الرئيسيةمقالاتإدلب … مؤامرة بنكهة أخرى

إدلب … مؤامرة بنكهة أخرى

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

يشكّل تدخّل تركيّا في إدلب، مشفوعاً بالاتّفاق ما بينها وبين روسيّا وإيران وحتّى النظام السّوريّ، ثالثة الأثافي في سياق التدخّلات التركيّة المستمرّة في سوريّا، والتي بدأت منذ انطلاق أوّل شرارة للثورة السّوريّة، وليس انتهاء باحتلال مناطق الشهباء وإدلب.

خفض أم رفع للتوتّر..؟؟

الذريعة التي سوّقت لها تركيّا في محاربتها “إرهاب جبهة النصرة”، إخضاع المحافظة بأكملها ضمن مناطق “خفض التوتّر”، سرعان ما انقلبت إلى مناطق ملتهبة و”رفع للتوتّر”، لتكشف حقيقة تركيّا الداعمة للإرهاب من خلال زيارة وفدها الذي ضمّ كبار الضبّاط في الجيش والمخابرات مدينة دارة عزّة واتّفاقها مع هؤلاء “الإرهابيين” الذين تنوي تركيّا “استئصالهم من إدلب”.

المؤامرة التي حيكت خيوطها في “أستانه – 6″، ووضعت اللمسات الأخيرة عليها أثناء زيارة بوتين لتركيّا، وكذلك زيارة أردوغان لإيران، أزيل الغطاء عنها لتظهر كلّ بشاعتها وشناعتها، صفقات ومساومات تجري في العلن وأمام الملأ، في تجرّد لكلّ القيم والاخلاقيّات والمبادئ، لتتعرّى حقيقة نوايا الدول الثلاثة في تقسيم إدلب فيما بينها، ولتستخدم “جبهة النصرة” فزّاعة تنفّذ من خلالها مشاريعها الاحتلاليّة المقيتة على الأرض السّوريّة.

بواكير الاتّفاق التركيّ مع النصرة

تضمّن الاتّفاق التركيّ مع “إرهابيي النصرة” فيما تضمّنه، انسحاب قياداته، وخاصّة ما يسمّى بـ”المهاجرين” ومن “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ” إلى مناطق جنوب غرب إدلب، حيث المناطق الجبليّة الوعرة لتصبح تورا بورا السّوريّة، لإعادة تشغيلهم في مشروع احتلاليّ آخر، وكأنّ النصرة وداعش تحوّلتا إلى شركة استثماريّة، الكلّ يستثمر فيها، والشعب السّوريّ يدفع فاتورتها.

لم تكن تركيّا في يوم من الأيام تعادي النصرة، بل هي مَنْ أمدّتها بكلّ أسباب القوّة ووفّرت لها كلّ الإمكانات، منذ بداية انطلاق الثورة السّوريّة، حيث جلبت قادة وعناصر للقاعدة من ليبيا بقيادة “عبد الحكيم بلحاج”، وزجّتهم في السّاحة السّوريّة، وثمّ توالت فصول الدعم وفتح حدودها على مصراعيها، وليس آخرها الفضيحة التي أثارها الصحفيّ في صحيفة “الجمهوريّة” التركيّة “جنكيز دوندار”، في تهريب شحنات الأسلحة والذخيرة إلى جبهة النصرة عبر معبر باب الهوى، وكذلك إيصالها لنجل أسامة بن لادن إلى إدلب عبر الأراضي التركيّة، ونقلها إرهابيي “أتراك الإيغور” من الصين وضمّهم إلى “الحزب الإسلاميّ التركستانيّ” و”تنظيم خراسان” الذي يتّخذ من دارة عزّة وقلعة سمعان معقلاً رئيسيّاً له. وإذا ما قرأنا البيان الذي أصدرته جبهة النصرة، وتحدّثت فيه بوضوح عن الاحتلال الروسيّ وفصائل مرتزقة درع الفرات، وتوعّدتهم بالويل والثبور، فيما لم تتطرّق مطلقاً إلى الدور التركيّ وتدخّلها في إدلب، رغم أنّها هي من استقدمت مرتزقة درع الفرات، وهي إشارة واضحة لمدى التنسيق بين تركيّا وجبهة النصرة.

رواية تركيّة ممجوجة حتّى من بعض أطراف المعارضة الاسطنبوليّة

الرواية التركيّة الممجوجة في محاربة النصرة، لم ولن تقنع أحداً، ولاقت استهجاناً حتّى من بعض أطراف المعارضة التي نمت في أحضان أردوغان، والتي بدأت تتململ وتعارض التدخّل التركيّ في إدلب، وصدرت أصوات تشير إلى النوايا الحقيقيّة للتدخّل التركيّ في إدلب، في أنّها “تنوي تطويق عفرين ومنع قوّات سوريّا الديمقراطيّة من الوصول إلى البحر”، فيما قال آخرون “إنّهم غير مستعدّين لدفع فاتورة حماية الأمن القوميّ التركيّ من دماء وأشلاء السّوريين”.

