الرئيسيةمقالاتشمال سوريّا ومُخرَجات حلّ الأزمة

شمال سوريّا ومُخرَجات حلّ الأزمة

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

يبدو أنّ مؤتمرات جنيف ستنعقد بشكل دائم وفق متوالية هندسيّة لا نهائيّة، ضمن أجواء كرنفالية حافلة بالتصريحات الرنّانة والطنّانة من الطرفين (النظام والمعارضة)، دون أن ينتج أيّ حلّ – ولو بحدوده الدنيا – يتوافق مع رغبات السّوريين، لوقف آلة القتل والتدمير، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم.

إرادة الحلّ لم تولد بعد لدى الطرفين

ليس خافياً على أحد أنّ حلّ الأزمة السّوريّة بات معقّداً ومرهوناً بجملة من – التوافقات – التي إن لم تحصل؛ فإنّها – على الأقلّ – ستعرقل أيّ حلّ يتوصّل إليه السّوريون، حيث أنّ الحلّ غدا إقليميّاً ودوليّاً بقدر ما هو وطنيّ ومحليّ، نظراً لتدخّل العديد من الدول الإقليميّة والخارجيّة في الأزمة، وارتباط مصالحها بها.

إنّ نظرة على مجمل المؤتمرات والاجتماعات الإقليميّة والدوليّة التي عقدت لحلّ الأزمة السّوريّة إلى الآن، يتبيّن وبكلّ جلاء، أنّ إرادة الحلّ لم تولد لدى كافة الأطراف المتفاوضة والراعية على حدّ سواء، فالكلّ يدفع باتّجاه الاستفادة ممّا تبقّى من الوقت في تعزيز مواقفه ومواقعه على السّاحة السّوريّة، بما يؤمّن ديمومة مصالحه مستقبلاً، وليكون ورقة قويّة في التفاوض بين القوى الكبرى، وكذلك ورقة ضغط على الوطن السّوريّ الذي سيكون ضعيفاً جدّاً في حال انتشاله من الأزمة الراهنة التي تعصف به، حيث حينها لن يكون بمقدوره مقاومة الضغوط الدوليّة والإقليميّة عليه، فيرضخ مرّة أخرى لسياسة المحاور والإملاءات، لتسلب منه استقلاليّة قراره، وخاصّة السياسيّ والعسكريّ والاقتصاديّ.

إعادة إنتاج “الدولة المركزيّة الواحدة”

النظام من جانبه يتعامل مع المفاوضات بمنطق “المنتصر” و”المهزوم”، فهو يعتبر نفسه قد انتصر في معركة وجوده وتجديد كيانه المترهّل الذي آيلَ للسقوط لولا التدخّل الرّوسيّ – الإيرانيّ، أي أنّ ذهنيّته بعيدة كلّ البعد عن إنتاج الحلول وولادة سوريّا جديدة، ويتعاطى مع الأزمة وفق منظور “المؤامرة” التي يجب القضاء عليها واستئصالها. فهو إلى الآن لا يعترف بكلّ الدمار الحاصل في سوريّا، ويعتبر الطرف الآخر – المعارضة – وحده المسؤول عن كلّ ما جرى في البلاد، ولا يطرح أيّ مشاريع حلول ديمقراطيّة، تعيد ترميم النسيج الوطنيّ السّوريّ الذي مزّقته الحرب الأهليّة والصراعات الطائفيّة والمذهبيّة طيلة السنوات السبع من عمر الأزمة السّوريّة، بل يعيد إلى الأذهان مفهوم ” الدولة المركزيّة” التي يقودها “حزب واحد”، ولا يعترف بالتنوّع الإثنيّ والثقافيّ في سوريّا، بل يلغي من قاموسه كافة المكوّنات التي يعتبرها في النهاية أنّها “عربيّة سوريّة”.

تصريحات رئيس وفد النظام لمفاوضات جنيف بشّار الجعفري، حول مستقبل سوريّا، وتهديده العلنيّ بأنّه لا توجد في سوريّا “دكاكين سياسيّة”، وكذلك محاولته اللعب على مفهوم “الكرديّ السّوريّ” و”السّوريّ الكرديّ” و”أنّ سوريّا ليست الصومال”، إنّما هي رسالة مفادها عدم استعداد النظام لقبول الآخر المختلِف معه فكريّاً وثقافيّاً بأيّ شكل من الأشكال، وأنّه ماضٍ في فرض قبضته الأمنيّة على البلاد، مستفيداً من دعم حلفائه “الرّوس والإيرانيين”. كما أنّ مماطلة وفده في الذهاب إلى جنيف، مبعثُها اعتزازه بنفسه بأنّه بات قادراً على فرض قوّته على الأرض عسكريّاً وعلى طاولة المفاوضات سياسيّاً، وغير مكترثٍ ومتشجّع لما قد يحصل في جنيف كثيراً، ولولا الضغط الرّوسيّ عليه لما قَدِمَ إلى جنيف، وفي الجولتين.

