الرئيسيةمقالاتأمريكا وتركيّا … حليفتا الأمس وعدوّتا اليوم وغداً

أمريكا وتركيّا … حليفتا الأمس وعدوّتا اليوم وغداً

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

“تمخّض الجبل وولد فأراً”، هذا ما يمكن قوله باختصار عن قمّة سوتشي التي ضمّت رؤساء كلّ من روسيّا، إيران وتركيّا. فرغم الضجيج والتهويل الإعلاميّ الذي رافق القمّة؛ إلا أنّها أظهرت تباينات جمّة بين الفرقاء الثلاثة، أقلّ ما يمكن القول عنها إنّها اختلفت على تقسيم الكعكة السّوريّة فيما بينهم، وبما لا يترك مجالاً للشكّ بأنّ كلّ طرف حاول الاستحواز على حصّة الأسد منها، بعد أن أوشكت الأزمة والحرب الدائرة أن تضع أوزارها.

أستانه وسوتشي … هروب من استحقاقات هم وضعوها

الترتيبات التي اُتّفق عليها في القمّة، سرعان ما تبدّدت وظهرت مفاعيلها العكسيّة في استمرار الاقتتال على الأرض، رغم أنّ الحُكمَ عليها قد يبدو سابقاً لأوانه، لكن مقدّمات الخلاف تجلّت في محاولات النظام وكذلك القوى التي تدعمها تركيّا في تسعير الموقف العسكريّ من خلال استهداف مدينة دمشق، وكذلك هجمات النظام على المجاميع الإرهابيّة في جنوب إدلب وحماه، وكأنّها غير معنيّة بما اُتّفق عليه في سوتشي وغير ملزِمة بتنفيذه.

التذبذب بين أستانه وسوتشي، لم ينقذ الأطراف الثلاثة من المنغّصات والاستحقاقات التي يواجهها كلّ طرف في السّاحة السّوريّة، في ضبط إيقاع المسارات السياسيّة والعسكريّة وفق مصالحها. فحالة الفلتان العسكريّ والأمنيّ التي تشهدها المناطق المشمولة باتّفاقات “خفض التصعيد”، يتمّ تجاهلها والقفز فوقها، إلى بناء تصوّرات مسبّقة، في محاولة الجمع بين المعارضة والنظام في مؤتمرات لا تنتج سوى الفشل تلو الفشل، عبر الضغط على الطرفين للعدول عن شروطهما؛ فقط لمحاصرة مشروع فيدراليّة شمال سوريّا التي ستبدأ انتخابات المرحلة الثانية منها في غضون الأيّام القليلة القادمة.

افتراق روسيّ – تركيّ والذهاب بطريق اللا عودة

حاول أردوغان الحصول على موافقة روسيّة – إيرانيّة لشنّ عدوان على عفرين، لكنّ القيصر الروسيّ راوغ وترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات الموافقة والرفض في آنٍ واحد، من خلال ربطه الموافقة بدمشق، الأمر الذي يستدعي “مصالحة” بين أردوغان وبشّار الأسد، وهو ما هو مرتقب في الأيام القليلة القادمة. فأردوغان على استعداد للتنازل عن كلّ المسلّمات التي تمسّك بها في بداية الأزمة السّوريّة، لإجراء مساومة مع النظام على جسد المعارضة السّوريّة التي احتضنها طيلة السنوات السبع، مقابل الحصول على تفويض من النظام في شنّ عدوانه على عفرين. لكن تصريحاته الأخيرة تنمّ عن خيبة أمل كبيرة حصلت له في سوتشي، وحادثة دفع الكرسيّ، لها دلالاتها السياسيّة في العُرفِ الدبلوماسيّ، أضف إليها أنّ إطلاق النار من قبل مرتزقتها على الحوّامات الروسيّة الثلاث في ريف حلب، زاد من وتيرة الافتراق الروسيّ – التركيّ، ويمكن أن تذهب باتّجاه اللا عودة، وأردوغان في ذات نفسه يدرك أنّ “التفاهمات والاتّفاقات” التي يعقدها مع بوتين، “وقتيّة” لا يمكن البناء عليها في تمدّد النفوذ التركيّ في منطقة الشرق الأوسط وخاصّة في سوريّا، أو أن تصل الشراكة بينهما إلى مستوى “التحالف الإستراتيجيّ”. محاباة بوتين لأردوغان مبعثها إحداث شرخ في بنية حلف الناتو، رغم إدراك الأوّل للدور التركيّ الهدّام على خاصرتها الجنوبيّة في أوكرانيا، وصفقة صواريخ الـ”إس – 400″ قد تمّ تأجيلها حتّى عام 2019 بعد وضع شروط معقّدة ومذّلة على تركيّا، وكلّ التكهّنات تدور حول فشل الصفقة، وإلا لماذا تمّت صفقة السعوديّة بِيُسرٍ وسلاسةٍ ودون أيّة شروط. والتاريخ أثبت أنّ التوافقات التركيّة – الروسيّة لم تعمّر طويلاً، وسرعان ما أعقبتها حروب دامية، وحروب القرم الـ(19) بينهما شاهدة على عمق الانقسام التاريخيّ بين الطرفين، ولقد تأجّجت هذه الخلافات أكثر في ظلّ حكومة حزب العدالة والتنمية ذو التوجّه الإسلامويّ الذي يغذّي التيّارات الإسلامويّة في جمهوريّات القوقاز ضدّ توجّهات روسيّا.

