الرئيسيةدراساتخارطة توزيع الطاقة في سوريا ودورها في التوازنات السياسية

خارطة توزيع الطاقة في سوريا ودورها في التوازنات السياسية

د. أحمد يوسف

لا تشكل سوريا مصدراً هاماً للطاقة مقارنةً مع بعض الدول الأخرى في الشرق الأوسط، ولا تعوم على بحر من النفط والغاز بخلاف العديد من الدول العربية، إلا أنها وعلى الرغم من ذلك فهي تمتلك مزايا جغرافية تمنحها دوراً مميزاً في خارطة توزيع موارد الطاقة، وخاصةً توزيع الطاقة غير المتجددة. إذ أنها تعتبر معبراً يمكنه المساهمة في تقليص نفقات نقل الطاقة من العراق ودول الخليج العربي باتجاه البحر المتوسط الذي يشكل البوابة الآسيوية الأهم على الدول الغربية، لذلك تأتي أهمية سوريا في خارطة توزيع الطاقة من تموضعها الجغرافي في موقع يتمتع بأهمية استراتيجية للقوى العالمية، ولا تشكل ما تمتلكه من ثروات باطنية مصدراً هاماً وجاذباً للاهتمام بها من قبل تلك القوى.

إن عدم قدرة مصادر الطاقة السورية على جذب الأطماع الخارجية بالشكل الذي يؤدي إلى تأجيج الصراع بين القوى الممثلة لتلك الأطماع، لا ينفي مطلقاً أهمية تلك المصادر على الصعيد الداخلي. إذ أن تركزها في جغرافية محددة تجعل من تلك الجغرافيا جاذبة للقوى المحلية، نظراً لدورها في ترسيخ المكانة التفاوضية للقوة المسيطرة على تلك الجغرافيا من رسم الملامح السياسية لسوريا المستقبل.

لقد تحول الحراك السوري السلمي المطالب بالحرية سريعاً إلى حراك الأطراف المتنازعة بمختلف انتماءاتها لتحقيق مكاسب آنية عبر السيطرة على قنوات تحقيق الدخل، وتأتي في مقدمة تلك القنوات المعابر الحدودية ومصادر الطاقة، لذلك فقد حدث فوضى كبيرة جداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وكان من إحدى نتاجاتها انتشار الفوضى الأخلاقية التي ترجمت في صورة مظاهر غريبة كالتكبير والتعفيش وما شابه ذلك وتقسيم مناطق النفوذ. ويبدو أن هذا الأمر إن لم يكن مخططاً من النظام لرسم صورةٍ محددة للقوى المعارضة، فهي بكل تأكيد تروق له، لتغطية سلوكياته اللاعادلة في المجتمع.

وبما أن خارطة توزع الطاقة المتجددة وغير المتجددة تشير إلى الأهمية النسبية للمحافظات الشرقية الثلاث، فقد دخلت تلك المحافظات في صلب حسابات المتنازعين في مراحل مبكرة من الصراع السوري، واكتسبت في مراحل لاحقة أهميتها الاستراتيجية في حسابات القوى التي سيطرت على الساحة السورية بعد تصفية ثوار التعفيش وباتت اليوم مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي توسعت من 39 ألف كيلو متر مربع في آذار 2017 إلى 46 ألف كيلو متر مربع في تشرين الأول 2017، من أهم المناطق الاستراتيجية في عموم سوريا، وهي تعادل تقريباً 25% من إجمالي مساحة الأخيرة[1]. إن ذلك نابعٌ من نقطتين أساسيتين:

الأولى: تمركز مصادر الطاقة المتجددة وغير المتجددة فيها وحاجة معظم المحافظات السورية لمنتجات تلك المصادر، والتي تأتي في مقدمتها الغاز والنفط المستخدم للأغراض الاستهلاكية والصناعية على حدٍ سواء.

