الرئيسيةدراساتقراءة في الفيدرالية والدولة الفيدرالية

قراءة في الفيدرالية والدولة الفيدرالية

الدكتور أحمد يوسف

تعتبر الدولة واحدةً من أهم القضايا الإشكالية التي تعيشها البشرية عبر تاريخ تطورها بمراحلها الطبقية المختلفة، ولا سيما بعد ولادة المنظومة الرأسمالية الأوربية في القرن الخامس وما رافقتها من تطوراتٍ في البنى الهيكلية للمؤسسات والبنى الاجتماعية الناجمة عن فرض أساليب إنتاج ذا طبيعة استغلالية بامتياز. ولقد تطور شكل الدولة بصورةٍ متسارعة في القرنين الأخيرين وحمل معه تبعات أخلاقية وسياسية واجتماعية متنوعة، وأدت إلى ولادة دراسات متمايزة عن مكانتها (الدولة) وأهميتها لتنظيم الحياة العامة. سيطرت في خضم هذه الدراسات النزعة المدافعة عن الدولة في سلسلة الأبحاث والدراسات التي تخص مفهوم الدولة، وإذا كانت هناك مدارس سياسية واجتماعية تنزع إلى التقليل من شأن الدولة، فإنها لم تتمكن من تحقيق تطورات ذات أهمية في مسارها التطبيقي للتخفيف من دور الدولة وتأثيرها في الحياة العامة.

بالرغم من سيطرة المدارس التي تمتلك نزعة الدفاع عن منظومة الدولة والتي حظيت بدعم مراكز القرارات الاقتصادية وجماعات الضغط المالية، إلا أنها لم تتفق فيما بينها على شكلٍ محددٍ للدولة، لذا فقد تعددت أشكال الدولة الحديثة وتراوحت بشكل أساسي ما بين الدولة البسيطة ذات القومية الواحدة والمدارة مركزياً من خلال نظام سلطوي ضيق، والدولة المركبة التي تميزت بنظامٍ سلطوي ذات مستويين والتي سميت بالدولة الفيدرالية.

لم تكن ولادة الدولة الفيدرالية إلا نموذجاً سياسياً وعلمياً لتخفيف آثار المخرجات السلبية لمنظومة الدولة الشمولية، والتي تكاد تبتلع كل مفردات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتصبها في بوتقة النخب المسيطرة عبر منظومة متكاملة من الخطط والبرامج والسياسات، ولتكون رداً قابلاً للتطبيق على النزعة الفلسفية المضادة للدولة. وقد تكون نموذجاً تدريجياً هادئاً إلى التحول نحو اللا دولة.

تؤكد المعطيات السياسية والفلسفية في القرن الواحد والعشرين على بروز نقاط الخلل في منظومة الدولة القومية الشمولية، التي تفرض عملية تحللها أو تفسخها نفسها بقوة عبر طرح وبناء نماذج بديلة لها. ولعل النموذج الفيدرالي للدولة يعد أكثر النماذج قابلاً للتطبيق في الجغرافيات المختلفة عالمياً، في ظل نجاح التجارب التي تم تأسيسها في العقود السابقة.

أولا: ماهي الفيدرالية؟

الفيدرالية مصطلحٌ ذو أصل لاتيني، وتظهر بعض الإشكاليات اللغوية عند استخدام هذا المصطلح، وذلك لأن اللغة ودلالاتها تقدم وصفاً عاماً مبسطاً لهذا المفهوم أو المصطلح الذي له أهمية كبيرة في مختلف مجالات الحياة، لذلك فهو يحتاج إلى المزيد من التوضيحات والإضافات القانونية والسياسية والاجتماعية من أجل تعريفه علمياً وتحديده اصطلاحاً. وتشير الدراسات إلى أن مفهوم الفيدرالية لم يحظ باتفاقٍ بين الباحثين في قضايا السياسة والقانون[1].

