الرئيسيةمقالاتأن تكون كردياً

أن تكون كردياً

محسن عوض الله

تقف الكلمات عاجزة، وتتلعثم الحروف في فمي، يعجز عقلي عن الفهم، ويشرد ذهني من التفكير، ما ذنبي، ماذا أجرمت، لماذا يريدون قتلي، لماذا يرفضون وجودي؟

أقف كثيراً حائراً، أحاول أن أتخيل ماذا لو كنت كردياً، ماذا لو ولدت لعائلة كردية قتل عائلها في مجزرة الأنفال، وقتل عمه في مجزرة حلبجة، وقتل أخي الأكبر في معارك عفرين.

ماذا لو وجدت أبناء وطني يحرضون على قتلي، ويتأمرون مع المحتل على إبادتي، كيف أقدم يدي لاحتضان أخوتي فيرفعون سيفهم لقطعها؟!

ماذا فعلت ليتم تهجيري من منزلي، ومنعي من الحديث بلغتي والاحتفال بأعيادي، كيف يمنعوني من تسمية أولادي على اسم أبي وجدي؟

لماذا ينعتوني بالانفصالي وقد فتحت مدينتي أمامهم، لماذا يصفوني بالإرهابي وأنا من وقفت في وجه قوى الشر والإرهاب، لماذا يعتبروني عميل وهم من يتحالفون مع من يستعمر بلادي ويستهدف شعبها!

 لا أدري ماذا أقول، ولا ماذا سأفعل، كيف سيكون رد فعلى تجاه كل هذه الكوارث التي تلحق بي لا لشيء سوى إني كردي.

 جاء الهجوم التركي على مدينة عفرين بمشاركة واسعة من فصائل سورية موالية لأنقرة ليثير حفيظتي وإنسانيتي حول أسباب ذلك الهجوم، وما الجريمة التي ارتكبها أهل عفرين ليتم قصفهم واستهداف أطفالهم بهذا الشكل الإجرامي.

وفقا للبيانات الرسمية الصادرة من أنقرة، والتصريحات التي أطلقها المسؤولين الأتراك فإن العملية ” تستهدف القضاء علي عناصر وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية”، وهو هدف ربما تكرر في كل العمليات العسكرية التي نفذتها تركيا في سوريا بداية من درع الفرات ثم سيف الفرات وأخيراً غصن الزيتون.

اللافت للنظر هو أن وحدات حماية الشعب التي تنعتها تركيا بالإرهابية هي المكون الرئيسي في قوات سوريا الديمقراطية الذراع العسكري البري للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

على مدار سنوات الثورة السورية ومنذ تشكيل وحدات حماية الشعب لم نسمع أو نقرأ خبراً عن استهداف هذه القوات للمدن التركية أو سقوط مواطنين أتراك في قصف كردي للحدود السورية التركية، في حين أن تركيا دائماً كانت هي البادئ بالهجوم دائماً، وعملية عفرين ليست أول التدخلات العسكرية التركية بسوريا فسبق لأنقرة أن نفذت عمليات عسكرية واسعة بمدن الباب وجرابلس وإعزاز وإدلب.

الشيء المثير للامتعاض هو مشاركة فصائل سورية كرأس حربة للقوات التركية المهاجمة لمدينة عفرين، وكأنهم يعاقبون الكرد ليس لشيء سوي لأنهم كرد، وهو أمر تكرر أيضاً في الباب وجرابلس تحت مسمي قوات “درع الفرات” رغم أن هذه القوات لم تشارك في أي مواجهة مع النظام أو تنظيم داعش، واختصرت كل نضالها وجهادها في مواجهة القوات الكردية!

كفى بالقوات الكردية فخراً أنها نجحت في تحرير أكثر من 40 % من مساحة سوريا من دنس تنظيم داعش الإرهابي، وإسقاط عاصمة التنظيم السورية بمدينة الرقة، وعلى المستوي السياسي نجح الأكراد في تشكيل إقليم فيدرالي ديمقراطي قد يكون نواة لدولة سورية اتحادية يتشارك جميع المكونات في حكمها.

 قدم الأكراد بعد الثورة السورية ما جعلهم جديرين باحترام المجتمع الدولي وسارعت الولايات المتحدة لدعمهم بالعدة والعتاد لمواجهة التنظيمات الإرهابية بسوريا.

اللافت للنظر أنه مع كل تقدم لقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة تنظيم داعش كانت حكومة أنقرة تعمد لتنفيذ عمليات ضد هذه القوات وكأنها تحاول إعادة الحياة لهذا التنظيم الإرهابي وهو ما رصدته قوات قسد في بيانها تعليقا على العملية التركية ضد عفرين.

 ختاماً.. لا أجد سبباً للعملية العسكرية التركية ضد عفرين سوى محاولة أنقرة المستمرة تعطيل أي نجاحات لأكراد سوريا العدو اللدود لدولة أتاتورك وهو أمر يصيبني شخصياً بنوع من الاشمئزاز تجاه النظام التركي الذي لا يتورع عن ارتكاب كل جريرة، وفعل أي شيء والتحالف مع الشيطان لمواجهة أكراد سوريا لا لشيء سوى أنهم كرد يعتنقون الفكر التحرري للمفكر أوجلان الأسير في سجون أنقرة منذ عقدين من الزمن.

قلبي مع كل الأصدقاء الأكراد في مواجهة هذه الحرب المستعرة ضدهم من كل الاتجاهات، فما أسوء أن تشعر أن هناك من يستهدفك ومستعد لفعل أي شيء لمواجهتك لا لشيء سوي أنك تبحث عن حقك، ما أحقر أن تجد من يكرهك بالفطرة، ولا يعترف بوجودك، أو بحقك في الحياة لا لشيء سوي أنك كردي.

وتبقي الحقيقة الأهم في هذا العالم أن الأكراد هم أحد الركائز الأساسية في تشكيل مستقبل سوريا خاصة والشرق الأوسط بشكل عام، وسواء اعترف أردوغان وجنوده بحقوق الأكراد أو لم يعترفوا سيبقي الأكراد بقضيتهم العادلة وسيرحل أردوغان عاجلاً غير آجلا بسياساته الظالمة.. وستنتصر عفرين على القوم الظالمين ….