يُعاد سيناريو مناطق الشهباء التي احتلّتها تركيّا العام المنصرم اليوم في إدلب، والضوء الأخضر، بل التنسيق الروسيّ الإيرانيّ معها، منحها القوّة في التدخّل بشكل مباشر، وكأنّها تدخل أراضٍ تركيّة، دون أن تراعي أبسط القوانين الدوليّة في سيادة الدول وحرمتها.

السرّ وراء دخول الوفد من معبر أطمه

دخول الوفد العسكريّ – الاستخباراتيّ التركيّ من معبر أطمه قرب الحدود مع جندريسه، بعد أن أزالت الجدار الذي بنته، وإثر استهداف النصرة لمخفر تركيّ وتبادل لرشقات من النيران الوهميّة، هو فقط للإيهام بأنّها تخوض معركة حقيقيّة ضدّ إرهابيي النصرة، واستقدامها لمرتزقتها من جرابلس والباب وإعزاز، واستخدامهم مرّة أخرى أدواتاً في معركتها، إنّما محاولة لإضفاء الشرعيّة على احتلالها إدلب تحت راية “الجيش الحرّ”، رغم إدراك الكلّ أنّه لم يبقّ “للجيش الحر” أيّ وجود على الأرض وأنّها غير قادرة على مواجهة النصرة، ممّا يسوّغ لها التدخّل في مراحل متقدّمة، طبعاً إن حصل قتال، لأنّ درع الفرات هي المجموعات التي تحوّلت إلى مرتزقة تستخدمهم تركيّا في معاركها المفتعلة في كلّ مكان وخاصّة ضدّ الكرد وقوّات سوريّا الديمقراطيّة.

وصول الوفد العسكريّ برفقة قيادات من جبهة النصرة إلى مناطق التماس بينها وبين وحدات حماية الشعب في أطمه وجبل الشيخ بركات وكذلك قلعة سمعان، لتتفحّص وتراقب تحرّكات الأخيرة، تدلّل وبشكل قاطع، أنّ الحملة التي تقودها تركيّا تهدف إلى محاصرة عفرين فقط، وتتهيّأ لتوجيه الحملة – هي ومرتزقة النصرة – صوب عفرين.

خشية تركيّة من تداعيات انتخابات شمال سوريّا واستفتاء جنوب كردستان

ولكن هل بمقدور تركيّا خوض معركة مفتوحة ضدّ عفرين، أم أنّها عويلها وصراخها لن يغدوَ أكثر من عواء ذئب محاصر في قعر وادٍ سحيق..؟؟ هذا ما ستثبته الأيّام القادمة، فالمعادلة السياسيّة والعسكريّة الراهنة في السّاحة السّوريّة أقلّ ما يُقال عنها أنّها في غير صالح تركيّا، التي لم تترك أحداً إلا وتنازلت له؛ تستجدي مساندةً في منع انتصار وتكامل المشروع الفيدراليّ الديمقراطيّ الذي يقوده الكرد ومكوّنات شمال سوريّا، وإذا ما أضفنا إليها الحرب الدائرة ضدّها في شمال كردستان واستفتاء جنوب كردستان؛ فإنّ تركيّا في وضع لن يحسدها عليها أحد وتواجه مصيراً قاتماً إذا ما استمرّت في انتهاج هذه السياسة الخاطئة والعدائيّة، لجهة انعكاس هذه التطوّرات في مجملها على الداخل التركيّ بكلّ ثقلها وتداعياتها، وهذا ما تخشاه تركيّا، وتسعى للدفع بها إلى خارج حدودها ورمي كتلة النار في أحضان جيرانها.

ابتزاز إيرانيّ لتركيّا

إيران وافقت على المخطّط التركيّ في التدخّل في إدلب لتبتزّ تركيّا، وتفكّ الطوق عن المدينتين الشيعيتين، “كفريا والفوعه”، وهي إحدى مقرّرات اتّفاق أستانه، ونتيجة لزيارة أردوغان لطهران. إنّ انتخابات الفيدراليّة الديمقراطيّة في شمال سوريّا (انتخابات الكومينات) واستفتاء الجنوب، غيّرا من الاصطفافات والتحالفات في المنطقة، ليعود الحلف الثلاثيّ القذر “التركيّ – الإيرانيّ – العراقيّ” ليطلّ برأسه مرّة أخرى، في محاولة لتكرار سيناريو عشرينات القرن الماضي لضرب الحركة التحرّرية الوطنيّة الكردستانيّة وكذلك المكاسب التي حقّقها الكرد، متناسية خلافاتها المذهبيّة، ليجمعها هدف واحد؛ معارضة أيّ طموح كرديّ في التحرّر والانعتاق.