تفرض عملية فهم هذا المصطلح البحث في أصله لبيان حقيقته ودلالاته اللغوية ومن ثم الاصطلاحية، فهناك مصطلحان متداولان في هذا المجال، وهما الفيدرالية (Federalism) والفدرلة أو الاتحاد الفيدرالي (Federation)، ويوجد بينهما اختلاف في المعنى. حيث تشير الفدرلة إلى الجانب الفلسفي والإيديولوجي، ويراد بها المبدأ الفيدرالي، بينما تعني الفيدرالية أو الاتحاد الفيدرالي التنظيم المؤسساتي وإنشاء النظام الفيدرالي.[2] أي النظام السياسي الاتحادي بين مجموعات ذات انتماءات مختلفة أو المجموعة نفسها، ولكن ضمن جغرافيا واسعة حرصاً على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال توزيع السلطات وعدم حصرها بالمركز.

جدير بالذكر أنه لا يوجد اتفاق بين الفقهاء الغربيين حول مصطلح الفيدرالية المرتبط بنظام الدولة والمقابل للمصطلح الانكليزي (Federal State)، حيث أنه هناك من يعتبرها اتحاداً دستورياً، ومن يطلق عليها الدولة الاتحادية، الدولة الاتحادية، الدولة التعاهدية.[3]

ويعتبر التمييز ضرورياً جداً من أجل التفرقة بين النظام الفيدرالي الذي يستند إلى أسس متنوعة وتأتي في مقدمتها أسس متنوعة وتأتي في مقدمتها الأسس السياسية المتعلقة بتحديد شكل إدارة مؤسسات الدولة، وليس منح الأهمية للتمايزات الأثنية والطائفية والسياسية لأبناء البلد، والذي قد ينجم عن إهماله حالات كارثية، قد تؤدي إلى انهيار منظومة الدولة التي تبدو في ظاهرها متماسكة نظراً لقلة التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تشكل إحدى خصائص النظم الفيدرالية، إلا أنها في حقيقتها لا تعبر سوى عن ممارسة السلطة بأساليب أكثر مركزية.

عموماً، إن الفيدرالية هي تعبير عن الاتفاق بين طرفين أو أكثر لتحقيق إدارة مشتركة بين سلطتين أو أكثر. حيث أنها في أصلها اللاتيني (Foedus) تعني اتفاق بين طرفين أو أكثر (Treaty) أو ميثاق (Compact) أو تحالف (Alliance) أو عقد (Contract)[4]. مما يعني أن أصل الكلمة تعتمد على بناء العلاقات التشاركية وجسور الثقة بين الأطراف من أجل بناء نظام حكم يحقق مصالح جميع المكونات ذات الصلة. لذا يمكن ملاحظة أن الفيدرالية تطبق عادةً في البلدان ذات التنوع الثقافي دون الاهتمام بمساحتها أو البلدان التي تحتوي على مساحات شاسعة، مما يؤدي إلى صعوبة إدارتها مركزياً.

تكون أهمية النظام الفيدرالي في حالة التنوع الثقافي أكبر من حالة التوسع الجغرافي، حيث أنه في الحالة الثانية قد يكون هناك تناسق في الانتماءات الثقافية، كالحالة الأرجنتينية على سبيل المثال، بينما في الحالة الأولى، فقد يكون هناك تمايزاً في الانتماءات رغم محدودية المساحات الجغرافية، كالحالة البلجيكية والسويسرية.

للفيدرالية سببين أساسيين

السبب الأول: فيدرالية الهوية، وهي الفيدرالية التي يتم تطبيقها بين جماعتين قوميتين أو أكثر، متميزتين ثقافياً أو لغوياً أو دينياً أو غير ذلك، وتجمعها قواسم مشتركة في المصلحة. وتجعلها ترغب في العيش المشترك معاً داخل دولةٍ واحدة، أي أن هذا السبب يأخذ في الاعتبار أهمية التمايز بين المكونات المختلفة داخل الدولة الواحدة، ويسعى إلى تفعيل دورها في بناء الدولة التي تخدم كل مكوناتها وتقطع الطريق أمام النزاعات الداخلية التي قد تؤدي في نهاية الأمر إلى حدوث حالات الشرخ بين المكونات، والتي قد يسحيل عودتها إلى حالة التوافق وقبول البعض للبعض.