إيران واستثمار الدور التركيّ في سوريّا

إيران، التي أعلنت، وفي ضربة استباقيّة انتصارها على داعش وعلى لسان زعيم حزب الله حسن نصر الله، تسعى إلى ترسيخ وجودها في سوريّا من خلال روسيّا واستثمار الدور التركيّ، رغم الخلافات الإيديولوجيّة العميقة والتاريخيّة بينهما، وهي تعارض في الوقت نفسه أيّ تمدّد تركيّ في سوريّا، التي تعتبرها حديقتها الخلفيّة في الوصول إلى لبنان وشواطئ المتوسّط، وتصريح رئيس أركان الجيش الإيرانيّ في التأكيد على استمرار تواجد بلاده في سوريّا، إنّما يقوّض النوايا التركيّة في إلحاق إدلب ومناطق الشهباء التي تسيطر عليها عبر مرتزقتها من درع الفرات، ويضع أسباب انسحابها منها أمام أردوغان، كخيار لا مفرّ منه.

أمريكا فنّدت مزاعم أردوغان حول قطع الدعم عن (قسد)

القشّة التي قصمت ظهر أردوغان في قمّة سوتشي وما بعدها، جعلته يرتدّ على نفسه أكثر من مرّة، ويدرك الضربة التي وجّهها له القيصر الروسيّ، ليُعاود مسلسل التنازلات “المذّلة” ويرتمي هذه المرّة في أحضان الرئيس الأمريكيّ ترامب، في محاولة عبثيّة لفصم العلاقة بين أمريكا وقوّات سوريّا الديمقراطيّة، يقيناً منه أنّه قادر على إعادة المياه لمجاريها بين تركيّا وأمريكا، بعد أن غدرت بالحليف الإستراتيجيّ – أمريكا – في أكثر من مناسبة وموضع. التصريحات الصادرة من البيت الأبيض، فنّدت مزاعم أردوغان ووزير خارجيّته في قطع الدعم عن (قسد) ووحدات حماية الشعب، فتعديل برنامج الدعم، لا يعني في المطلق انقطاعه، وبكلّ الأحوال ذاك الدعم إن استمرّ أو انقطع بعد الآن، لن يغيّر في المعادلات السياسيّة والعسكريّة على الأرض شيئاً.

الكرد وشركاؤهم لم يبنُ مشروعهم على الدعم الأمريكيّ

فالمشروع السياسيّ في فيدراليّة شمال سوريّا، لم يبنِ آماله وأهدافه على الدعم الأمريكيّ والغربيّ عموماً، فالكرد ومعهم شركاؤهم لم يضعوا كلّ بيضهم في السلّة الأمريكيّة، بل تركوا أمامهم مساحة واسعة من المناورة والدبلوماسيّة والتحرّك شرقاً وغرباً، لكي لا يقعوا فريسة وضحيّة التوافقات الدوليّة التي يبني عليها أعداء المشروع الفيدراليّ كثيراً بما فيها النظام السّوريّ، ويملكون من أوراق القوّة ما يكفيهم  ويمكّنهم في تثبيت مشروعهم وحقوقهم في سوريّا وفي المنطقة على السواء اليوم وغداً، فالسيطرة على ربع الجغرافيّة السّوريّة والتحكّم بأهمّ مصادر الطاقة، يؤهّلها لأن تكون بين الكبار، وليس ورقة للمساومة تسقط بمجرد سحب الدعم عنها، فهي اعتمدت في بناء مشروعها وثورتها على ذاتها، ولم تأتِ على ظهور الدبّابات الغربيّة لتحرّر روج آفا وشمال سوريّا وشرقها من الإرهاب، بل هو – أي التحالف – من مدّ يده إليها، وهي قبلت وصافحتها وأصبحت شريكة لها في مكافحة الإرهاب، ومن الآن فصاعداً سوف تستمرّ الشراكة في بناء ما دمّره الإرهاب، ومن يتوقّع أنّ سيناريو جنوب كردستان سيُعاد تكراره في روج آفا وشمال سوريّا، فهو واهمٌ.