الثانية: وقوع تلك الجغرافيا في محور البحر المتوسط وشرق آسيا الذي تمتد إلى آسيا الصغرى والصين عبر العراق وإيران. لا شك أن لهذا العامل أهمية استراتيجية للقوى العالمية المتصارعة للحصول على موطئ قدمٍ لها في الشرق الأوسط أو التوسيع من دائرة نفوذها فيها.

خارطة توزيع الطاقة

إذا كانت الاكتشافات النفطية خلال القرن الماضي تؤكد على تركز مصادر الطاقة السورية في المحافظات الشرقية، فإن ذلك لا ينفي وجود احتياطات محتملة منها في المناطق الجنوبية والغربية منها، إذ أن هناك احتمالات بوجود احتياطات تجارية في المناطق الساحلية بما فيها المياه الاقليمية. فقد قامت وزارة النفط السورية بإبرام عقد بالتراضي مع شركة سويوز نفتا غاز الروسية للتنقيب عن النفط في الساحل والمياه الاقليمية السورية.[2]

تتنوع مصادر الطاقة في سورية، ما بين المصادر المتجددة والمصادر غير المتجددة.

أولاً: المصادر المتجددة للطاقة في سوريا

تتركز مصادر الطاقة المتجددة في سوريا في توليد الطاقة الكهربائية من مياه السدود، وتعد سدود تشرين والفرات والبعث الواقعة على مجرى نهر الفرات، أكبر الأنهار التي تمر في الأراضي السورية، أهم المصادر المتجددة لتوليد الطاقة الكهربائية، وتنتج هذه السدود الطاقة على النحو المبين أدناه:[3]

  • سد الفرات: وهو أكبر السدود المائية في سوريا، وتبلغ طاقته الإنتاجية 880 ميغا واط يوميا، باستثمار ثماني عنفات، تبلغ طاقة الواحدة منها 110 ميغا واط، هذا إضافة إلى الاستفادة من مياه السد في إرواء مساحة 640 ألف هكتار للزراعة.
  • سد البعث: وهو عبارة عن سد تنظيمي للمياه التي تمر من سد الفرات، وتعمل على زيادة الطاقة الإنتاجية لسد الفرات بمقدار 80 ميغا واط يومياً عبر جعله عاملاً بطاقته القصوى. ويبلغ الطاقة التوليدية للسد 75 ميغا واط ساعي من الطاقة الكهربائية، وذلك عبر ثلاثة عنفات توليد، طاقة الواحدة منها 25 ميغا واط.
  • سد تشرين: تبلغ الطاقة الإنتاجية لسد تشرين 630 ميغا واط من الكهرباء، ويقوم بتوليد تلك الطاقة باستثمار ست عنفات بطاقة إنتاجية 105 ميغا لكل عنفة.

إذا كان هناك شريان للحياة في سوريا فهو بالتأكيد نهر الفرات الذي يمر بمسافة تتجاوز 600 كم عبر الأراضي السورية ويمنح الحياة لمساحة 620 ألف هكتار من الأراضي في محافظتي حلب ورقة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للسدود المشيدة عليه والواقعة كلها تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية 1585 ميغا واط، وهي تعادل 20% من الطاقة الكهربائية المتولدة عن طريق محطات التوليد الغازية والبخارية والنفطية في سوريا والبالغة 7860.5 ميغا واط[4]، وهي تكاد تكون كافية لإمداد مناطق سيطرة تلك القوات بالطاقة الكهربائية بصورةٍ متواصلة في حال تشغيلها بطاقتها الإجمالية، مما يساعد في المساهمة في تنمية البنية التحتية لفيدرالية شمال سوريا وتسريعها مقارنة بباقي المناطق السورية التي تعرضت للدمار على المجموعات المسلحة والتي تفتقر في الوقت ذاته إلى مصادر الطاقة بمختلف أنواعها.