السبب الثاني: فيدرالية الكفاءة، وتحدث هذه الحالة من الفيدرالية في حالة وجود الانسجام الثقافي في البلد إلى جانب توسع المساحات الجغرافية له، وتوجد رغبة في تحسين التمثيل الديمقراطي والمساءلة بجعل السلطة لا مركزية ومنح المحليين سيطرة أكبر على الموارد والسياسات مع المحافظة على الوحدة والقدرة على التصرف باتساق في مسائل السياسة الوطنية. ونذكر هنا الأمثلة التالية: ألمانيا، الأرجنتين، الولايات المتحدة الأمريكية

الفيدرالية هي الجواب لحل الكثير من المعضلات

تتعدد أسباب بناء النظم الفيدرالية، والتي تشكل بمجملها أسس البناء المؤسسي السليم والتعايش المشترك بين المكونات. ويمكن تحديد أهم هذه الأسباب فيمايلي:

آ-بالفيدرالية تحل مشكلات الحجم والتنوع

-الحجم: إذا كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب، فيمكن ممارستها سواءً في حدود الدولة أو بدون دولة. ويشترط في الحالة الأخيرة أن يقوم الشعب بتنظيم نفسه مؤسساتياً بعيداً عن تسلط الأنظمة الحاكمة، وبعيداً عن إرادة الدولة التي تؤدي إلى حصر الكثير من الممارسات والسلوكيات بالسلطات المركزية لها، مما يؤدي إلى تهميش دور الشعب. تظهر أهمية الفيدرالية في تطبيق الديمقراطية في ظل أنظمة الدولة. إذ أن الدولة البسيطة(اللافيدرالية) تقوم بتهميش دور الشعب، وتحوله إلى أدوات تلجأ إليها في الانتخابات وفي ظروف التهديدات الخارجية، ومهما ترسخت فيها قواعد الممارسة الديمقراطية فإنها لن ترتقي إلى مستوى الممارسة الديمقراطية في الدولة الفيدرالية، خاصةً في حال توسع المساحة الجغرافية للدولة التي تؤثر على فعالية سكان المناطق البعيدة عن العاصمة في الحياة العامة بمختلف تجلياتها، وذلك بسبب بعدها عن مركز القرار الواقع في العاصمة، لذلك تقدم الدولة الفيدرالية نموذجاً ديمقراطياً أكثر رقياً مما تقدمه الدولة البسيطة في هذا المجال. إذ أنها تُفَعلُ دور المواطنين في عموم جغرافيا الدولة عبر المؤسسات الإدارية المحلية التي تتمتع بسلطات شبه كاملة على الصعيد المحلي (الإقليمي).

عموماً، تكون المؤسسات الإقليمية في النظم الفيدرالية ذا طبيعة سياسية، أي أنها تمتلك صلاحيات أوسع من تلك التي تمنح للإدارات المحلية. هذا ما يمنح شبه الاستقلال السياسي والاقتصادي للأقاليم والحكومات المحلية، وتؤدي في النتيجة إلى زيادة الأثر الإيجابي للسياسات العامة التي يتم من خلالها تقديم الخدمات للمجتمع.

-التنوع: يصعب في ظل سيطرة الدولة القومية، إن لم يكن مستحيلاً، منح حقوق الجماعات العرقية والدينية واللغوية وغيرها من الجماعات الثقافية. لذلك يكون الحل الأنسب لتلك المعضلة في ظل ظروف سيادة الدولة، هو في إقامة النظام الفيدرالي الذي يعكس رغبة تلك الجماعات في أن تحظى بالاعتراف كشعوب ذات هوية متمايزة ومصالح خاصة. إذ أن النظام الفيدرالي يتيح لها ممارسة حكم ذاتي حقيقي من خلال مؤسسات الولاية أو الإقليم أو المقاطعة، مع المشاركة في وظائف معينة مع الجماعات الأخرى من خلال المؤسسات الفيدرالية أو الوطنية. وتترسخ هذه الحقوق من خلال اعتماد دستور فيدرالي يلبي طموحات الجماعات المتمايزة لتأمين حقها بالاعتراف بشخصيتها المتميزة وممارسة كافة السياسات التي تحقق ذلك الحق.

