الرئيسيةمقالاتالأسد وخلطة القوميات والأديان

الأسد وخلطة القوميات والأديان

محسن عوض الله

في أحد حواراتي الصحفية حول القضية السورية، التقيت بأحد شيوخ المعارضة السورية أثناء وجوده للقاهرة، كنا نتحدث عن التركيبة السكانية بسوريا.

وكان مما قاله ” أن العلويين ليسوا شيعة فاسمهم الحقيقي النصيرية يتبعون محمد بن نصير الذي انشق عن الشيعة وأسس دين جديد سماه “النصيرية” ليس له علاقة بالإسلام حيث يقوم على تأليه سيدنا علي بن أبي طالب، ولهم كتاب يسمي “المجموع” يتعبدون من خلاله، والمذاهب الإسلامية الأربعة لا يعتبرون “النصيرية” مسلمين لدرجة أن الأحناف يحرمون زواج المسلم من المرأة العلوية، كما أن العلويين ليسوا عرباً حيث جاءوا من إيران واستوطنوا جبال الساحل السوري التي كانت تسمي جبال النصيرية.

تذكرت هذا الكلام الذي وجدته فيما بعد بالكثير من المرجعيات العلمية العربية والإسلامية مثل كتب بن تيمية وأبي حامد الغزالي وأنا أقرأ تصريحات بشار الأسد الأخيرة حول العروبة والإسلام وذلك خلال استقباله المشاركين في إحدى الملتقيات في دمشق والذي يضم قوى وأحزاباً وشخصيات من عدة دول عربية.

كان الأسد يتحدث كنبي للإسلام ورسول للعروبة حيث أعتبر أن العروبة تشمل كل الأعراق والأديان والطوائف !!، وأن التراث العربي والثقافة العربية هي مجموع تراث وثقافات كل الأقوام التي عاشت في هذه المنطقة عبر التاريخ القديم والحديث!

وأشار الأسد إلى أن العروبة والقومية العربية هي حالة حضارية وثقافية وإنسانية جامعة ساهم فيها كل من وجد في هذه المنطقة دون استثناء “فهي لا تقوم على دين أو عرق محدد وإنما أساسها اللغة والجغرافيا الواحدة والتاريخ والمصالح المشتركة.”

تصريحات الأسد تحتوي تداخل غير مفهوم، ودمج غير مقبول علمياً بين حضارات الشرق الأوسط وقومياته، فما معني أن العروبة التي هي أحد الأعراق البشرية تشمل كل الأعراق والأديان والقوميات!!!!

فالعروبة عرق وقومية شأنها شان القوميات الأخرى كالكردية والتركية والفارسية ولا يمكن اعتبار كل من وجد على أرض تعتبر عربية بأنه عربي، ولا توصيف كل حضارة نشأت بالمنطقة بأنها عربية فهذا تزوير للتاريخ والجغرافيا معاً.

تصريحات الأسد مرتبطة بشكل كبير بالتغييرات العسكرية داخل الأرض السورية والتقدم الذي تحققه القوات الموالية له وهو الأمر الذي ما كان ليحدث لولا التدخل العسكري الروسي الإيراني في الأزمة السورية وهو ما يعرفه الأسد جيداً.

بعيداً عن الجدل التاريخي والحضاري، أستوقفني أن الأسد المنتمي للطائفة العلوية النصيرية التي كفرها العديد من شيوخ الإسلام بل ووصل الأمر لبعض الأئمة لتحريم الزواج منهم يتحدث عن الإسلام!، كما أن الأسد الذي قتل العرب والكرد والسريان والأشوريين يتحدث عن وحدة الحضارة العربية التي تشمل الجميع ويبدو أنه يقصد وحدة القتل!

الأسد الذي تحمي أرضه قوات إيرانية، وتحمي سماءه قوات روسية يتحدث عن العروبة والقومية!!

