الرئيسيةمقالاتهل ذهبت السكرة وجاءت الفكرة …؟؟

هل ذهبت السكرة وجاءت الفكرة …؟؟

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

لفت نظري، وأنا أتصفّح أخبار الوطن السّوريّ الجريح، والذي يتلوّى كديك مذبوح بسكين سيء، ما صدر من الخارجيّة السّوريّة ورئيس برلمانها، مطالباً القوّات التركيّة الانسحاب من الأراضي السّوريّة، ومعلّلاً ذلك بأنّ “اتّفاق أستانه لم يتضمّن دخول قوّات تركيّة الأراضي السّوريّة”، وأنّ “اجتياح تركيّا لإدلب يهدّد الدولة السّوريّة ويتعدّى على وحدة أراضيها وسيادتها”، معتبراً “أنّ أنشطة تركيّا تشكّل تهديداً لأمن المواطنين السّوريّين وانتهاكاً للقانون الدوليّ”، فيما أدانت وزارة الخارجيّة “بأشدّ العبارات توغّل وحدات من الجيش التركيّ في محافظة إدلب”.

تنديد النظام بالتدخّل التركيّ يعتبر “طفرة”

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ذهبت السكرة وجاءت الفكرة للنظام، نتمنّى أن يكون الأمر كذلك، وهذا بحدّ ذاته يثير عدّة أسئلة أخرى حيال هذا الموضوع، هل الخافي أكبر من المعلن، وكيف تجرّأ النظام على التنديد بالدخول التركيّ، وشريكه الذي أنقذه من السقوط، روسيّا، منحه الضوء الأخضر في الدخول، وهل سينصت المجتمع الدوليّ وفي المقدّمة تركيّا وروسيّا ستصغيان إلى تنديد النظام..؟؟ ربّما الأيام القادمة تكشف الستار عنه وبكلّ التفاصيل.

يعلم الجميع أنّ دهاليز السلطة معتمة وأزقّتها قميئة ومليئة بالقذارات التي قد تصل أحياناً إلى مستوى التضحية بالوطن في سبيل المحافظة على السلطة والسلطة فقط.

هذا الشعور بغياب الحسابات الوطنيّة من أجندات كافة الأطراف، تنتاب كلّ سوريّ عايش تراجيديا أزمتها، وبكافة تلاوينها وأشكالها، حتّى وصلت به الأمور إلى رؤية ضبابيّة وفقدان للأمل في ولادة جديدة لسوريّا في ظلّ البازارات السياسيّة والعسكريّة عليها، والتي ما أكثرها في هذه الأيّام.

موقف النظام السّوريّ في هذه المرحلة الحرجة والانتقاليّة من عمر الأزمة السّوريّة، يشكّل بحدّ ذاته “طفرة” غير معتادة منه، فرغم سكوته عن احتلال تركيّا لقسم من مناطق الشهباء العام المنصرم، وهو ما فسّره البعض حينها بأنّ التوغّل التركيّ حينها حصل بموافقة ضمنيّة منه، إلا أنّه لم يندّد به ولم يطلق عليه “احتلالاً” رغم أنّ كافة توصيفات الاحتلال تنطبق عليه، ولكن أن تأتي متأخّراً خيرٌ من ألا تأتي مطلقاً.

سرّ العلاقة بين النصرة وتركيّا

الجديد – القديم في مسألة الاحتلال التركيّ في إدلب، هو توافقها التّام مع إرهابيي جبهة النصرة، وهي المصنّفة على قائمة الإرهاب باعتبارها جزءاً من تنظيم القاعدة. السؤال الذي يطرح نفسه: ما سرّ العلاقة بين جبهة النصرة الإرهابيّة ودولة الاحتلال التركيّ، لكي تفتح لها أبواب إدلب على مصراعيها، وما هي المكاسب التي ستجنيها الأولى والثانية من هذا التوغّل، وكيف يمكن تفسير ردّة فعل النظام حيالها، إذا ما فهمنا أنّ روسيّا هي شريك لتركيّا بالتوغل في إدلب..؟؟

حزب العدالة والتنمية الذي يحكم تركيّا، غيّر بوصلة تركيّا منذ أن وصل إلى سدّة الحكم عام 2002، وغدت تركيّا مركز استقطاب للحركات الإسلامويّة المتطرفة من كلّ أنحاء العالم، باعتبار رئيسها أردوغان يطرح نفسه كقائد جامع لتنظيم الإخوان المسلمين العالميّ، والتي منها اشتّقت كافة الحركات المتطرّفة الحاملة للفكر التكفيريّ الإرهابيّ، فهو في هذا لا يختلف عن إرهابيي النصرة وداعش في شيء، فكلاهما ينهلان من ذات الفكر، وكانت تركيّا الحاضنة الأولى للإخوان المسلمين ومن ثمّ النصرة وداعش وكافة إسقاطاتهما وتفرعاتهما السياسيّة والعسكريّة، وأردوغان يهيّئ نفسه كأبٍ روحيّ لكافة تلك الحركات والتنظيمات الإسلامويّة.

