الرئيسيةمقالاتعفرين ورسائل التحدّي والمقاومة

عفرين ورسائل التحدّي والمقاومة

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

تصدّرت عفرين في الآونة الأخيرة اهتمام معظم القوى السياسيّة الكرديّة منها والعربيّة، وكذلك المواطنين الكرد وباقي المكوّنات في شمال سوريّا، بعد تزايد التهديدات التركيّة عليها، وتصريحات المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم أردوغان، حول نيّتهم شنّ هجوم عليها.

عفرين ظلّت عصيّة على كافة القوى الغازية

ظلّت عفرين، ومنذ بداية ثورة روج آفا، عصيّة على كافة القوى والأطراف التي حاولت الدخول إليها. معارك قسطل جندو التي اندلعت في مثل هذه الأيام من عام 2012 بين أطراف كانت تسمّي نفسها بـ”الجيش الحرّ – عاصفة الشّمال” ووحدات حماية الشعب، رغم أنّه كانت في بداية تكوينها، وتلتها في الأعوام اللاحقة هجمات مبرمجة ومُخطّط لها في تركيّا، ولعلّ الهجوم الشامل في بداية صيف 2013 على مناطق شيراوا، والذي جاء عقب اجتماع عقده عضو الكونغرس الأمريكيّ “جون ماكين” لكافة الفصائل العسكريّة في إعزاز وبحضور ضبّاط من الاستخبارات التركيّة، واندحار ذلك الهجوم على أبواب عفرين، لقّن كافة الأطراف درساً أنّ دخول عفرين لن يتمّ بتلك السهولة التي يتصوّرها البعض في مخيّلته المريضة. ومرتزقة داعش الذين حاولوا مراراً التقدّم ولو بأمتار صوب تخوم عفرين، أيضاً فشلوا، وتلتها هجمات – مستمرّة إلى الآن – من مرتزقة جبهة النصرة وأعوانها، وأهمّ تلك المعارك كانت معركة الشوارغة في عام 2014 والتي اقتلعت جبهة النصرة من محيط عفرين نهائيّاً.

التهديدات التركيّة ليست جديدة وغريبة عن أهل عفرين والكرد عموماً

السعي التركيّ في ضرب الاستقرار في عفرين لم يتوقّف ولو للحظة واحدة، فالهجمات التي قادتها في شباط 2016 على مقاطعتي الشهباء وعفرين وحي الشيخ مقصود، أيضاً فشلت في النيل من إرادة الكرد وحلفائهم في الدفاع عن أراضيهم، فتحرير مناطق دير جمال وتل رفعت وقسم كبير من مناطق الشهباء، قطع الطريق على المرتزقة في الوصول إلى حلب، فصبّوا جام غضبهم على حي الشيخ مقصود المُحاصَر من قبلهم ومن قبل النظام، فاجتمع أكثر من 26 فصيلاً مرتزقاً مدعومين من تركيّا للهجوم على الشيخ مقصود. ورغم ضراوة المعارك والتي استمرّت أكثر من خمسة أشهر، واستخدامهم كافة الأسلحة الثقيلة بما فيها الكيماويّة، إلا أنّها لم تتمكّن من السيطرة ولو على شارع من الحي، فاندحرت ذليلة وانتصرت المقاومة في الحي.

هذه السرديّة القصيرة تفيد بأنّ تركيّا التي ترفع سقف تهديداتها الآن بالدخول إلى عفرين، ليست جديدة وغريبة عن أهل عفرين والكرد عموماً، والسياقات العسكريّة والسياسيّة التي سيّرت فيها الهجمات السابقة لا تختلف كثيراً عمّا تروّج له في الآونة الأخيرة، بل على العكس الانتصارات السياسيّة والعسكرية التي حقّقها الكرد ومكوّنات شمال سوريّا في فترة ما بعد تحرير كوباني من مرتزقة داعش، فرضت وقائع ومعادلات سياسيّة وعسكريّة – وهي ما تثير حُنق تركيّا وجنونها – بات معها الكرد الرقم الصعب في معادلة التوازن والحلّ السياسيّ والعسكريّ في سوريّا والمنطقة. تحرير قوّات سوريّا الديمقراطيّة أكثر من ربع الجغرافيّة السّوريّة من الإرهاب، وإدارتها لأهمّ موارد الطّاقة في سوريّا، يؤهّلها لأن تكون في صلب أيّ ترتيبات مستقبليّة في سوريّا بشأن الحلّ ونقيضه.