ب-الفيدرالية تبني القوة من تجمع القوى وتشاركها

تأسست عبر التاريخ مجموعة من الروابط بين بعض الدول الصغيرة لمواجهة الأخطار التي تحدق بها من القوى الخارجية. وكانت بعض تلك الروابط بزعامة دولة من الدول الكبرى. أي فيها نوع من التبعية السياسية، وذلك للعمل معاً وفق سياسات تتوافق عليها عبر مندوبيها، وليس عن طريق برلماناتها. لم ترتق هذه التحالفات أو الروابط إلى مستوى الفيدرالية، نظراً لعدم قدرتها على تطوير التنسيق فيما بينها على مستوى العمق. فقد وجدت الدول ضالتها في النظم الفيدرالية، حتى لو لم تعلن عن ذلك صراحةً. كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تطور حالة الاتحاد بين الولايات من خلال تبني دستور اتحادي جديد لتحقيق التماسك بين الولايات، رغم تمتع الولايات بالكثير من الاستقلالية في العديد من القضايا المختلفة بما فيها القضايا السياسية.

لقد انتشرت النظم الفيدرالية على مستوى المعمورة لتحقيق المزيد من التحول الديمقراطي، وبالتالي تحقيق الترابط بين المكونات المختلفة. وجدير بالذكر أنه ليس بالضرورة استخدام كلمة (الفيدرالية) لتحديد النظم الفيدرالية، بل يمكن التعبير عن المستوى الفيدرالي بالحكومة الوطنية أو الحكومة المركزية أو الحكومة الاتحادية، أما الحكومات المحلية، فيمكن إطلاق مجموعة من الأسماء بخصوصها، مثل: ولايات (الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا، ماليزيا)، أو أقاليم (بلجيكا، إيطاليا، العراق)، أو كانتونات (سويسرا) أو أراض (نمسا)

ج-مزايا أخرى للفيدرالية

هناك مجموعة من المزايا الأخرى للنظم الفيدرالية، لا يمكن إغفالها أو الانتقاص من قيمتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. ولعل أهم تلك المزايا تكمن فيمايلي:

1-الفيدرالية هو أساس التعددية: لكي يكون النظام الفيدرالي فعالاً، لا بد له أن يرسخ مفهوم التعددية لتحقيق اقتسام السلطة بين المؤسسات الوطنية التي تحمي التنوع وتقضي على السلطة المطلقة

2-توسيع قاعدة تقاسم السلطة[5]: تسمح الفيدرالية لجماعات سياسية تعتبر أقليات، على المستوى الفيدرالي أو الوطني بأن تتولى السلطة على مستوى الولاية أو المقاطعة. ويمكن لهذا أن يعطي أثراً نافعاً في تعزيز الاشتراك السياسي وتوازن السلطة في بلدان يسيطر فيها حزب واحد. كما تؤمن القاعدة الأوسع لتولي السلطة على المستويات المحلية فرصاً أكبر للنساء والأقليات العرقية، والفقراء، وغيرهم من الفئات السكانية التي لطالما كان تمثيلها قليلاً في الانتخابات إلى مناصب حكومية.

3-تعزيز المقاربات الابتكارية والعملية لوضع السياسات:

تفتح النظم الفيدرالية الآفاق أمام عملية ابتكار السياسات للوحدات المحلية بها تلبيةً لاحتياجاتها، مما يتيح للأقاليم والمقاطعات رسم سياسات محلية تتسم بالإبداع. وقد لا تصلح للتطبيق على المستوى الوطني. مما يعني أن تجزيء السياسات تبعاً للأقاليم يؤدي إلى تفعيل دورها من خلال إزالة الأثر السلبي للسياسات التي يتم وضعها مركزياً، والتي تزداد فيها احتمالات عدم تناسبها للظروف الخاصة لكل إقليم.

4-تخفيض أعباء السلطة المركزية:

تحقق الفيدرالية توزيع سلطات المركز على الأقاليم وتتيح المجال للمركز لتخفيف أعباء مركزية السلطة والسعي إلى معالجة القضايا الاستراتيجية بكفاءة أكثر نتيجة منحها المزيد من الوقت والإمكانيات.

5-تقسيم موارد البلد جغرافياً:

تقوم الحكومات المركزية عادةً بتركيز الإيرادات الناجمة عن الموارد في العاصمة ومن ثم توزيعها مركزياً، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد فرص حصول الخلل في توزيعها جغرافياً. بينما تضمن الفيدرالية توزيع الموارد بصورةٍ أكثر عدلاً عن طريق توزيع الإيرادات باعتماد قواعد تحقيق العدالة بين الأقاليم والمقاطعات.