إنّ اتّفاق تركيّا من جبهة النصرة يأتي في السياق العام لسياساتها الرامية إلى تقوية نفوذ تلك الحركات، ولم تكن في يوم ما على خلاف حتّى تعلن الحرب ضدّها، فالجديد في عمليّة إدلب، أنّ ذاك الخيط الخفيّ الذي كانت تركيّا تتستّر عليه قد ظهر جليّاً وبكلّ وقاحة وصفاقة ودون اعتبار للرأي العام العالميّ، بل بتواطؤ من بعض الدول العظمى أيضاً.

وإذا ما أضفنا إليها معاداة الطرفين للكرد وتكفيرهما للمشروع الفيدراليّ الديمقراطيّ في شمال سوريّا، يتّضح مدى حاجة الإثنين لهكذا نوع من التحالف الإستراتيجيّ، والذي يتخطّى كافة الخطوط الحمراء، ويظهر عن وجهه العدائيّ لأيّ توجّه نحو إنهاء الأزمة السّوريّة ومعاناة السّوريّين.

احتلال تركيّا تعيد الأزمة إلى المربّع الأوّل

تزامن الاحتلال التركيّ لإدلب مع قرب نهاية تحرير مدينة الرّقّة ليس مصادفة كما قلنا سابقاً، وهي تريد أن تعيد الأزمة السّوريّة إلى المربّع العنفيّ الأول، في زيادة الاحتقان الشعبيّ وزرع الكراهية بين الشعوب والمكوّنات السّوريّة، وتأجيج نار الخلافات المذهبيّة والطائفيّة والعرقيّة، لتعيد دورها كلاعب قويّ في السّاحة السّوريّة، بعد أن خسرت كافة أوراقها خصوصاً عند تسليمها حلب للنظام.

النوايا التركيّة في احتلال أراضي الغير ليست وليدة الأزمة السّوريّة، فإلى الآن مازالت تركيّا تدرج كلّ من حلب والموصل وحتّى كركوك ضمن خريطتها الجغرافيّة التي تدرّس أبناءها في مدارسها، فالمطامع التركيّة لن تقف عند هذا الحدّ، بل تتجاوز في استعادة مجد الإمبراطوريّة العثمانية البائد، وهو ما فتئت الدولة التركيّة بقيادة أردوغان ترفع هذا الشعار كهدف إستراتيجيّ لها، فدخولها أراضي أيّ من دول الجوار، تعتبرها وفق منطقها وقانونها الخنفشاريّ الرجعيّ حقّاً تاريخيّاً لها، وفق هذه الذهنيّة تتحرّك الدولة التركيّة وترسم سياساتها الاحتلاليّة التوسّعيّة في ضمّ تلك الأراضي وإلحاقها بها، فيمكن القول إنّ الاحتلال التركيّ هو “احتلال إلحاقيّ” بكلّ ما للكلمة من معنى، وخطورته تكمن هنا. فالعديد من الدول تعرّضت للاحتلال، فرنسا احتلّت الجزائر حوالي 130 عامّاً، ورغم فرضها سياسة الفرنسة (فرض اللغة الفرنسيّة على الشعب الجزائريّ)، إلا أنّها لم تعتبر يوماً ما الجزائر تابعة لها، وكذلك بريطانيّا وإسبانيّا وهولندا وكافة دول الاستعمار القديم فغلت ذلك في مستعمراتها.

الاحتلال يتجاوز الكرد في بعده الوطنيّ

على ضوء هذا الاستنتاج واستقراءً الدور التركيّ الهدّام في سوريّا ومنطقة الشرق الأوسط عموماً، يعتبر التدخّل التركيّ أخطر من كلّ التدخّلات التي حصلت وتحصل في سوريّا، فحتّى أمريكا وروسيّا وجودها في سوريّا مرتبط بمصالحها، ومجرّد انتهائها، ستسحب قوّاتها وتسلّم زمام الأمور لأهلها مثلما فعلت في العراق بعد تدخّلها عام 2003، لكن تركيّا تؤسّس لتثبيت وجودها الدائم فيها، انطلاقاً من قناعتها بأنّها “صاحبة الأرض”.

تتوهّم تركيّا إذا كانت تعتقد أنّها باحتلالها لإدلب، وزرع قوّاتها العسكريّة في محيط مقاطعة عفرين، ستتمكّن من ليّ ذراع الكرد للتخلي عن مشروعهم في الفيدراليّة ووضع سوريّا على سكّة الديمقراطيّة، فهي اختبرت الكرد في شمال كردستان، ولها تجربة مريرة معهم، فلن يثني الكرد المضي قدماً في مشروعهم أيّة قوّة ومهما بلغت قوّتها وجبروتها، والقوّة العسكريّة التي تهدّد بها عفرين، والآن الكرد ومعهم كافة شعوب ومكوّنات شمال سوريّا نظّموا أنفسهم عسكريّاً وسياسيّاً واكتسبوا تجربة كبيرة في محاربة الإرهاب، وباتوا رقماً صعباً في المعادلات الدوليّة والإقليميّة، ولا يمكن بأيّ حال تجاوزهم. هذه الحسابات أقلقت تركيّا ودفعتها لترتكب حماقة احتلال إدلب.