تركيّا “خطر” على المصالح الأمريكيّة في المنطقة

إضافة إلى ذلك، أمريكا التي أسّست عدّة قواعد عسكريّة في روج آفا وشمال سوريّا، لم تتكلّف عَناء بنائها وإنشائها لتنسحب منها غداً. فالمشروع الأمريكيّ في منطقة الشرق الأوسط “يتقاطع ويمرّ” عبر اعترافه بفيدراليّة شمال سوريّا، فهي – أي أمريكا – تدرك جيّداً أنّها، وبعد القضاء على مشروع الإرهاب الداعشيّ، ستغدو محاصرة من كافة الجهات، إيران، في العراق وسوريّا، وكذلك تركيّا التي تَنزعُ إلى التمدّد على حساب المصالح الأمريكيّة في المنطقة، وهو ما لن تقبله أمريكا ومهما كلّفها ذلك، ونقطة الارتكاز الأساسيّة والمنطلق لها، ستكون روج آفا وشمال سوريّا.

فالخلافات الأمريكيّة – التركيّة عميقة وإستراتيجيّة، وأكبر من أن تُحلَّ عبر مكالمة هاتفيّة بين ترامب وأردوغان. تركيّا “الإخوانيّة” في ظلّ حكم العدالة والتنمية وأردوغان، تعتبر وفق التصنيف ومراكز الأبحاث الأمريكيّة “خطراً على المصالح الأمريكيّة”، فرغم أنّ ترامب يتعامل مع قضايا الأمن والمصالح الأمريكيّة وفق نظرة “التاجر”، إلا أنّه في ذات الوقت لا يمكنه غضّ الطرف عن التهديدات التي تمثّلها تركيّا على مصالح أمريكا وعرقلتها لمشروعها “الشرق الأوسط الجديد” في المنطقة. فنقطة الافتراق الأمريكيّة التركيّة كانت عام 2003 عندما لم تسمح تركيّا لطيران التحالف استخدام قاعدة إنجرليك لضرب نظام صدّام حُسين، وبعدها كَبُرت الخلافات ككرة الثلج إلى أن وصلت لأن يضع حلف الناتو صور مؤسّس تركيّا “كمال أتاتورك” وعبارات السخريّة من أردوغان كـ”درايا” في المناورات التي أجراها الحلف قبل أيّام مضت. ففي العُرفِ الأمريكيّ تركيّا خرجت عن “طاعة” وليّها الأمريكيّ ويجب معاقبتها وإخراجها من الحلف، وهو ما تشير إليه معظم الأوساط السياسيّة والعسكريّة الغربيّة.

“أوجلان” بيده مفاتيح حلّ الأزمة التركيّة

إنّ قطع الدعم عن قوّات سوريّا الديمقراطيّة، لن يُنقذَ تركيّا من أزمتها، أو يرمّم علاقاتها السيّئة مع جيرانها التي ساءت كثيراً بعد احتضانها المجاميع الإرهابيّة ودعمها وتوجيهها إلى سوريّا والعراق.

أعتقد أنّ تركيّا الآن تعيش أسوأ مراحلها منذ تأسيس الجمهوريّة التركيّة عام 1923، ولن ينقذها من أزمتها هذه سوى حلّ القضيّة الكرديّة وإطلاق سراح قائد الشعب الكرديّ “عبد الله أوجلان” الذي بيده مفاتيح الحلّ في تركيّا، ولكن يبدو أنّ أردوغان مستمرّ في غيّه وحماقته، عبر فرض العزلة المشدّدة عليه ومنع محاميه وعائلته من زيارته، وهو في هذا يزيد من حالة الاحتقان والانقسام في تركيّا، مما يزيد من احتمال الانفجار الاجتماعيّ والسياسيّ، المترافق مع انهيار اقتصاديّ في معظم القطّاعات، خاصّة بعد تدهور قيمة الليرة التركيّة التي تشهد هبوطاً يوميّاً أمام الدولار، وهو ما يسرّع من النقمة المجتمعيّة تجاه أردوغان الذي أمسك بكافة خيوط اللعبة السياسيّة في تركيّا، حتّى أنّه همّش دور حزبه وقيادته أيضاً.