6-تطوير القدرات والمسؤولية الديمقراطية:

يقدم النظام الفيدرالي عبر مؤسساتها في الأقاليم والولايات والمقاطعات خدمةً تطويرية كبيرة للمواطنين. وذلك من خلال تأمين فرص التدريب التي تساهم في تنمية مهاراتهم المختلفة نتيجة إتاحة الفرص لأوسع دائرة شعبية للمساهمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة العامة، على العكس تماماً مما هي عليه الحال في الدولة البسيطة المركزية التي تتركز كل سياساتها في العاصمة. الأمر الذي يؤدي إلى تقليل فرص مشاركة البعيدين عن العاصمة في القرارات المختلفة باستثناء مساهمتهم في الانتماءات والاستفتاءات.

ثانياً: الدولة الفيدرالية

تنشأ الدولة الفيدرالية نتيجة عملية اتحاد بين مجموعة من الأقاليم أو الولايات أو المقاطعات التي تتعايش مع بعضها دون انفصال، أو قد تنشأ عن تقسيم النظام الإداري والسياسي في الدولة الواحدة إلى أقاليم أو ولايات أو مقاطعات تتمتع باستقلالية إدارية وسياسية نسبية، وتساهم في تخفيف الأعباء على الحكومة المركزية إلى جانب تقبل المكونات لبعضها البعض. لذا نرى أن تعاريف الدولة الفيدرالية ترتقي إلى مستويات إنسانية تفتقر إليها الدول البسيطة، حيث أن الفيدرالية في مدلولها الواسع تعني ظاهرة “تحرك الجماعات الإنسانية المتميزة نحو التجمع بحركة تقدمية تفضي إلى التوفيق بين اتجاهين متناقضين، بين الحرص على ذاتها من ناحية وبين الشعور بالانتماء إلى تنظيم جماعي يشملها”[6].

يلاحظ من هذا التعريف أن الفيدرالية تقوم على تجميع الجماعات الإنسانية في أهداف مشتركة ذات صيغة تقدمية، تخدم جميع مكونات المجتمع مع احترام خصائصها، كما أنها تحقق عملية التوافق بين متناقضين أساسيين في الدولة البسيطة، وهما: الحرص على الذات من ناحية، أي منح الأهمية القصوى للخصوصية الذاتية إلى جانب إهمال خصائص المكونات الأخرى المشتركة في الجغرافيا ذاتها، وبين أهمية الشعور بالانتماء إلى تنظيم جماعي يتحقق بين المكونات المشتركة في الجغرافيا والسياسة والثقافة.

انطلاقاً من هذه الحقيقة يمكننا القول إن الدولة الفيدرالية هي نموذج تسعى إلى الارتقاء في العلاقات الإنسانية ووضع الحد للقضايا السياسية والثقافية وما يرافقها من تبعات عسكرية وإنسانية في الدولة البسيطة.

كما عرف البعض الدولة الفيدرالية على أنها: نظام سياسي عالمي، يقوم فيه مستويان حكوميان، يحكم نفس المنطقة الجغرافية ونفس السكان[7].

يضعنا هذا التعريف في موقع نفهم من خلاله أن الدولة الفيدرالية هي الدولة التي يكون فيها أكثر من مستوى حكومي لإرادة المجتمع نفسه، وضمن الجغرافيا نفسها. وبالتالي هناك تقاسم للسلطات بين المستويين الحكوميين. يتميز هذا التعريف بشيء من الغموض حول مفهوم الدولة الفيدرالية، وخاصةً في تحديد كيفية تقاسم السلطات بين المستويين الحكوميين.

لذا لابد من البحث عن تعاريف أكثر دقةً عن الدولة الفيدرالية، وذلك لإزالة بعض الغموض الذي يعتريه. ولعل التعريف التالي يعد أكثر قدرةً على توضيح النقاط الواجبة منهما في البنية القانونية والمفاهيمية للدولة الفيدرالية. حيث تم تعريفها على “أنها دولة واحدة تتضمن كيانات دستورية متعددة، ولكل منها نظامها القانوني الخاص، واستقلالها الذاتي وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي باعتباره المنشأ لها والمنظم لثباتها القانوني والسياسي، وهي بذلك عبارة عن نظام دستوري وسياسي مركب”[8].

