الرئيسيةمقالاتالاستراتيجية التركية المتعثرة في سورية

الاستراتيجية التركية المتعثرة في سورية

لم يعد خافياً أن الانقلابات التركية في مختلف القضايا المحلية والإقليمية باتت مرتكزة على منحى واحد وهو استهداف الكرد سواء أكان في تركية نفسها، أم في العراق – إقليم كردستان -سوريا- وإيران وإن تحركاتها الدبلوماسية ومواقفها وتحالفاتها واتفاقياتها أصبحت مرهونة بالطرف الذي يقبل بمواجهة الكرد.

تونجا بنغن كتب في صحيفة ملليت مقالاً باللغة التركية نقلته للعربية صحيفة ترك برس التركية، والموالية لحزب العدالة والتنمية كشف فيه أن “موقف تركيا في سوريا” بات واضحاً تماماً، وأصبحت سياستها متركزة على عرقلة أي دور للكرد في مستقبل سورية “تركية لا تريد على حدودها كيان لوحدات حماية الشعب” وأنها “تدعم وحدة ترابها، وترفض تقسيمها”.

وأشار أيضا أن تركية لم تعد تكترث بمصير ودور معارضتها العسكرية التي ظلت طيلة السنوات الست الأخيرة وسيلتها في منحى إسقاط النظام السوري قبل أن تتخلى عنهم، وظلت توفر لهم الغطاء الدبلوماسي والسياسي في مسعى منها لمحاربة جيش نظام بشار الاسد.

تونجا أكد أن الرئيس التركي أردوغان مستعد للقاء بشار الاسد، والتصالح معه ضمن ذلك التوجه.

التنازلات التركية في هذا المنحى كانت كبيرة، ولا سيما بعد دخولها كطرف ضامن للمعارضة السورية المسلحة والضغط الذي مارسته عليها، من خلال فرض انسحابها بدون قتال من حلب مع تسليم سلاحها، ضمن ما سمي باتفاقيات -الباصات الخضراء- وهي كانت اتفاقيات تهجير وتطهير طائفية تمت برعاية تركية وإيران وروسيا، وامتد لانسحاب المعارضة من العشرات من البلدات والمدن باتجاه مخيمات جرابلس ليتم تجنيدهم ضمن ما سمي بميليشيات درع الفرات استخدمتهم تركية كحراس حدودها وكانوا يداً لها في التوغل في جرابلس واحتلال مدينة الباب بعد الاتفاق مع داعش على استلام إدارتها مقابل عفو عن عناصره، وعوائلهم وضمانات وظيفية ومالية.

الاتفاق الاخير بين وحدات حماية الشعب وروسيا حول حوض الفرات، ساهم في خلط الأوراق مجدداً، تركية ابتعدت عن أمريكا وأصبحت تغازل روسيا، وتقدم لها التنازلات تلو الأخرى، وهي تتأمل بالمقابل ضوء أخضر منها للهجوم على عفرين.

الجنرال المتقاعد إسماعيل حقي بيكين رئيس دائرة الاستخبارات السابق في الأركان التركية، أكد في ذات الصحيفة -ملليت – أن الخطوة شكلت صدمة أخرى لتركية، وهزيمة دبلوماسية وأمنية وعسكرية، فروسيا كانت واضحة من خلال ترتيب هذه الزيارة “تقول روسيا لتركيا بكل صراحة من خلال هذه الصورة إنها تتعاون مع وحدات حماية الشعب، وإن كل الطلبات التركية مرفوضة، وهي توجه رسالة مشابهة لإيران، التي تتفق مع تركية في استهداف الكرد”.

ويضيف بيكين: “أما رسالتها للأكراد فتقول إنها معهم وتطمئنهم، وروسيا قدمت للمرة الأولى دعمها لوحدات حماية الشعب في شرق الفرات، وفي المقابل صرحت الوحدات إن بإمكان روسيا الدخول إلى شرق الفرات بسهولة لأن داعش لم يعد له وجود هناك، أي أن الجانبين يعملان على تطوير العلاقات بينهما”.