روسيّا والرهان على حصانٍ خاسرٍ

روسيّا من جهتها تستخدم تركيّا وأزلامها ورقة للحرب والمساومة في إدلب، من خلال رميها في المعركة، لتتدارك ارتفاع فاتورة الضحايا السّوريين بقصف طائراتها، ولتتحمّل تركيّا وزر العمليّة برمّتها، فهي رمت تركيّا في المستنقع السّوريّ، ووقفت تتأمّل المشهد، ولتستأثر بحصّة الأسد من تقسيم إدلب، حيث حظيت بالقسم الغربيّ لتوصلها بالسّاحل السّوريّ، وكذلك بريف حماة، وتؤمّن الخاصرة الشّماليّة للنظام، وكذلك أمن قاعدتها الجويّة في حميميم.

الازدواجيّة الروسيّة في اللعب على وتر المصالح الاقتصاديّة والعسكريّة مع تركيّا ومغازلتها، ومحاولاتها الحثيثة لجرّها إلى حلفها وإبعادها عن الغرب وأمريكا، في المحصّلة ستفضي إلى خسارتها تأييد الشعب السّوريّ ونخبه الثقافيّة والسياسيّة المؤمنة بسوريّا ديمقراطيّة. وقبولها العمل والتنسيق مع مرتزقة تركيّا من درع الفرات، إنّما يكشف عمق البراغماتيّة الجوفاء لسياستها المتقلّبة في سوريّا. فهي تراهن على حصان خاسر في النهاية، وهذه المجاميع الإرهابية المعتاشة على الارتزاق؛ غير قادرة على محاربة تنظيم عقائديّ صلب بحجم جبهة النصرة، وأمريكا أيضاً راهنت عليهم في بداية الثورة، ولكن تبيّن لها أنّها مجرّد عصابات تمتهن الارتزاق والنهب والسلب، وغير جديرة بالدعم والمساندة.

ولكن هل سيقف الحريق في إدلب، أم سيمتدّ إلى جوارها وخاصّة عفرين الملاصقة لها، وكيف ستتطوّر الأمور عسكريّاً وسياسيّاً في الأيام القادمة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود قيّادات متشدّدة في جبهة النصرة، ترفض التعاون مع تركيّا، وتعلن عداءها لأيّ تدخّل في إدلب ومن أيّ جهة كانت، وهل ستندلع حرب شاملة بينها وبين تركيّا..؟؟

“أيّ هجوم على عفرين؛ سيكتب نهاية أردوغان وحزب العدالة والتنمية

مِنَ المستبعد اندلاع حرب شاملة في إدلب، وحتّى القيادات والعناصر المتشدّدة من النصرة؛ ستتكفّل بهم تركيّا، فمثلما روضّت بقيّة الفصائل العسكريّة وأخضعتها للإرادة الروسيّة عبر مسارات أستانه؛ فهذه المرّة أيضاً ستنجح في إقناع النصرة بقبول الشروط الروسيّة والإيرانيّة، معتمدة على الروابط العقائديّة التي تجمعهما وانتمائهما إلى جذر إيديولوجيّ واحد، وكذلك التحدّي المشترك لهما؛ المدّ الفيدراليّ الديمقراطيّ في الشّمال والتوهّم بمواجهة “البعبع الكرديّ”.

النوايا التركيّة المبيّتة في شنّ هجوم على عفرين ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، ولكن موازين القوى العسكريّة والسياسيّة على السّاحة السّوريّة، والثقل الذي تحظى به وحدات حماية الشعب وقوّات سوريّا الديمقراطيّة، يلجمان كلّ مغامرة تركيّة للإقدام على شنّ هجوم مكشوف على عفرين، ومثلما قال قائد قوّات الدفاع الشعبيّ الكردستانيّة (HPG) مراد قره يلان في مقابلة له منذ أيّام “مثلما أفشلت مقاومة كوباني، المراهنة التركيّة على هزيمة ثورة روج آفا وانتصار الإرهاب، فإنّ أيّ هجوم على عفرين سيكتب نهاية أردوغان وحزب العدالة والتنمية”. والوقائع على الأرض تثبت أنّ الكرد يمتلكون بما فيهم من القوّة والكفاءة للدفاع عن أنفسهم وردّ أيّ عدوان تركيّ يستهدفهم، ومعارك الشهباء وعين دقنه شاهدةٌ على ذلك.

أمريكا تدير اللعبة في سوريّا برمّتها..!!

أمريكا من جانبها باركت “التورّط التركيّ” في إدلب، وهي التي تدير اللعبة السياسيّة والعسكريّة في سوريّا برمّتها تقريباً، في الخفاء والعلن، وتستخدم الدبّ الروسيّ بزجّه في معارك المقابحة والمواجهة مع الشعب السّوريّ، وهي تدرك جيّداً أنّ المعركة في إدلب لن تكون سهلة، بل ستدفع تركيّا ومعها كلّ الأطراف المنخرطة فيها، أثماناً باهظة في استئصال النصرة من إدلب، فبعد أن اختبرت الجميع، لم تجد أكفأ من وحدات حماية الشعب وقوّات سوريّا الديمقراطيّة في قيادة المعركة ضدّ الإرهاب، فهي الآن تتأمّل المشهد في إدلب، وتنتظر الفرصة المناسبة لتدخل مباشرة المعركة، بعد أن تفرغ هي و(قسد) من معركة تحرير الرّقّة.