الرئيسيةمقالاتنكسة باشور وارتداداتها على روج آفا وشمال سوريّا

نكسة باشور وارتداداتها على روج آفا وشمال سوريّا

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

كثير من “الجاهلين والسذّج” يضعون سيناريوهات لروج آفا وشمال سوريّا، ويحلّقون بعيداً في خيالهم المريض لحدّ توقّع حصول “نكسة” شبيهة بالتي حصلت في باشور (جنوب) كردستان، دون الأخذ بمقوّمات ومرتكزات ثورة روج آفا، مُرجعين الأسباب والدوافع إلى توافقات بين الدول الغاصبة لكردستان، والرفض الدوليّ لإنشاء أيّ كيان كرديّ مستقلّ، وفي أيّ جزء من كردستان التاريخيّة.

انقسام للآراء حول تفسير “نكسة” باشور

لاشكّ أنّ البعض يبني مواقفه على “السقطات” الكرديّة، وما أكثرها، في حين أنّ آخرين، ومن منطلق شوفينيّ، يؤكّدون حتميّة سقوط كافة المشاريع الكرديّة الطامحة لنيل الكرد حقوقهم المشروعة، في ربط مباشر بينها – أي الحقوق – والدولة الكرديّة، إلى أن جعلوها “بعبعاً” يقضّ مضاجعهم، حتّى وصفوها بـ”إسرائيل الثانية”، ليصنعوا منها ذريعة ومطيّة للتهرّب من أيّ استحقاق لحلّ القضيّة الكرديّة، والقفز فوق كلّ الاعتبارات والقيم التي هم وضعوها، وليتهرّبوا منها الآن. فيما يساور بعض “الغيورين” الشكوك والمخاوف على فقدان مكتسبات كلا الجزأين، حيث ازدادت مخاوفهم بعد الضربة التي وجّهت للجنوب، معتبرين أنّ “خذلان” المجتمع الدوليّ للجنوب سينسحب “عاجلاً أم آجلاً” على روج آفا أيضاً؛ مادامت القضيّة بمجملها متعلّقة بالكرد وحقوقهم.

إنّ أيّ مقارنة بين تطوّر الأوضاع في باشور كردستان، وروج آفا وشمال سوريّا، يجب أن تتّسم بالموضوعيّة وفهم جيّد ومعمّق للبنية الاجتماعيّة والتركيبة السياسيّة، وكذلك الخطّ البيانيّ لمساراتهما وفي كلّ جزئيّة، ومن ثمّ الوصول إلى استنتاج المآلات التي يمكن أن تفرزها الأوضاع في كلا الجزأين، مع الأخذ بعين الاعتبار المؤثّرات الإقليميّة والدوليّة عليهما.

الإقليم ثمرة “توافقات” دوليّة

لقد كان القرار 688 الصادر عن مجلس الأمن الدوليّ التابع، بتاريخ 5/4/1991، إيذان بدخول القضيّة الكرديّة – ولأوّل مرّة – المحافل الدوليّة، وعليه تشكّلت إدارة كرديّة في باشور، كثمرة توافق بين الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ والاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ، وأنشئت سلطة تقاسمها الحزبان فيما بينهما، أي أنّ العوامل الخارجيّة أدّت إلى نشوء الإقليم – رغم مباركة الكلّ لها – فيما الأوضاع الداخليّة والذاتيّة لم تكن مؤهّلة لإدارة الإقليم بالشكل الذي كان يتمنّاه الكرد.

سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، والضغط الدوليّ على العراق بضرورة التوجّه نحو الفيدراليّة، أنتج دستوراً جديداً في العراق عام 2005، وأقرّ بالفيدراليّة كنظام سياسيّ جديد ومُنِحَ الإقليم سلطات واسعة، إلا أنّه – أي الدستور – تُرِكَ فيه لغماً موقوتاً يمكن له أن ينفجر في أيّة لحظة، وهو ما سمّي حينها بالمادّة/140/ والمناطق المتنازع عليها.

بعد سقوط الموصل وسيطرة تنظيم داعش الإرهابيّ على ثلث الجغرافيا العراقيّة وتهديد عاصمتي العراق والإقليم، باتت القيادتان أمام تحدّيات جدّيّة، فانبرى الكرد لتحرير مناطقهم حتّى استرجعوا مناطقهم المتنازع عليها مثل (كركوك، خانقين، شنكال، زمار، سهل نينوى…إلخ) وألحقوها بإقليم كردستان، دون اتّفاق بينها وبين الحكومة المركزيّة، واعتبروها جزءاً من أراضي كردستان، وهي تاريخيّاً هكذا، ورَفعُ العلم الكرديّ وسط كركوك حينها أثار موجة من الرفض والاحتجاج من قبل دول الجوار أكثر من الحكومة العراقيّة نفسها، وبالأخصّ تركيّا.