لاشك أن هذه الميزة التي اكتسبتها تلك القوات ستكون مثار اهتمام النظام السوري وحلفائه على الأرض، وستكون للمخرجات الاقتصادية للسدود المشيدة على النهر دوراً في التوازنات السياسية، من منطلق أن المسيطر على هذه الثروات يمكنه التحكم بمفاصل حياتية كثيرة، بما فيها الحركة التجارية بين عموم المحافظات السورية.

تؤكد المعطيات العلمية المعاصرة على تزايد إمكانية استثمار الطاقة المتجددة والصديقة للبيئة عبر مصادرها المتعددة. وتشكل الأراضي سورية مصدراً جيداً لتوليد الطاقة الكهروشمسية في جميع محافظاتها بسبب ارتفاع ساعات التعرض لأشعة الشمس على مدار العام، لذا تكون مشاريع الطاقة الشمسية ذات جدوى اقتصادية وبيئية في البلد. وقد طرحت حكومة النظام أحد عشر مشروعاً لتوليد الطاقة الكهروشمسية بطاقة  إنتاجية تبلغ 1190 ميغا واط[5]، وتقع جميع تلك المشاريع على خط يمتد من السويداء إلى حماه مروراً بريف دمشق وحمص. وقد تم تنفيذ مشروع صغير واحد فقط في منطقة الكسوة بريف دمشق بطاقة إنتاجية 1.26 ميغا واط[6].

ثانياً: المصادر غير المتجددة للطاقة في سوريا

تتركز هذه المصادر على إنتاج البترول والغاز

البترول

على الرغم من أن سوريا لا تعوم على بحر من النفط والغاز، إلا أنها تبقى منتجة لهما بكميات تساهم في دعم الناتج المحلي الإجمالي لها، حيث بلغ حجم الإنتاج السوري من النفط 400 ألف برميل يومياً في عام 2010، وكانت تصدر سوريا منها 150 ألف برميل يومياً[7]  وقد كانت تتوجه ما يتجاوز 90% من صادراتها النفطية إلى بعض دول الإتحاد الأوروبي، كإيطاليا وفرنسا وآلمانيا، وبلغت مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي السوري في العام المذكور 3.2 مليار دولار أمريكي[8]. بينما توقفت معظم الحقول والآبار عن الإنتاج في ظل الأزمة، ويتم إنتاج النفط فيها من خلال الأحواض التالية:

  • حوض ما بين النهرين الذي يمتد من جنوب شرق تركيا إلى الخليج العربي بطول ألفي كيلو متر وعرض نحو 350 كيلو متر، وتعد حقول قراشوك والسويدية والرميلان أهم حقول هذا الحوض. كما يوجد في هذا الحوض بعض الحقول إلى الجنوب من الحسكة وتل حميس.
  • حوض الفرات ويتميز بانتاجه للنفط الخفيف، ويعتبر حقل العمر الواقع إلى شرق مدينة دير الزور من أكبر الحقول النفطية في هذا الحوض، كما يوجد في هذا الحوض مجموعة أخرى من الحقول، مثل حقل التنك في بادية الشعيطات، وحقل الورد، والتيم، والجفرة، إضافةً إلى معمل غاز كونيكو الذي كان يمد محطتي جندر ودير علي لتوليد الطاقة الكهربائية بالغاز[9]، وتوزيع الغاز على مختلف المحافظات السورية، إذ يتمتع هذا المعمل بأهمية استراتيجية كبيرة لمختلف الجهات السورية.
  • الحوض التدمري، وهو يعتبر أضخم حوض للغاز، ويعتبر حقل الشاعر أهم الحقول في هذا الحوض.