خطاب “خشبيّ” للمعارضة وهيمنة للإخوان

من جانبها، المعارضة تصرّ على استخدام خطابها الخشبيّ والذي يعبّر عن إرادة ورغبة الدول الإقليميّة الراعية لها، أكثر مما يعبّر عن طموحات وآمال السّوريين، الذين لا يعوّلون على إحرازها أيّ تقدّم يذكر في إنهاء معاناته التي كانت هي جزءاً منها. فالانقسامات والولاءات التي تعصف بصفوفها، جعلتها أضحوكة، حتّى الاستقالات الأخيرة، أفادت وبكلّ جلاء عن هيمنة بعض الأطراف عليها، وخاصّة الإخوان المسلمين. فهذا التيّار الهدّام لكلّ توافق وحلّ في سوريّا، تربطه علاقات مشبوهة مع أطراف إقليميّة ودوليّة، طالما أجّجت سعير الأزمة السّوريّة كقطر وتركيّا، اللتان لا تكفّان عن اللعب بمصير سوريّا ودفعها نحو الهاوية. فالإخوان ومنذ بداية الأزمة، ركبوا موجة الاحتجاجات الحاملة لشعارات الديمقراطيّة والحرّيّة والكرامة، ليستغلّوها ويقلبوها إلى ثورة ترفع “الشعارات الإسلامويّة الرجعيّة المتطرّفة”، التي فتحت أبواب سوريّا على مصراعيها أمام استقطاب “الإرهاب الإسلامويّ التكفيريّ”، والذي يستمدّ قوّته وشرعيّته من جماعة الإخوان بالذّات وليس غيرهم، فاجتمعت جميعها تحت سقف أنّ “الإسلام هو الحلّ”، وبهذا قدّمت أكبر خدمة للنظام – وما تزال – وأطالت بعمره ومنحته شرعيّة القتل والفتك، بعد أن حوّلت مسار الثورة نحو العسكرة عبر رفعها شعار “الجهاد” المزيّف.

المعارضة شريكة النظام في القتل والفساد والقمع

هذه المعارضة غير مؤهّلة لأن تقود المفاوضات مع نظام متمرّس في فنّ الألاعيب واللفّ والدوران وحبك المؤامرات، رغم أنّ قسماً كبيراً منها – أي المعارضة – قد ولدت من ضلع النظام ورضعت من ضرعه، فهي أيضاً تجيد فنّ المراوغة بدهاء ومكر للوصول إلى كرسيّ السلطة. فالعديد من أقطابها كانوا حتّى الأمس القريب من أبرز حلفاء النظام في سرقة ثروات هذا البلد، وشركاء معه في الفساد المستشري في مفاصل الدولة، وساهموا في قمع وإسكات هذا الشعب، فحتّى شخصيّاً كلّ أعضاء الوفدين يعرفون بعضهم جيّداً ويدركون ما يطالب به الآخر، وأحياناً لا يتجاوز سقف المطالبة الأعلى “طلب استرحام” من النظام بالرجوع إلى منصبه السابق والحصول على امتيازات منه، ولا نريد أن نذكر أسماءً محدّدة، لأنّ الحديث قد يتّسع ولا مجال هنا للخوض فيه.

“صفعة” في وجه المعارضة

رغم ادّعاء المعارضة بأنّها ذهبت إلى جنيف هذه المرّة بوفد موحّد وقويّ، قادرٍ على فرض الحلول على النظام، وأوّلها رحيل الأسد في المرحلة الانتقاليّة، إلا أنّ التوافقات بين الدول الراعية لـ”جنيف” بدّدت آمالهم في حصول أيّ اختراق يذكر في المفاوضات. فتصريحات المسؤولين الأمريكيين في ضرورة بقاء الأسد في المرحلة الانتقاليّة والتي تتوافق مع الموقف الرّوسيّ، إنّما جاءت كصفعة على وجه المعارضة، والداعمان السّعوديّ والتركيّ لا يملكان القدرة على فرض رؤيتهما على كلّ من روسيّا وأمريكا بكلّ الأحوال، وبالتالي فإنّ المعارضة مرغمة على قبول الأمريكيّة – الروسيّة، خاصّة بعد هزيمتها عسكريّاً على الأرض.

