الرئيسيةمقالاتإيران … ثورة على الثورة (2 – 2)

إيران … ثورة على الثورة (2 – 2)

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

إذا ما قرأنا المشهد الراهن في السّاحة السّوريّة وتواتر منحنيات الصراع بين الهبوط والصعود، يتبيّن لنا حجم النفوذ الإقليميّ والدوليّ فيها، والذي تحوّل بالمجمل إلى صراع إرادات، وأحياناً كثيرة إلى سياسة كسر للعظم.

الدور الإقليميّ للنظام الإيرانيّ

الدور الإيرانيّ في سوريّا ومنذ بداية الأزمة، لم يكن أقلّ سوءاً من التركيّ، لجهة الاستثمار السياسيّ والعسكريّ، وحتّى وصل بها إلى تغيير عقائد الناس عبر فرض “التشيّع” وشراء الذمم والولاءات الدينيّة والمذهبيّة، التي باتت كابوساً على سوريّا الحاضر والمستقبل، حتّى وصل بها الأمر – الأحزاب والميليشيات المذهبيّة – إلى أن تجد نفسها “كيانات” خارج سلطة وسيادة الدولة السّوريّة، وليس النظام فقط.

مناسبة هذه المقدّمة، تقودني إلى محاولة فهم دلالات ما يحدث في إيران من احتجاجات على نظامها، كذلك تأثير التصدّعات الداخليّة في إيران على الحراك السياسيّ والعسكريّ في سوريّا، وبالتالي إمكانيّة أن تنكفئ إيران على نفسها لتولي أهميّة لترميم جبهتها الداخليّة، ما ينقلها للدخول في مرحلة جديدة سمتها الأساسيّة؛ القطع مع مرحلة ما كانت تسمّى بـ”تصدير الثورة”، والانصراف للبناء الداخليّ.

توسّع رقعة التظاهرات ومشاركة الجيل الشّاب

كثيرون هلّلوا ببداية “الربيع الإيرانيّ” الذي طال انتظاره، وخاصّة دول الخليج، وبعض الدول الغربيّة وعلى رأسها أمريكا، معتبرين أنّ النظام الإيرانيّ لن يصمد أمام حجم التظاهرات المناوئة له والتي انتشرت في عدّة مدن كبيرة، حتّى وصلت إلى كردستان وبلوشستان والأهواز أيضاً.

توسّع رقعة التظاهر والشعارات التي رفعها المتظاهرون – وأغلب المشاركين من الجيل الشّاب الذي لم يعاصر أحداث ما تسمّى “الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة” – اختصرت كلّ معاني الرفض والمعارضة للنظام، لإيديولوجيّته وسياساته “المغامراتيّة” الطائشة التي لم تجلب لبلادهم غير الفقر والحرمان، وصولاً إلى المطالبة بالانفتاح ونشر الحرّيّات الثقافيّة والسياسيّة وإلغاء الأحكام الجائرة مثل الإعدام، وإعطاء دور أكبر للمرأة ولمشاركتها في الحياة وتحرّرها من القيود التي كبّلها بها نظام الملالي، وصولاً إلى رفض ولاية “الوليّ الفقيه”.

سلوك نمط العراك “النيرونيّ”

يملك النظام الإيرانيّ خبرة كبيرة في وأد الانتفاضات وكلّ مظاهر العداء له، فلقد تمكّن من القضاء على الاحتجاجات عام 2009 والتي قادتها شخصيّات كانت محسوبة على النظام آنذاك، وخالفتها فيما بعد، فاعتقلت حينها عدداً كبيراً منهم آنذاك، فيما أعدمت قسماً من الناشطين ممّن نظّموا تلك التظاهرات.

عمد النظام الإيرانيّ إلى سلوك أسلوب النظام السّوريّ في بداية الثورة في سوريّا، حيث أجبر مناصريه والموالين لنظامه وحتّى الموظّفين الحكوميين، للخروج بمسيرات تأييد له، ليحدث التصادم بين الطرفين، ولتتأمّل قوّاته الأمنيّة من الباسيج والباسدار المَشهَد، على النمط النيرونيّ في روما القديمة في عراك الأشخاص ومن ينتصر في النهاية يسلّمه للوحوش المفترسة.

أنظمةٌ لا تسقط بتظاهراتٍ “شعبويّة” غير منظّمةٍ

ظهر بشكل جليّ تماماً، ومن خلال تجارب الثورات في منطقة الشرق الأوسط، أنّ الأنظمة والحكومات الدكتاتوريّة لا تسقط بقوّة الشعوب ونزولها إلى الميدان فقط، بل إن لم تآزِرها قوّة منظّمة ما، فلا يمكن حدوث أيّ تغيير من شأنه أن يزعزع كيانات هذه الأنظمة التي تحكم بقوّة الحديد والنار، والتي لا تأبه بأيّ ردود فعل على استخدامها العنف المفرِط ضدّ شعوبها. والنظام الإيرانيّ بارع في هذا المجال ويملك قوّة بطش قمعيّة من شأنها القضاء على هكذا تظاهرات غير منظّمة ولا تملك قيادة متبلورة لها أفق سياسيّ وبرنامج تسير عليه.

لقد قتل النظام الإيرانيّ الحياة السياسيّة في البلاد مثله مثل بقيّة الدول في المنطقة، فلا توجد مؤسّسات مجتمع مدنيّ ولا جمعيّات حقوقية ولا مراكز أبحاث ودراسات مستقلّة تراقب سلوكه، بل ربط المجتمع الإيرانيّ ومن كافة النواحي بعجلته الدينيّة والمذهبيّة، ولم يفسح المجال أمام ظهور معارضة صحيّة لنظامه، وبرّر لنفسه محاربة كلّ الحركات المعارضة والشخصيّات السياسيّة وحتّى الثقافيّة غير الموالية له، بذريعة “الكفر والخيانة” وما إلى ذلك من التهم الجاهزة والمعلّبة التي يسوقها في توجيه التهم لمعارضيه، حتّى أصبحت إيران من أكثر الدول في ارتفاع نسبة إعدام المعارضين السياسيين، حسب منظّمات حقوقيّة دوليّة.