تركيّا تبحث عن متنفّس لأزمتها في محيطها

تركيّا التي تترنّح يميناً وشمالاً في محاولة تثبيت قدمها في السّاحة السّوريّة، بعد فشل كافة رهاناتها على المرتزقة الذين احتضنتهم وموّلتهم، إن كان في درع الفرات أو تحالفها مؤخّراً مع مرتزقة جبهة النصرة، لم تصل إلى مبتغاها، رغم مجازفتها وإقدامها على تقديم التنازل تلو الآخر لكافة القوى وخاصّة روسيّا وإيران، متجاهلة خلافاتها الإيديولوجيّة والسياسيّة العميقة معهما.

تركيّا المُثقلة بالأزمات، تبحث عن متنفّس لها في محيطها، لتُلقي فيها كلّ قذاراتها ومشاكلها التي تعصف بها، فالانقلاب المزعوم الذي خطّط له أردوغان وأعوانه، وحملة الاعتقالات المستعِرة التي شنّها ضدّ المجتمع التركيّ والكرديّ على السواء، واستئثاره بكافة مقاليد السلطة، وتحالفه مع حزب الحركة القوميّة اليمينيّ المتطرّف، ومن ثمّ شنّه حملة تصفية ضدّ كلّ معارضيه وخصومه ووسائل الإعلام التي انتقدته وفضحت علاقاته مع مرتزقة داعش والتنظيمات الإرهابيّة، إلى جانب فشله الذريع في النيل من المقاومة المتصاعدة يوميّاً في شمال كردستان، لم تفلح في تغيير المعادلة لصالحه، بل عمّقت الشرخ المجتمعيّ والهوّة الكبيرة التي تفصل بينه وبين الشعب.

الديكتاتوريّات تختلف في الأسماء والوجوه، لكنّها تتشابه في الأفعال والمغامرات الطائشة

أردوغان وضمن هذه البيئة السياسيّة المعارضة له في الداخل، يخدع الشعب التركيّ وكافة شعوب المنطقة مرّة أخرى، من خلال خطاب عدائيّ ضدّ الكرد ومشروعهم الديمقراطيّ في سوريّا، ويعتبره خطراً “يهدّد الأمن القوميّ التركيّ” المزعوم، ولكنّه لا يدرك تماماً حجم المخاطر من مغبّة إقدامه على أيّة مغامرة في الهجوم على عفرين. فتعبئته الشعب التركيّ عبر التلويح بالخطر القادم من الجنوب، لن يقلّل من المخاوف في الداخل من انفجار الأوضاع ووصولها إلى مرحلة لا يمكن بعدها التحكّم بها، ولكن يبدو أنّ الديكتاتوريّات في العالم تختلف في الأسماء والوجوه، ولكنّها تتّفق وتتشابه في الأفعال والمغامرات الطائشة، ألم يفعلها هتلر عندما غزا بولندا والنمسا ومن ثمّ الاتّحاد السوفياتيّ وأشعل الحرب العالميّة الثانية، وكان سبباً في دمار الأمّة الألمانية وتقسيمها، ويبدو أنّ أردوغان أيضاً يقود تركيّا إلى ذات المصير بقراراته الفرديّة والجنونيّة.

فرط عقد “الحلف السنيّ” وبداية اصطفافات جديدة

لقد فرط عقد ما كان يُدعى “بالحلف السنّيّ” الذي كان يقوده أردوغان مع السعوديّة وقطر، واندحرت كافة أدواته في سوريّا، بدءاً من مرتزقة داعش وليس انتهاء بجبهة النصرة، فهو الآن يسعى إلى إنشاء تحالفات واصطفافات جديدة تتوافق مع تطلّعاته في المنطقة وخاصّة في سوريّا وضدّ الكرد، فالقمّة المرتقبة في سوتشي في 22 من الشهر الجاري بين بوتين، روحاني وأردوغان، ما هي إلا محاولة لتشكيل حلف مضاد لأمريكا، ليعمل بالضدّ من مصالح الشعوب في المنطقة، خاصّة بعد أن دخلت أمريكا – وبكلّ قوّة – في سوريّا، واتّضحت إستراتيجيّتها الرامية إلى الحدّ النفوذ الإيرانيّ في سوريّا، ويبدو أنّ بوتين هو الآخر يسعى إلى استثمار الدور التركيّ في تصفية الفصائل التي لم تركع لروسيّا والنظام وإيران في سوريّا، وتدجين ما تبقّى منها لتنخرط في النهاية مع قوّات النظام.