تؤكد التطورات الأخيرة، والتي كانت آخرها سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على حقل العمر، أكبر حقول النفط السورية، أن الذهنية الإقصائية التي يتعامل بها النظام مع مختلف القوى السورية، وعلى رأسها قوات (قسد) سينعكس على وضعه الاقتصادي بحرمانه من نسبة تصل إلى 90% من عائدات النفط على أقل تقدير، نظراً لوقوع معظم حقول النفط تحت سيطرة تلك القوات، إضافةً إلى تضرر الحقول الواقعة تحت سيطرتها في منطقة تدمر بشكل أكبر من تلك الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على حقول نفطية يبلغ حجم إنتاجها اليومي 400 ألف برميل[10]، وذلك في حال العمل بطاقتها النظامية، وإعادة تأهيل منشآت الاستخراج[11]، بينما تسيطر قوات النظام السوري على حقول نفطية لا تتجاوز إنتاجها 35 ألف برميل يومياً. تشير هذه الأرقام إلى الأهمية الكبيرة لدور النفط في رسم ملامح التوازنات السياسية السورية، إذ لا يمكن استبعاد النفط أو إهمالها أهميتها في المفاوضات السياسية التي بدأت ملامحها تتوضح رويداً رويداً بعد تحرير رقة من الداعش، وسيلعب النفط في ترسيخ حقوق المكونات السورية المختلفة في سوريا المستقبل، وذلك تحقيقاً لعامل الاستقرار الذي يستوجب عدم قبول الخضوع للسلطات المركزية، وبالتالي رفض منطق الحكومة المركزية في سوريا ما بعد الحرب.

الغاز الطبيعي:

اقتصر إنتاج الغاز في سوريا خلال القرن الماضي على الغاز المرافق لاستخراج النفط في الحقول النفطية المعروفة في شمال شرق سوريا، إلا أن بداية القرن الحالي شهد تطوراً كبيراً في إنتاج الغاز من حقول خاصة في محافظتي رقة وحمص، كما أن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى وجود احتياطيات ضخمة من الغاز في بعض مناطق ريف دمشق مثل قارة، وفي الساحل السوري، إلا أن الأمر ما زال قيد الدراسات الاستكشافية والتي توقفت نتيجة الأحداث السورية التي بدأت في آذار 2011، ولم تبدأ فيها عمليات الحفر الفعلية، لذلك ظل إنتاج الغاز السوري الذي بلغ 8.7 مليار متر مكعب في عام 2011م[12]، شبه محصور في الجغرافيا الممتدة من أقصى شمال شرق محافظة الحسكة إلى محافظة دير الزور والحقول الواقعة ما بين محافظتي رقة وحمص، واستخدم الغاز المنتج للأغراض الاستهلاكية المنزلية والصناعية، وتزويد محطات توليد الطاقة الكهربائية بالطاقة اللازمة للتشغيل.

تراجع إنتاج اللغاز من 8.7 مليار متر مكعب سنوياً في العام 2011م إلى 7.6 مليار متر مكعب في العام 2012م وإلى حوالي 5.9 مليار متر مكعب في العام 2013م وحوالي 5.4 مليار متر مكعب في العام 2014م وتراجع إلى 3.65 مليار قبيل سقوط تدمر بيد الداعش التي أقدمت على تدمير خط إمداد الغاز للنظام في منطقة فرقلس لحرمان النظام من مصادر الغاز التي تمكنه من توليد الكهرباء عبر محطات التوليد العاملة في مناطق سيطرتها، وذلك لإجبار النظام على التعامل معها عبر الحصول على الغاز من الداعش مقابل تزويدها بالكهرباء.[13] ولم تتوقف عملية إمداد  محطة جندر التي تزود دمشق وحمص وكبرى المدن السورية بالطاقة الكهربائية بالغاز القادم من معمل كونيكو في دير الزور التي سيطرت عليها مجموعات مختلفة مثل جيش جوجو وجبهة النصرة ومجلس شورى الإسلامي والداعش إلا بعد حصول تضرر فيها نتيجة قصف قوات التحالف لها في آذار 2016م[14]. ولقد قامت تلك القوى بعملية إنزال جوي فيها في أيلول 2017م[15]، وقد استخدم النظام السياسة نفسها في سد الفرات الذي وقع تحت سيطرة الداعش في عام 2013م، حيث سيطر الداعش على السد مع الحفاظ على الطاقم الفني للنظام لتشغيل السد.