دول الجوار وخاصّة تركيّا حرّكت العراق ضدّ الإقليم

إنّ اشتداد عضد الدولة العراقيّة التي يغلب عليها الطابع المذهبيّ الشيعيّ، بعد دحر تنظيم داعش، ورضوخها للإملاءات الإيرانيّة والضغوط التركيّة، وتزامن ذلك مع قضيّة الاستفتاء على استقلال كردستان، المُعلن من قبل رئيس إقليم كردستان، دفع حكومة العراق لتوجيه الإنذار وتهديد الإقليم والضغط عليه لإلغاء الاستفتاء ونتائجه، مستغلّاً الأزمة السياسيّة والاقتصاديّة التي يمرّ بها الإقليم، في ظلّ غياب إجماع وطني كرديّ على الاستفتاء، واستمالة بعض الأطراف الكرديّة لتنفيذ أجندات دول إقليميّة، مثل إيران وتركيّا، ومن ثمّ الزحف نحو المدن الكرديّة، لتسقط الواحدة تلو الأخرى كأحجار الدومينو، وليسقط معها مشروع الدولة الكرديّة.

أفول عصر الدول القوميّة

إنّ الذهنيّة التي تتحرّك وفقها القوى السياسيّة في باشور كردستان، هي التي سقطت قبل أن يسقط مشروع الدولة الكرديّة، وهي دائماً كانت السبب الرئيس وراء النكسات والسقطات الكرديّة في العصر الحديث، فالإيديولوجيّة القوميّة قد عفا عليها الزمن، والحروب التي تشهدها المنطقة، ما هي إلا إحدى نتائج فشل مشاريع الدول القوميّة، وبكافة مسمّياتها، في تحقيق الكرامة لمواطنيها، وإنشاء دولة “المواطنة” التي ينشدها الجميع، هذا لا يعني أنّ حقوق الكرد “كأثنية” لها خصائصها القوميّة والثقافيّة قد سقطت وغابت عن برامج وأهداف الحركات الكرديّة، إنّما ثَبُتَ أنّ حقوق الكرد لا تمرّ – وبالضرورة – عبر الدولة الكرديّة، بل يمكن نيلها عبر نضال ديمقراطيّ مشترك مع كافة الشعوب والمكوّنات في المنطقة.

ثورة روج آفا وشمال سوريّا …قراءة صحيحة للأوضاع وخطاب سياسيّ مغاير

ثورة روج آفا ومنذ بداية انطلاقتها في تموز 2012 اعتمدت خطّاً وخطاباً مغايراً لباشور كردستان، عبر اعتمادها النهج الديمقراطيّ الجامع لكلّ مكونات وشعوب روج آفا وشمال سوريّا، وتبنّيها لمشروع فيدراليّ ديمقراطيّ طموح وواقعيّ، مختلِف في التوجّه والأهداف عمّا هو في العراق وإقليم كردستان. والمقاربات التي أبدتها القيادة السياسيّة والإداريّة في روج آفا ولاحقاً في شمال سوريّا، استقطبت كافة المكوّنات السّوريّة التي تتشارك معها في رسم السياسات والإستراتيجيّات المستقبليّة لمناطقهم، فامتزجت دماء العرب والكرد والسريان والتركمان في غمرة تحرير مناطقهم من ربقة تنظيم داعش الإرهابيّ، وهو ما عزّز مصداقيّة المشروع أكثر، والذي أطلقه الكرد وأكّدوا فيه على وحدة الجغرافيا السّوريّة، بخلاف تجربة باشور التي سعت إلى وضع الحدود والحواجز بينها وبين العراق العربيّ.

الأمّة الديمقراطيّة…ووحدة القرار السياسيّ والعسكريّ

كما أنّ الإيديولوجيّة والذهنيّة التي استندت إليها ثورة روج آفا وشمال سوريّا، تأخذ من مبدأ الأمّة الديمقراطيّة أساساً لها، وهي بعيدة عن مفهوم الدولة القوميّة الضيّق الذي لم يأتِ لشعوب المنطقة إلا بالويلات والكوارث.

وهي ذهنيّة منفتحة على الغير المختلِف معها فكريّاً وسياسيّاً، وتقبل بالتنوّع واختلاف الرأي، على عكس ما ظهر من تجربة سلبيّة في باشور، في رفض وإقصاء حتّى الكيانات السياسيّة الكرديّة المختلِفة مع الإدارة السياسيّة في الإقليم، ممّا عمّق من الأزمة وأوصلها إلى مرحلة بات معها من الصعب ردم الهوّة التي تفصل بين الفرقاء السياسيين، فيما روج آفا وشمال سوريّا وسّعت من نطاق تجربتها لتمتدّ إلى العمق العربيّ الذي غدا في ظلّ تجربة الإدارة الذاتيّة والفيدراليّة سوريّة الهُويّة والانتماء.