يعبر هذا التعريف عن مفهوم الدولة الفيدرالية بصورة أكثر وضوحاً، ويحمل في طياته دلالات النظام الديمقراطي المتعدد المستويات دستورياً، وذلك بتقسيم الدولة إلى كيانات متعددة لكل منها نظامها القانوني الخاص والمستند إلى خصوصيات ذلك الكيان. وتجتمع كل النظم القانونية للكيانات المؤسسة للدولة في دستورٍ فيدرالي، تظهر فيه خصوصيات الولايات الأقاليم والكانتونات بوضوح وتحظى باحترام المركز من خلال بنودٍ صريحة تؤكد على أهمية التعايش المشترك[9].

استناداً إلى ما سبق نرى بأن الدولة الفيدرالية هي، شكل من أشكال الدولة المعاصرة التي تؤمن حقوق جميع مكوناتها عبر توزيع السلطات بين تلك المكونات باعتماد نظام دستوري ثنائي، أحدهما ينظم الحياة العامة وفي جميع المجالات على مستوى الولايات والأقاليم والمقاطعات والآخر يضمن حسن سير الأول في الحكومة الاتحادية (المركزية).

هنا يجب التركيز على وضع الدساتير المحلية أولاً، والانتقال بعد ذلك إلى إعداد دستورٍ مركزي معتمد على الدساتير المحلية، نظراً لما في ذلك من ضمانةٍ لتوزيع السلطات عبر الجغرافيا المكونة للدولة بالشكل الذي يحمي الجميع.

كيف تنشأ الدولة الفيدرالية؟

أياً كان شكل الفيدرالية، فإن طرق نشأتها لا تتعدى طريقتين اثنتين، وهما: طريقة تفكك دول بسيطة إلى دول مركبة ذات كيانات دستورية متعددة ومتمايزة عن بعضها، وتجمعها صفة ارتباطها بدستور مركزي (اتحادي)، وطريقة انضمام أو اندماج دول بسيطة أو ولايات إلى بعضها، وتنازل كل منها عن جزء من سيادتها لصالح المنظومة الوليدة.

الطريقة الأولى: تفكك الدولة البسيطة إلى دولة مركبة

تتحول بموجب هذه الطريقة الدولة البسيطة التي تحكمها سلطة مركزية في العاصمة بالاستناد إلى النظام الدستوري ذو المستوى الواحد إلى دولةٍ مركبة ذات دستور ثنائي المستوى، أحدهما يضع أسس التنظيم والإدارة على مستوى الولايات والأقاليم والمقاطعات، وثانيهما يعمل على الترابط بين الإدارات المحلية والإدارة المركزية، إضافةً إلى وضع الأسس القانونية للسياسات الخارجية، أي أنه وفق هذا الأسلوب تبقى الدولة موحدة إلا أن السلطات الإدارية تتعدد فيها وفقاً لخصوصيات المكونات أو وفقاً للتوزع الجغرافي للولايات والأقاليم والكانتونات. وقد تأسست بموجب هذه الطريقة العديد من الفيدراليات في العالم. ولعل أهمها هي الفيدرالية البرازيلية التي تشمل مساحات جغرافية واسعة، حيث تعد برازيل خامس أكبر دولة في العالم، والفيدرالية الأرجنتينية والمكسيكية وكذلك البلجيكية.

الدافع للفيدرالية الانفكاكية

إن أهم الدوافع نحو تأسيس الفيدرالية القائمة على التفكك هي محاولة حماية وحدة أراضي البلاد وشعبه، وذلك من خلال تحقيق عدالة توزيع السلطة بين مختلف مكونات البلد. إذا كانت هناك وجهات نظر معاكسة تم إيراده عن مبررات تأسيس الفيدرالية الإنفكاكية. فإنها لا تتجاوز كونها وجهات نظر تقتصر على مستندات شمولية لبعض المكونات التي تسعى إلى الاستئثار بكل إيرادات الدولة ومنظومتها السلطوية على حساب الآخرين.