يتوزع إنتاج الغاز الطبيعي في سوريا حالياً بين قوات النظام في مناطق جنوب وغرب نهر الفرات، وقوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق النهر النهر، ويتبين من متابعة الطاقة الإنتاجية لحقول الغاز تفوق نسبي للنظام على قوات سوريا الديمقراطية في حجم إنتاج الغاز، إذ يبلغ حجم إنتاج الحقول الغازية الواقعة تحت سيطرة النظام (7.45) مليون متر مكعب يومياً، وهي تعادل 57% من إجمالي الطاقة الإنتاجية لحقول الغاز السورية. بينما يبلغ حجم الطاقة الإنتاجية للحقول الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (5.6 مليون متر مكعب يومياً)، وهي تعادل 43% من الطاقة الإنتاجية الكلية لحقول الغاز.[16]

على الرغم من التفوق النسبي للنظام على قوات سوريا الديمقراطية في حجم إنتاج الغاز الطبيعي، إلا أن المنشآت المشيدة في مناطق قوات سوريا الديمقراطية تلعب دوراً حيوياً في تأمين الطاقة الكهربائية وكذلك الغاز المنزلي على مستوى سوريا، ولا يمكن هنا إهمال كور معمل كونيكو في دير الزور ومعمل السويدية في الحسكة.

نقطة هامة في خارطة توزيع الطاقة الأحفورية في سوريا، إذ يلاحظ أن الاستثمارات النفطية التي تعود إلى القرن الماضي بمعظمها تقع في محافظتي الحسكة والدير الزور، وتم الاعتماد على الاستخراج فيها على الشركات الغربية، وفي مقدمتها شركة شل البريطانية –الهولندية، بينما معظم الاستثمارات الحديثة في هذا المجال تقع إلى الجنوب والغرب من نهر الفرات وفي مساحات تمتد ما بين الريف الغربي والجنوبي لدير الزور وجنوب رقة إلى بادية تدمر ومحيط حمص، وتقوم بأعمال التنقيب والاستخراج شركات روسية وصينية وإيرانية وشركة فنزويلية وماليزية. هذا الأمر يعني لجوء النظام السوري بعد تسلم بشار الأسد لمقاليد السلطة في سوريا إلى شركات الاستثمار النفطي في الدول الشرقية، على الرغم من بلوغ نسبة الصادرات النفطية له إلى دول الاتحاد الأوربي 90% من إجمالي صادراته النفطية.

إن الملاحظ في استراتيجية استثمار الوقود الأحفوري للنظام السوري في القرن الحالي هي بناء علاقات اقتصادية متينة أساسها منح الامتيازات النفطية للشركاء المنافسين للسياسات الغربية في الشرق الأوسط، وبالتالي العمل على الخروج من دائرة السيطرة الغربية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه لبناء علاقات قوية وغير متكافئة مع تركيا المجاورة. وقد تصور النظام أن ذلك سيمنحه مكانة ديبلوماسية متقدمة في ظل التغيرات العالمية، وظن أنه سيتمكن من خلال ذلك اللعب من خلال المحاور لخلق شرخ عالمي في الشرق الأوسط، وستصبح سورية بذلك الدولة التي يتنافس الجميع على كسبها، حدث ذلك ولكن بأسلوب آخر وبحسابات مختلفة تماماً عن تصورات النظام.

لقد أدت هذه الحركة التي قام بها النظام السوري إلى توقف شبه تام للاستثمارات النفطية في المناطق الجنوبية والغربية لنهر الفرات، ورسمت ملامح ملرحلة جديدة أعادت للغرب دوراً أساسياً في الخارطة الاستثمارية السورية عموماً. وجعلت من جزئها الشمالي مشروع معبر هام يبدأ من آسيا الصغرى والشرقية وينتهي في الساحل الشرقي للمتوسط.