تكرار كلمة العروبة والقومية في خطاب الأسد أكثر من مرة محاولة ذكية من الأسد لإعادة تقديم نفسه كزعيم عربي قومي خاصة إذا كان الحديث أمام ملتقي لشباب من عدة دول عربية، يريد الأسد أن يستعيد ذكريات الدولة العربية السورية والجيش العربي السوري وغير ذلك من ذكريات ما قبل 2011 التي بالتأكيد لن تعود.

انتصارات جيش الأسد المرتبطة بالميليشيات والفصائل الإيرانية لن تعيد سوريا لما قبل 2011، والحديث عن اندماج كل المكونات والقوميات تحت القومية العربية واستدعاء سياسة التعريب الثقافية بعد الجغرافية أمر عفا عليه الزمن ولم يعد من المنطق القبول به فضلاً عن الترويج له.

ربما لا يدرك الأسد أن حديثه عن القومية الواحدة يتعارض مع المؤتمر الذي دعي له حلفاءه الروس تحت عنوان “شعوب سوريا” قبل أن يتم تعديل مسماه فيما بعد وسط أنباء عن تأجيل موعده بضغوط تركية.

ألا يعلم الأسد أن حديثه عن القومية والسيادة ربما يتعارض مع الوجود العسكري الإيراني والروسي في بلاده، ألا يعلم الأسد أن إيران بميليشياتها العسكرية الطائفية قد نفذت عمليات تغيير ديموغرافي شاملة بالعديد من المدن السورية بصورة أصبح فيها العرب السنة أقلية في الدولة العربية السورية التي يتحدث عنها بحسب تقارير حقوقية دولية !

ألا يدرك الأسد أن القومية العربية التي يتحدث عنها لم تجلب على المنطقة العربية سوي النكبات والهزائم فضلاً عن الظلم والاستبداد بداية من عبد الناصر مؤسسها ومرشدها الأول نهاية بكل أتباعه ومريديه سواء صدام أو القذافي وحتى الأسد الأب.

لم تجنى الشعوب من القومية العربية سوي الشعارات الرنانة الزائفة، والخطابات الحماسية الواهية في حين أن تلك الخطب والشعارات ترافقت مع واقع مزري وسلسلة هزائم وانكسارات بكل الدول التي رفعت فيها راية القومية الواحدة ربما مازلنا نعاني أثرها حتى اليوم.

يريد الأسد من حديثه عن القومية أن يستعيد نفسه كزعيم قومي وقائد شعبوي تحدي الإمبريالية العالمية والصهيونية والماسونية والمؤامرات الدولية وحروب الجيل الخامس التي سعت لتقسيم سوريا ولكنه استطاع كقائد أن ينقذ بلاده من كل هؤلاء في حديث لا يختلف كثيرا عما كان يردده القذافي وناصر وكل زعماء القومية الفانية بل وطل طغاة العالم وأشراره.

سوريا لن تعود دما كانت قبل 2011 وزمن الدولة المركزية ذات القبضة الحديدية والزعيم الملهم الأسطوري انتهي بلا رجعة، سوريا الجديدة اتحادية فيدرالية يتشارك الجميع في حكمها، لا تحكمها ثقافة ولا تتسلط عليها قومية، الكل يصنع الحضارة السورية الجديدة بعيدا عن الأنظمة الإقصائية المستبدة التي آن اوان غروب شمسها التي حرقت الأخضر واليابس وحولت السوريين للاجئين في بقاع الأرض.

ختاماً لا أجد رداً على حديث الأسد أوضح في التعبير سوي ما قاله الفيلسوف الكردي عبد الله اوجلان عن الدولة القومية في كتابه “أزمة المدنية وحل الحضارة الديمقراطية بالشرق الأوسط.

يقول أوجلان: الدولة القومية هي إله الحداثة الحقيقي التي سعي أصحاب القوة والمصالح المادية إلى تجسيدها عينيا في هيئة دولة، فالدولة القومية بمثابة قفص حديدي للمجتمعات …. ولا يمكن لآسري داخل قفص حد.. ولا يمكن لآسري داخل قفص حديدي ان يصنعوا حضارة أو يقيموا دولة.