الطريقة الثانية: اندماج الدول البسيطة أو الولايات والأقاليم في دولة مركبة

تندمج بموجب هذه الطريقة مجموعة من الدول المستقلة أو الولايات إلى بعضها البعض نتيجةً لاتفاق بينها على العيش المشترك بموجب دستور اتحادي ينظم كل جوانب الحياة فيما بينها. وقد تأسست بموجبها مجموعة من الدول الفيدرالية، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي السابق وكندا واستراليا والامارات العربية المتحدة وجنوب أفريقيا.[10] وقد شهدت تجربة الاتحاد السوفياتي انهيار منظومتها الفيدرالية، على الرغم من بقاء العلاقات بصورة متطورة بين أعضائها في مرحلة ما بعد الانهيار، وذلك حرصاً على تقليل الآثار السلبية الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفياتي ثاني أكبر قوة عالمية في مرحلة الحرب الباردة، التي امتدت في مرحلة الممتدة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية العقد الأخير من القرن العشرين.

تتعدد الأسباب التي تدفع الدول إلى تكوين نظم فيدرالية فيما بينها، ولعل أهمها: الرغبة في العيش المشترك نتيجة وجود عوامل ارتباط بينها، مثل عامل الدين، والعادات واللغة، وكذلك وجود مصالح اقتصادية مشتركة، أو العمل على إيجاد عوامل القوة أمام التهديدات الخارجية التي قد تواجهها تلك الدول بجميع الأحوال. أياً كانت الدوافع التي تدعو الدول إلى بناء نموذج فيدرالي، فإنه يمكن الاجماع بأن تلك الدوافع بمجملها تصب في خانة تقوية المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول التي قررت العيش المشترك وفق النموذج الفيدرالي، مما يعني أنها وإن تنازلت عن بعض من سيادتها لصالح المنظومة الجديدة، فإنها ستكون أكثر قوةً وتعبيراً عن حقيقتها نتيجة تراكم عوامل القوة فيما بينها.

إن إدراك حقيقة التطورات العالمية والنزاعات المترافقة لكل مرحلة ٍ من مراحل التطور، وحدوث الاختلاف في طبيعة النزاعات وآلياتها تبعاً لتغير مصالح القوى المهيمنة عالمياً وسياساتها الاستيعابية، تؤكد أن القرن الواحد والعشرين قد تجاوز بدرجةٍ كبيرة عصر النزاعات القومية، ويمهد تدريجياً لبناء نظم الدولة الفيدرالية التي تتمتع بمرونة منظومتها القانونية رغم تعقيداتها.

[1] -http://www.afaqiraq.org/afaq/modules.php?name=stories_Archive>lastvisited24/4/2008

[2] -د. محمد عمر مولود، الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق، ط2، مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر، أربيل، 2003، ص: 222-223

[3] -د. محمد هماوه ندي. التمييز بين النظام الفيدرالي ونظام اللامركزية الإدارية والاقليمية، مجلة القانون والسياسة، العدد (3)، جامعة صلاح الدين، أربيل، ص: 164

[4] -كاروان عزت محمد دوسكي-دور القضاء في حماية الدستور الفيدرالي، ط1، دار سبيريز، أربيل، سنة 2006، ص: 32

[5] -المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، كراس بناء الدساتير، الفيدرالية، أيار 2015

[6] -محمد هماوه ندي، الفيدرالية والحكم الذاتي واللامركزية الإدارية الإقليمية (دراسة نظرية مقارنة). ط2، مطبعة موكرياني، أربيل، 2001، ص: 181

[7] -www.annabaa.org2007-11-7

[8] -د. ناظم يونس زاوي وأفين خالد عبد الرحمن، سمو الدستور الفيدرالي، بحث مقدم للنشر في مجلة كلية القانون، جامعة دهوك.

[9] -د. ناظم يونس زاوي وأفين خالد عبد الرحمن، سمو الدستور الفيدرالي، بحث مقبول للنشر في مجلة كلية القانون، جامعة دهوك.

[10] -زهدي يكن، القانون الدستوري والنظم السياسية، دار يكن للنشر، بيروت، 1982، ص: 129