الكهرباء

تبلغ كمية الطاقة الكهربائية التي يمكن توليدها نظرياً في محطات توليد الطاقة الكهربائية المعتمدة على الوقود الأحفوري 7860.5 ميغاواط[17]. وتعتمد تلك المحطات في توليد الطاقة الكهربائية على الغاز والنفط الثقيل والنفط الخفيف إضافة إلى كميات قليلة من المازوت وتستخدم الأخيرة بصورة احتياطية في محطات حلب ومحردة وبانياس، بطاقة إجمالية لا تتجاوز 89 ميغا واط يومياً.

المصدر: المؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية، التقرير السنوي لعام 2016، ص: 11

تشير خريطة توزيع محطات توليد الطاقة الكهربائية المعتمدة على الوقود الأحفوري على انتشارها في مناطق سيطرة النظام، باستثناء محطة السويدية التي تقوم بتوليد 172 ميغا واط، حيث يلاحظ من الشكل السابق أن معظم محطات التوليد تنتشر على الخط الممتد من الجنوب السوري في ريف دمشق إلى محافظة حلب، باستثناء محطتين تقعان في شرق سوريا وهما محطتي سويدية والتيم في الحسكة ودير الزور، ويبلغ إجمالي الطاقة الإنتاجية لهما (268) ميغا واط، وهي تعادل فقط 3.41% من إجمالي الطاقة الإنتاجية لمحطات التوليد المعتمدة على الوقود الأحفوري.

قد يكون تركز محطات توليد الطاقة المعتمدة على الوقود الأحفوري في الشريط الممتد من جنوب سوريا إلى شماليه بموازاة الحدود الغربية، على الرغم من بعدها عن مصادر المواد الأولية، هو وجود ثلاثة سدود على نهر الفرات، والتي يمكنها تأمين حاجة المحافظات الشرقية الثلاث من الطاقة الكهربائية، الأمر الذي أدى إلى أن تقوم الحكومة ببناء المحطات في المناطق الغربية لتأمين احتياجاتها من الطاقة الكهربائية. وقد يكون نتيجة سياسة حكومية تستهدف تحقيق انتشار المؤسسات الإنتاجية ومصادر المواد الأولية في عموم الجغرافيا السورية، وبالتالي اعتماد منهجية التنمية الإقليمية.

يمكن الحصول على صورة واضحة عن واقع إنتاج الطاقة الكهربائية في سوريا ومصادر مواردها الأولية من خلال الجدول التالي:

م عدد المنشآت نوع

الوقود

الطاقة الإنتاجية النسبة من الإجمالي% التشغيل الفعلي 2016 نسبة التشغيل

%

1 11 غاز 4435.5 46.5 2875 64.8
2 4 مختلط (غاز -نفط) 2755 28.9 870 31.6
3 3 نفط ثقيل 670 7.03 470 70.12
الاحتياط 3 المازوت 89 0.93 0 0
السدود 3 المياه 1581 16.60 —- —-
المجموع 23 —- 9530.5 —- 4215 44.22

المصدر: من إعداد الباحث، بالاعتماد على المؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية، التقرير السنوي لعام 2016، ص: 12

يلاحظ من الجدول السابق أن النظام يعتمد على توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الغاز الطبيعي بشكل أساسي، إذ تصل نسبة المحطات العاملة على الغاز إلى 46.5%، وتصل هذه النسبة إلى 75.4% إذا أضيف إليها المحطات المختلطة العاملة على الغاز والنفط. يدل الاعتماد على الغاز بهذه النسبة العالية لتوليد الطاقة الكهربائية إلى توفر المادة الأولية ورخصها إضافةً إلى أنها صديقة للبيئة، وتعد هذه السياسة صحيحة اقتصادياً وبيئياً.

