ، فالمزاج الشعبيّ يدفع بهذا الاتّجاه، ليتجاوزوا كافة خلافاتهم السابقة، والاتّفاق حول صيغة جامعة، ينبثق عنها هيكليّة سياسيّة تمثّل الكرد في كافة الأجزاء، وتوحّد نوعاً ما الخطاب الكرديّ، ليُصار إلى الاعتراف بها في المحافل الدوليّة والإقليميّة بما فيها الأمم المتّحدة، على غرار منظّمة التحرير الفلسطينيّة.

عدم استغلال الاستفتاء والاستقلال في قضايا حزبويّة ضيّقة

الكرد وفي كافة أجزاء كردستان، مستعدّون لمواجهة تداعيات ما بعد الاستفتاء وإعلان الدولة الكرديّة، وعلى القيادة الكرديّة في الجنوب، ألا تستغلّ هذا التلاحم الوطنيّ وتقحمه في قضايا حزبويّة ضيّقة، فقد عوّدتنا هذه القيادة قَبولها بالتنازلات فور أن يقوى عضُدها أو تخرج من أزماتها أو ترى أنّها ستنال بعض المكاسب، مثلما حصل في أعوام التسعينات وفي 2003 و2005 وما بعدها، فالقضيّة الوطنيّة الكرديّة أكبر من الأحزاب ولا يجب المساومة عليها، وعليها ألا تخيّب آمال الكرد في كافة أجزاء كردستان.

الاستفتاء بات أمراً واقعاً لا مفرّ منه، وكذلك المعاداة والرفض الدوليّ والإقليميّ، غدا في حلف واحد، وإن اختلفت النبرة بين هذه الدولة أو تلك، لكن على العموم يمكن القول إنّ تأثيراتها ستظهر في اليوم التالي للاستفتاء، وحينها سيبدأ فصل جديد في كتابة تاريخ منطقة الشرق الأوسط.