تركيّا أصبحت كمّن يختبئ وراء إصبعه، وإن نفّذت تهديداتها بشنّ عدوان سافر على عفرين، إنّما سيأتي في سياق نيلها لموافقة “ضمنيّة” من روسيّا وإيران والنظام إلى حدّ ما، ولكن أيّ هجوم طائش من هذا القبيل سيعيد الأزمة السّوريّة إلى المربّع العنفيّ الأوّل، وسيُشعل من جديد المنطقة برمّتها، وهو ما لن تنساق معه روسيّا، التي تسعى إلى “فرض التهدئة” في كافة المناطق، فهي تعمل باتّجاه تقوية نفوذ النظام، مع الأخذ بعين الاعتبار التوافقات التي حصلت بين بوتين وترامب في قمّة هانوي الاقتصاديّة. فإن كانت روسيّا ستمنح تركيّا الضوء الأخضر في شنّ عدوان تركيّ على عفرين، فإنّها من طرف آخر تلجم محاولاتها في التمدّد إلى الساحل السّوريّ للوصول إلى البحر، حيث باتت قاعدة حميميم الروسيّة غير بعيدة عن مرمى صواريخ جبهة النصرة التي تحالفت معها تركيّا، فلا يمكن لروسيّا الجمع بين تحالفين نقيضين؛ في أن تتحالف مع تركيّا وبالتالي مع جبهة النصرة لتطلق يد الأولى لتسرح وتمرح في سوريّا كيفما يحلو لها، أو أن تقوّض الدور التركيّ عبر توافق مع أمريكا على حلّ كافة الإشكالات وتقاسم مناطق النفوذ بينهما في سوريّا.

الدور الأمريكيّ – السعوديّ في ضرب الأداة التركيّة في سوريّا؛ “درع الفرات”

يبدو أنّ أمريكا حتّى الآن تلتزم “الصمت” حيال التهديدات التركيّة، ولكن من اللافت أنّ مرتزقة “درع الفرات” في طريقها إلى الاضمحلال والزوال، فهروب عناصره – وبالمئات – وتسليمهم أنفسهم لقوّات سوريّا الديمقراطيّة، يشير إلى دور أمريكيّ – سعوديّ لضرب الأداة والذراع الرئيسة التي تلعب بها تركيّا في السّاحة السّوريّة، وهي لها أهميّة كبرى في المرحلة الراهنة، كونها تفنّد المزاعم التركيّة حول ما كانت تروّج له سابقاً بإنشاء “مناطق آمنة” واحتلال مناطق سوريّة تحت ذريعة دعم “الجيش الحرّ”، فهي قد أُسقطت تماماً من يدها.

كما أنّ الاجتماع المزمع عقده أواخر هذا الشهر في السّعوديّة، ليضمّ كافة أطراف ما تسمّى بـ”المعارضة السّوريّة، والتي أبرز أقطابها الإئتلاف السّوريّ”، يسحب ورقة المعارضة السّوريّة من يد تركيّا، لتنضمّ إلى الحلف الأمريكيّ، وهو أيضاً ما يثير جنون تركيّا وأردوغان.

أهالي عفرين لن يستقبلوا تركيّا بالأهازيج مثل غيرهم

هذه الحسابات السياسيّة الدقيقة، لا يمكن لأردوغان أن يتجاهلها ويقفز فوقها، فمخطّطاته لخلط الأوراق من جديد وإقحام نفسه وبلاده في أتّون معركة خاسرة سلفاً، ستجد مفاعيلها على الأرض في خلق توازنات جديدة، تطيح بكلّ التوافقات والتفاهمات التي وضعها هو وحلفاؤه في سوتشي أو في طهران أو في اجتماع أنطاليا بين وزراء خارجيّة الدول الثلاث، روسيّا، إيران وتركيّا.

حجم المقاومة المستميتة التي ستبديها وحدات حماية الشعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ)، والتي تمرّست في المقاومة والقتال من خلال تجربتها المظفّرة طيلة أكثر من ستّ سنوات من الهجمات المستمرّة على روج آفا وشمال سوريّا، ستقلب حسابات أردوغان وتركيّا رأساً على عقب، ولن يستقبل أهالي عفرين قوّات أردوغان الغازية بالأهازيج الورود والرياحين مثلما استقبلتهم دارة عزّة وبعض المدن، فكلّ حجرة وشجرة زيتون ستنفجر في وجهه، وستغدو عفرين مقبرة الأناضول الحديثة، التي سيُدفن فيها أردوغان وأحلامه.