تبلغ الطاقة الكهربائية المتولدة في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية 1753 ميغا واط يومياً، وهي تعادل 18.4% من إجمالي الطاقة الكهربائية المتولدة في سوريا. وهناك إمكانية كبيرة لتوليد الطاقة الكهربائية بإقامة حقول الطاقة الكهروشمسية نظراً لتوفر مساحات واسعة من الأراضي غير الزراعية التي يمكن استثمارها لهذا الغرض، مما يساهم في تقليص تكاليف توليد الطاقة بصورة كبيرة.

لا يمتلك النظام في هذا المجال أي أوراق ضغط على مناطق قوات سوريا الديمقراطية، وذلك لعدم تحكم ها بمصادر توليد الطاقة ولا بمحطات التوليد في تلك المناطق. إن نقطة الضعف هذه لدى النظام تمثل نقطة قوةٍ تمتلكها قوات (قسد) لترسيخ نظامها السياسي من خلال ممثلها السياسي المتمثل بمجلس سوريا الديمقراطي.

عموماً تتميز مناطق سيطرة (قسد) بميزات نسبية على صعيد توليد الطاقة، وكذلك مصادر الطاقة المتنوعة، الأمر الذي يمنحها مقومات بناء نظام اقتصادي مستقل عن دمشق في حال رفض الأخيرة التعامل معها، ويمكن إحداث قفزات كبيرة في معدلات النمو الاقتصادي، نظراً لاستحواذ تلك القوات على نسبة تتجاوز 50% من مصادر تكوين الناتج المحلي الإجمالي لسوريا.

انطلاقاً من ذلك، لا يمكن إهمال دور مصادر الطاقة في رسم التوازنات السياسية بين المكونات السورية، أو بعبارة أخرى يكاد يكون رسم ملامح المستقبل السوري ضرباً من المستحيلات في ظل الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والأخلاقية، إذا لم يحدث اهتمام كبير بحقيقة المعادلة الناجمة عن توزع مصادر الطاقة بين الأطراف المتحكمة بحيازات جغرافية في الصراع السوري، لأن الطاقة هي إحدى أهم مفاتيح الحل والتوجه نحو بناء سوريا متناغمة ومتوافقة بين مختلف مكوناتها الساعية للتعايش بصورةٍ مشتركة.

[1] -syriancivilwarmap/war-statistics

[2] -https://tamddon.com/النفط-في-الساحل-السوري-كذبة-أم-حقيقة

[3] -furat.alwehda.gov.sy/node152695

[4] -المؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية، التقرير السنوي لعام 2016، ص: 12

[5] -المؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية، التقرير السنوي لعام 2016، ص: 21

[6]-http://Arabic.sputniknews.com

[7] http://www.bbc.com/arabic/in-depth-41739816-

[8]-BBC EU steps up Syria sanctions with ban on oil imports 2 September 2011

[9] -http://deirezzor24.net/archives/4271

[10] -www.bbc.com/Arabic/in-depth-41739816

[11] -تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على حقول رميلان وسويدية وشدادي والهول والجبسة واليوسيفية والعمر والتيم والورد والتنك العزبة والجفرة، بينما تسيطر قوات النظام على حقلي حيان وجزل.

[12] -http://Carnegie-mec.org/diwan/60442 يزيد الصايغ، الحرب على حقول الغاز في سورية

[13] -http://Carnegie-mec.org/diwan/60442 يزيد الصايغ، الحرب على حقول الغاز في سورية

[14] -http://deirezzor24.net/archives/4271

[15] -http://www.qasioun.net/ar/news/show/97785/

[16] -[16] -www.bbc.com/Arabic/in-depth-41739816

[17] – المؤسسة العامة لتوليد الطاقة الكهربائية، التقرير السنوي لعام 2016، ص: 12