حسن بصري يالتشين تحدث من خلال مقال في صحيفة تقويم التركية عن الانقلابات التركية الكثيرة، وضرر ذلك على السياسية الخارجية وتبعاتها الداخلية، خاصة وأن ابتعاد تركية عن الولايات المتحدة يعني خسارة كبرى لن تعوض بروسيا، وأي حليف جديد لن يساهم في إعادة الدور الذي خسرته في المنطقة، خاصة وأن التقارب التركي-الروسي مبني على تعاون تحت مسمى الشراكة الجديدة، وتوصف هذه العلاقة بأشياء عديدة لا تحتويها على أرض الواقع، في حين أن مثل هذه العلاقة ليست تحالفاً كاملاً وشاملاً بل عبارة عن مجرد اتفاق قائم على بعض الأمور الموضوعية وعلى المدى القصير، معتبراً أن الطرفين/ الروسي والتركي لا يثقان ببعض، وأن محاولات تركية تعويض خساراتها من خلال إعادة بناء شركات ماهي إلا محاولة في الانسجام مع النظام الجديد، بالاعتماد على إيران وروسيا، بعد خسارة أوربا وأمريكا. وأن السياسة التركية المستجدة باتت متذبذبة أفقدتها الدور المنوط بها، بصري كشف أن تركية في سورية باتت الآن مستعدة وجاهزة لإجراء تصالح وحوار مع أي طرف كان يقبل أن يكون ضد الأكراد ويقبل أن يتخذ معها الخطوات اللازمة من أجل تصفية حزب الاتحاد الديمقراطي في المنطقة، حتى ولو كان بشار الاسد.

جواد غوك، وهو مستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ويكاد يكون وجه حكومة العدالة والتنمية في الإعلامي العربي لم يختلف مع ما ذكر حيث اعترف ضمن مقابلة في أحد برامج تلفزيون فرانس 24 أنه جرت مبادلة مدينة حلب بمدينة جرابلس، حيث فرضت تركية على ميليشيات المعارضة السورية التي تدعمها الانسحاب من حلب وتسليمها إلى النظام السوري وإيران، مقابل أن تتوغل وتحتل مدينتي الباب وجرابلس ضمن اتفاق ثانٍ مع داعش فيهما وذلك لمواجهة الكرد وعرقلة تقدمهم باتجاه مدينة عفرين.. غوك أشار أن تركية لا تستهدف أو ترغب في خوض أي قتال مع جبهة النصرة في إدلب، كما لم تحارب يوماً داعش، وإنما هدفها من العملية العسكرية المزعومة هو أن تقنع جبهة النصرة بالانسحاب أو الاندماج ضمن أحد ميليشياتها، لتجنيب أي هجوم روسي، ولاحقاً ستقوم تركية بتسليم إدلب إلى روسيا وإيران كما جرى في حلب مقابل أن تحصل على إذن باحتلال عفرين، والتي يقطنها حوالي مليون مدني نصفهم من النازحين الفارين من المدن السورية.

غوك اعتراف أيضا ان تركية تنازلت تماماً عن أي مسعى منها لإسقاط نظام بشار الأسد، بل وأن أردوغان مستعد لحمايته إرضاء لروسيا، التي يتوقع منها ضواء أخضر لشن حملة عسكرية ضد الكرد، وعدم طلب ضمهم لأي مفاوضات تتعلق بمصير ومستقبل سورية، ولا سيما التي تجري في جنيف، وأن تركية باتت الآن الأقرب إلى روسيا وإيران، وأكثر بعداً عن حلف الشمال الأطلسي.

غوك اعترف أيضا ان السياسية الخارجية التركية في أزمة حقيقية، فهي باتت غريبة ووحيدة، بينها وبين الاتحاد الأوربي مشكلات، بينها وبين امريكا، والحلف الاطلسي وسوريا والعراق، فلم يتبق احد غير غيران، وروسيا، وان السياسة الخارجية التركية الآن في عهدة إيران وروسيا، بعد الفشل والتخبط الذي لم يتوقف منذ عهد داود أوغلو.

 

المكتب الاستشاري
تحرير مصطفى عبدي