الضمانة الرئيسة في عدم تكرار تجربة باشور كردستان في روج آفا وشمال سوريّا، وحدة القرار السياسيّ، فكافة الكيانات والقوى السياسيّة مُشارِكة في اتّخاذ القرارات السياسيّة، ضمن هياكل وصيغ وحدويّة فاعلة، وتُدار العمليّة السياسيّة فيها بروح من المسؤوليّة العالية، دون تلكّؤ أو استفراد به من قبل طرف وعلى حساب طرف آخر، فليس هناك من هو مغبون في تمثيله في كافة المجالس والإدارات، بغضّ النظر عن إيديولوجيّته وانتمائه القوميّ والطائفيّ والمذهبيّ، وانتخابات الفيدراليّة، ومن خلال قوانينها التي أصدرتها أنصفت الجميع، وابتعدت عن مفهوم “الأقليّة والأكثريّة”، وحقّقت تمثيلاً وازناً وعادلاً لكافة المكوّنات السياسيّة والقوميّة في مجالسها التمثيليّة، فيما غابت هذه العمليّة عن تجربة باشور كردستان.

المرجعيّة العسكريّة… الضامنة لعدم تكرار سيناريو باشور في روج آفا وشمال سوريّا

المرجعيّة العسكريّة، ووحدة القرار العسكريّ، هو الآخر المحرّك والضامن الأكثر قوّة في تجربة روج آفا وشمال سوريّا، فانضواء كافة الفصائل والقوى العسكريّة تحت مظلّة قوّات سوريّا الديمقراطيّة، واعتمادها إستراتيجيّة عسكريّة واضحة، منحها عدم التردّد في اتّخاذ القرارات المصيريّة في الحرب والسلم، وغدت القوّة الأكثر فاعليّة في محاربة تنظيم داعش الإرهابيّ، والتي يُراهن عليها الكلّ في عودة الأمن والاستقرار إلى سوريّا قاطبة، ولتكسب معها شركاء عالميين في حربها ضدّ الإرهاب.

لم يتسوّل الكرد وشركاؤهم على أبواب أحد

يحاول البعض، ومن منطلق الاصطياد بالمياه العكرة، ربط تجربة روج آفا وشمال سوريّا بالدعم الذي تتلقّاه من التحالف الدوليّ لمحاربة داعش، والذي تقوده أمريكا، وتدّعي أنّ انسحاب أمريكا من سوريّا، سيُعيد تكرار سيناريو سقوط كركوك. إنّ هكذا تفكير ضحل ينمّ عن قصور في إدراك ماهيّة تجربة روج آفا وشمال سوريّا، فقبل أن تتلقّى الدعم من أيّ طرف دوليّ، أعلنت عن الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في الكانتونات الثلاث، كما أنّها خاضت مقاومة كوباني، دون أن تنتظر أيّ دعمٍ من أحد، وهي راهنت – ومنذ البداية – على بسالة أبنائها ودعم شعبها لها، وشرعت إلى تنظيم صفوفه، وتشكيل الجبهة الداخليّة التي تغذّي الجبهة الدفاعيّة، ولم تتسوّل على أبواب أحد، وهذا مكمن قوّة المشروع الذي يقوده الكرد وشركاءهم، والتي ترتعد لها فرائص الجميع، ويناصبونها العداء، ويحسبون لها ألف حساب.

فالمشروع لم ينطلق بناء على توافقات دوليّة وإقليميّة حتّى يسقط بزوالها، فالإصرار الذي تبديه القيادة في روج آفا وشمال سوريّا على المضيّ قدماً في ترسيخ أسس مشروعها على الأرض، أثبت أنّه غير قابل للاهتزاز بفعل العواصف والتقلّبات التي تشهدها المنطقة، بل قراءتها الصحيحة للتطوّرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، جعلها في صُلب المعادلات السياسيّة والعسكريّة في المنطقة، ولم تعتمد في نسج تحالفاتها على محور معيّن بذاته، بل ظلّت تناور وتفتح قنواتها الدبلوماسيّة والعسكريّة مع كافة الأطراف الفاعلة في المنطقة، فبجانب شراكتها مع التحالف الدوليّ، لم تقطع تعاونها مع روسيّا، فقط الدولة التركيّة، ومن مبدأ رفضها لحقوق الكرد في أيّ جزء، تتوهّم أنّه – أي المشروع الفيدراليّ – خطر عليها، وهي كانت السبب الرئيسيّ وراء نكسة باشور كردستان، وستظلّ ضدّ حقوق الكرد في أيّ جزء، وهي التي تحرّك الدمى المعارضة للمشروع الفيدراليّ، ولكن أنّى لها أن تتكلّل جهودها بالنجاح، فيما نحن على بعد خطوتين من انتخابات المجالس المحلّيّة، والتي تعني أنّ كلّ الأبواب باتت مفتوحة أمام الدخول إلى الفيدراليّة، من أوسع أبوابها.