الرئيسيةمقالاتبارزاني وقميص عبد الناصر

بارزاني وقميص عبد الناصر

محسن عوض الله

“وأقول لكم بصدق وبرغم أي عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي من الأزمة، فإنني على استعداد لتحمل المسئولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم أن تساعدوني عليه، لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أيّ منصب رسميّ وأيّ دورٍ سياسيّ، وأن أعود لصفوف الجماهير أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر”.

كلمات عمرها نصف قرن وردت على لسان الزعيم المصري جمال عبد الناصر فى التاسع من يونيو 1967 عقب يومين من احتلال شبه جزيرة سيناء، خطبة عصماء رددها عبد الناصر ببلاغته المعهودة، وصاغها إعلامه بدهائه الشديد مستغلاً الجانب العاطفي في نفوس المصريين.

كلمات لا ينساها أيّ مصريّ ولا أكون مبالغاً إن قلت أي عربي، فقد ارتبطت تلك الكلمات بالذل والانكسار، كلما تردد صداها عادت إلى الأذهان ذكرى الهزيمة والعار التي اصطلح إعلام النظام آنذاك على تسميتها “النكسة”.

نكسة يونيو 67 التي احتلت فيها إسرائيل أرض الفيروز شبه جزيرة سيناء من مصر، والجولان من سوريا، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، فى حرب أسمتها إسرائيل “الأيام الستة”.

“نكسة يونيو” كما سماها إعلام عبد الناصر، أو “نكسة حزيران” كما اشتهرت بسوريا والأردن، جاءت بعد تصريحات عنترية من الزعيم المصري على شاكلة “سنلقي إسرائيل ومن وراء إسرائيل فى البحر”، و”نمتلك صواريخ قادرة على قصف إسرائيل بسهولة” و….

صدمة المصريين بعد نكسة يونيو كانت كبيرة، فبعد أن صنعوا أحلاماً وعاشوا أفلاماً صاغتها كلمات الزعيم الخالد عن القوة والاستقلالية والكرامة، فجأة سمعوا الزعيم يستأذن فى الرحيل بدعوى أنه مسؤول عن الهزيمة، صُدم المصريون بالنكسة بعد أن أوهمهم إعلام النظام أن جيشهم أسقط العشرات من طائرات العدو وأسر المئات من جنوده، فإذا بالزعيم يقول لهم: لقد هُزمنا، كنت أضحك عليكم، لم نحارب ولم يكن هناك صواريخ لا قاهر ولا ظافر!!!

ومن القاهرة نطير إلى كردستان، ومن يونيو 67 نعود سريعاً إلى أكتوبر 2017، ومن الزعيم خالد الذكر إلى نجل البارزاني الخالد، اختلف المكان والزمان وتبدلت الأشخاص والأفكار وبقيت النكسة وظروفها وأجواؤها واحدة.

رحل عبد الناصر وبقي فكره وسياسته ونظريته فى الحكم ، بقيت سياسة الخداع تتوارثها أجيال وتتبناها دول وأنظمة من أجل صناعة إنجازات باستخدام مصطلحات رنانة وحماسية لإثارة عاطفة الشعوب وامتلاك رقابها.

النظرية الناصرية فى الحكم كانت حاضرة خلال الفترة الماضية بإقليم كردستان العراق، حيث اعتمد السيد بارزاني طريقة عبد الناصر فى خطاباته لإثارة حماس مواطني كردستان وحشدهم للمشاركة فى استفتاء للاستقلال عن الحكومة المركزية ببغداد نظمه ورعاه فى الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي وسط حالة من الرفض الدولي والتهديدات الإقليمية .

فى الثاني والعشرين من سبتمبر  الماضي وفى إحدى ساحات مدينة أربيل، ارتدى بارزاني قميص عبد الناصر معلنا استعداده للموت فى سبيل تحقيق استقلال كردستان، فى نسخة كردية من خطاب عبد الناصر عقب محاولة اغتياله “إذا مات عبد الناصر فكلكم عبد الناصر”.

إعجاب بارزاني بالزعيم المصري الراحل ظهر بوضوح فى  خطابات عديدة قبل الاستفتاء، مثل تصريحاته: “هذا الشعب يستحق الاستقلال”، و”لا تراجع ولا استسلام”، إلى غير ذلك من التصريحات العاطفية التي اشتهر بها ناصر.

إعجاب بارزاني بقميص عبد الناصر ظهر أيضاً عقب الإجراءات العقابية التي اتخذتها العراق ودول الجوار ضد الإقليم، هذه الإجراءات التي بلغت ذروتها ليلة 17 أكتوبر حينما دخلت القوات العراقية مدينة كركوك بعد انسحاب قوات البشمركة – التي يفترض أن بارزاني هو القائد الأعلى لها بحكم رئاسته للإقليم – وذلك فى استدعاء واضح لمشهد الحوار بين عبد الناصر والسادات فى فيلم “أيام السادات” الذي قدمه الرائع أحمد زكي  حينما سأل السادات ناصر أثناء النكسة عن خطة مواجهة العدو، فرد ناصر قائلا: “أمرت القوات بالانسحاب”!

استدعي بارزاني مشهداً آخر من حياة عبد الناصر بعد النكسة، حينما اتهم رفيق عمره عبد الحكيم عامر بالمسؤولية عن الهزيمة، وهو ما فعله بارزاني حينما اتهم قيادات حزب الاتحاد شركاءه فى الحكم بالخيانة وتسليم المدينة للقوات الحكومية.

لم يمتلك بارزاني شجاعة ناصر ويخرج ويعلن على الملأ استقالته حتى لو شكلياً كما فعل الزعيم المصري، لم يظهر بارزاني للنور منذ تسليم كركوك مكتفياً ببيانات تصدر عن رئاسة الإقليم وقيادة البشمركة ومبادرات سلام وطلبات وقف قتال ووو.

لم يظهر بارزاني ليعلن تحمله المسؤولية كاملة كما فعل ناصر، اكتفى بالبيانات رغم أنه يقود حزباً عشائرياً تحركه قوانين القبيلة والولاء للزعيم نجل الزعيم التاريخي وظل مختبئاً تاركاً شعبه للشائعات حول حقيقة بقائه فى منصبه وأنباء عن استقالته خلال ساعات، ووصل الأمر بالشائعات لتحديد بعض الأسماء المرشحة لخلافته.

حتي هذه اللحظات لم يخرج بارزاني من مخبئه ولكنه بالتأكيد  خرج بالكلية من حسابات الأكراد المستقبلية كقائد أو زعيم، ويبدو أن الشعب الكردي كتب عليه أن يعيش أحلام وردية لبطولات وهمية يصنعها ساسة ليس لهم هدف سوي تحقيق مصالحهم الخاصة والحزبية والقبلية ، ليستقيظ الكورد دوما من أحلامهم على كابوس مفزع ونكسة جديدة ….