“التهديد الأكبر على سوريّا والعرب، يأتي من الخاصرة الشّماليّة”

المزاج الشعبيّ العام في سوريّا وخصوصاً في الشّمال، يوحي بردّة فعل قويّة تجاه الاحتلال التركيّ، وهي – أي مكوّنات شمال سوريّا – خبرت الاحتلال التركيّ في مناطق الشهباء جيّداً، وهي قادرة على خلق البدائل والآليّات الكفيلة بتحرير أراضيها من دنس هذا الاحتلال البغيض، وما روّجت له بعض الوسائل الإعلاميّة في تصوير أهل إدلب وهم يرحّبون بالاحتلال التركيّ، ما هي إلا بروباغندا رخيصة ومبتذلة افتعلتها ثلّة مارقة على الشعب السّوريّ الأصيل، وأعدّت لها جماعة الإخوان المسلمين المرتبطة حتّى النخاع مع تركيّا وأردوغان، وهي لم تجد آذاناً صاغية لدى غالبية السّوريّين، بل كانت محطّ اشمئزاز وإدانة.

إنّ تقطيع تركيّا أوصال الجغرافيا السّوريّة في مناطق الشهباء وإدلب، تشكّل انقلاباً جديداً في مسار الأزمة السّوريّة، فذريعة وضعها تحت مسمّى المنطقة الرابعة لـ”خفض التوتّر”، رشّحها لأن تكون منطقة مقطوعة عن الجسد السّوريّ، على غرار لواء إسكندرون الذي سلخ من سوريّا، والقضيّة في بعدها الوطنيّ السّوريّ تتجاوز الحسابات حول القضيّة الكرديّة وسعي الكرد للحصول على حقوقهم، فهي تشكّل تهديداً لحاضر ومستقبل سوريّا وفق كلّ المعايير السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، وهو ما نبّه له قائد الشعب الكرديّ عبد الله أوجلان في أوسط تسعينات القرن الماضي عندما قال: ” إنّ التهديد الأكبر على سوريّا والعرب، يأتي من الخاصرة الشّماليّة، أي من تركيّا، وهي أكثر خطورة من إسرائيل“، وعلى الجميع استيعاب تداعيات وأبعاد هذه المسألة وتحدّياتها.

أوّل استحقاقات حميميم القادم؛ إخراج الاحتلال التركيّ

والآن، وبعد المعادلة السياسيّة والعسكرية التي أفرزها احتلال تركيّا لإدلب، حريّ بالنظام السّوريّ إن كان جادّاً في تنديده باحتلال تركيّا لأراضي سوريّا، أن يثبت مصداقيّته أمام الشعب السّوريّ والعالم، في المبادرة – ودون تسويف – إلى إلغاء اتّفاقيّة أضنه السيّئة الصيت، وهذه ستعتبر الصفعة الأولى في وجه الاحتلال، يليه استعداده للقبول بحلول واقعيّة تكفل تضميد الجراح، وتُعيد اللحمة الوطنيّة في طرح مشروع وطنيّ شامل يكفل حقوق كافة المكوّنات السّوريّة.

المؤتمر المزمع عقده في حميم وبرعاية روسيّة نهاية الشهر الجاري، وبعد أن صدرت تصريحات “مشجّعة” من وزير الخارجيّة السّوريّ وليد المعلّم، بإمكانيّة التفاوض مع الكرد حول الإدارة الذاتيّة، والردّ الإيجابيّ من الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة وفيدراليّة شمال سوريّا، يمكن أن تشكّل اللبنة الأولى في تلاقي الرؤى حول إطلاق حوار سوريّ – سوريّ يقطع الطريق على كافة التدخّلات الخارجيّة وأولها الاحتلال التركيّ للأراضي السّوريّة. وكلّ الاعتقاد أنّ النظام في وضعيّته الراهنة غير قادر على فرض ما يدّعيه بـ” السيادة الوطنيّة” على كامل الأراضي السّوريّة ودحر الإرهاب وكافة مرتكزاته، دون أن يستند إلى دعم كافة المكوّنات السّوريّة وقواها الديمقراطيّة الممثّلة لها، فطريق تحرير سوريّا من الاحتلال والإرهاب يمرّ عبر وحدة وطنيّة فاعلة، وليس في فرض الرؤى عن طريق القوّة وعبر المراوغة وكسب المواقف، وأبرز القوى المؤهّلة لقيادة دفّة هذا الحوار وإيصاله إلى برّ الأمان للخروج بنتائج مرضية للشعب السّوريّ هي فيدراليّة شمال سوريّا، بما تحظى به من تأييد شعبيّ واسع، وقوّة عسكريّة تمكّنت من تحرير أكثر من ثلث الأراضي السّوريّة من الإرهاب.