مُخرَجات الأزمة في روج آفا وشمال سوريّا

مُخرَجات حلّ الأزمة السّوريّة، مرّة أخرى عادت لترمي وبكلّ ثقلها على روج آفا وشمال سوريّا، وهي الوحيدة القادرة على إدارة هذا الصراع ووضع نهاية له، بعد أن تمكّنت – وبكلّ جدارة – على وضع خاتَمِها على هزيمة الإرهاب. واستناداً على هذا المُنجز الوطنيّ بكلّ امتياز؛ فهي المؤهّلة لإنتاج حلول الأزمة السّوريّة، لِتُعيد صياغة مجمل المشهد السّوريّ، بشقّيه العسكريّ والسياسيّ وفق أولويات وطنيّة وليس كما تدّعيه بعض الأطراف “انفصاليّة”، خاصّة أنّها باتت تملك تجربة وطنيّة رائدة في إدارة المناطق المحرّرة من الإرهاب، وتنسج علاقات التشارك وإنتاج ثقافة “وطنيّة حقّة” والمصير والعيش المشترك بين كافة المكوّنات. فتجربتها في الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، وضعت دعائم ومرتكزات النظام الديمقراطيّ المنشود في سوريّا، وأكملتها بإطلاق مشروعها الفيدراليّ، الذي أنجز المرحلة الثانيّة بانتخابات المجالس المحلّيّة والبلديّات، وهو الآن في طور التحضير للمرحلة الأخيرة من انتخابات مجلس الأقاليم والشعوب.

لا حوار مع النظام دون “ضمانات دوليّة”

أن تعود متأخّراً أفضل من ألا تأتي مطلقاً، هذا المثل ينطبق على المعارضة السّوريّة والنظام ككلّ، فالركون إلى الحقيقة المتجسّدة في روج آفا وشمال سوريّا، هو المنطلق الوحيد الذي يمكن أن يضع نهاية للتراجيديا السّوريّة المستمرّة. كما أنّ وعود النظام قبل فترة بإطلاق حوار مع الكرد حول “الإدارة الذاتيّة”، بدّدته تصريحات ومواقف مسؤولين آخرين حول نيّتهم في “ليِّ عنق” الجميع ووضعهم مظلّته، حيث لم يطرأ أيّ تغيير أو تبديل على ذهنيّة النظام رغم كلّ الذي حصل في البلاد، وكأنّ التصريح السابق ما كان إلا لذرّ الرماد في العيون، فهو يعتقد في خياله المريض أنّ الكرد سيهرعون في اليوم التالي لاستجداء الحلّ منه دون وجود ضمانات دوليّة تكفل أيّ اتّفاق يمكن أن يحصل بين الكرد وشركائهم في النظام الفيدراليّ والنظام السّوريّ، ففاقد الشيء لا يعطيه.

المراهنة على “تركيّا” سقوط في مستنقع “الخيانة”

المعارضة هي الأخرى لا مفرّ أمامها سوى العدول عن نهجها في المراهنة على الحلول الخارجيّة المتأتيّة من الدول الإقليميّة، فتركيّا التي عبثت بالوطن السّوريّ، لا يُرتجى منها أيّ حلّ، هي فقط تبحث عن مصالحها ضمن الفضاء السّوريّ، غير آبهة بكمّ التضحيات الهائل، وإن كانت المعارضة ما زالت تراهن على دور تركيّ يعيدها إلى المشهد السّوريّ بقوّة، من خلال إجازتها وقبولها باحتلالها لمناطق عزيزة من الوطن السّوريّ، فإنّها بذلك تكون قد وقت في أفخاخ “الخيانة الوطنيّة” وبكلّ توصيفاتها، فالمحتلّ لا يمكن أن يقدّم حلولاً بأيّ حالٍ من الأحوال، والاجتماع الأخير الذي عُقد في إسطنبول تحت اسم ” تجمّع العشائر العربيّة” لمحاربة قوّات سوريّا الديمقراطيّة ووحدات حماية الشعب، تزامناً مع التهديدات التي تطلقها تركيّا بشنّ عدوان على عفرين، يظهر أنّ المعارضة الموالية لتركيّا مازالت مرتبطة بأجندات تركيّا، التي تحاول تحريك المشهد السّوريّ، بعد أن وصلت الأزمة إلى خواتيمها، لتعيدها إلى المربّع العنفيّ الأوّل، وهو ما لن تقبل به الدول الفاعلة في الأزمة السّوريّة وخاصّة روسيّا وأمريكا.

جنيف هذه المرّة سيكون كسابقاته، ولن يغدو أكثر من ملهاة ومضيعة للوقت.