نظام “الملالي” ينظر إلى الشعب “كقطيع”..!!

حوّل نظام الملالي إيران إلى سجن كبير، فيما ينظر إلى المجتمع كقطيع، ما عليه إلا أن يسير وراءه، ويستخدمه كخزّان بشريّ في حروبه الطائشة، إلا أن استنزف طاقات الشعب الإيرانيّ ووظّفها في خدمة مصالحه الخاصّة في التوسّع في المنطقة مترافقاً مع حروب عبثيّة هنا وهناك، ما أثقل كاهل المواطن الإيرانيّ.

لقد أدرك الشعب الإيرانيّ حقيقة النظام، وخرج ليعبّر عن مطالبته المشروعة في الاستفادة من ثروات بلاده، وعدم تبديدها في دعم حركات مذهبيّة موالية للنظام الثيوقراطيّ، فالشعارات التي رفعها المتظاهرون كانت ترجمة لمعاناته على يد النظام، ومطالبته بمزيد من الحرّيّات ورفض “ولاية الفقيه”، وجميعها تشير بوضوح إلى حجم الهوّة الكبيرة التي تفصل بين النظام والشعب.

لم تصل الاحتجاجات إلى مستوى “الثورة”

راهنت العديد من القوى الإقليميّة والدوليّة على استمراريّة التظاهرات، وانبرت عدّة وسائل إعلاميّة على وصف تلك التظاهرات “بالثورة الإيرانيّة ضدّ نظام الملالي”، والنظر إليها من منظور “الانتقام السنّيّ” من نظام “شيعيّ”، ولم تُظهِر الجانب الأكثر أهميّة في تلك الاحتجاجات التي لم تتطوّر وتصل إلى مستوى “الثورة”، وهو معاناة شعب ذاق الأمرّين على يد نظام مستبدّ وطاغٍ.

أمريكا واستغلالها للتظاهرات

ادّعت أمريكا أنها ستدعم التظاهرات في إيران، حتّى حدا بالرئيس ترامب إلى القول بأنّه سيوجّه قمراً صناعيّاً على إيران لاستمرار خدمة الإنترنت، بعد أن قطعته السلطات الإيرانيّة لمنع نقل صور ومقاطع فيديو التظاهرات وكيفيّة قمع القوى الأمنيّة للمتظاهرين عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ. لكن تبيّن أنّ أمريكا لم تكن جادّة في موقفها هذا، بل وظّفت التظاهرات كورقة ضغط على النظام الإيرانيّ للحصول على تنازلات في الاتّفاق النوويّ، وكذلك استخدامها لتقويض دورها في سوريّا.

التدخّل الإيرانيّ في سوريّا، أحد الأسباب الرئيسة في اندلاع التظاهرات، فوصول جثامين قتلى النظام الإيرانيّ من سوريّا إلى إيران، شكّل امتعاضاً شعبيّاً عامّاً، وصل لدرجة الاحتقان ثمّ الانفجار. بالتوازي مع ذلك، الأموال التي تُصرف على الميليشيّات الشيعيّة الموالية له في سوريّا مثل حزب الله وكذلك الميليشيّات التي استقدمها من أفغانستان وباكستان، وحتّى على الحوثيين في اليمن، زاد من حدّة التناقضات الاجتماعيّة في إيران، ولم يعد الشعب الإيرانيّ قادراً على دفع فواتير حروب النظام المتهوّرة في المنطقة، تلك الحروب التي لا ناقة له فيها ولا جمل.

روجهلات “شرق” كردستان مهيّأة لقيادة الثورة

مرّة أخرى المنطقة المهيّأة لاندلاع الثورة وقيادتها في إيران هي روجهلات (شرق) كردستان، فهي تملك من القوّة التنظيميّة والعسكريّة، والفكر الثوريّ، ما يؤهّلها لتكون مركز استقطاب لكافة الشعوب الإيرانيّة. وباعتباره – أي الشعب الكرديّ – راكمَ خبرات وتجارب كبيرة في هذا الصدد، كما أنّ العديد من القوى والأطراف الإقليميّة والدوليّة تراهن على حراك الشعب الكرديّ، مثلما كان الوضع في سوريّا إبّان اندلاع الثورة، فرغم القبضة الحديديّة النظام الإيرانيّ والمتحكّمة بالشعوب الإيرانيّة كافة، إلا أنّه لم يتمكّن من فرض سطوته على الشعب الكرديّ، ولا أدلّ على ذلك الإعدامات التي ينفّذها ضدّ الثوار والمثقّفين الكرد كلّ يوم في السّاحات العامّة، ولكنه رغم ذلك لم يطفئ جذوة الثورة في روجهلات.

لقد استطاع النظام الإيرانيّ القضاء على الاحتجاجات من خلال القتل العام واستخدام الرصاص الحيّ ضدّ المتظاهرين، رغم أنّها – أي الاحتجاجات – لم تتحوّل إلى اشتباكات مسلّحة، فقط اقتصرت على اطلاق الشعارات المعادية للنظام، والمطالبة بعودة أبنائهم إلى بلادهم، وعدم تبديد ثروات وطنهم، ورفض نظام ولاية الفقيه، وما إلى ذلك من المطالب.

غياب قيادة “منظّم” للاحتجاجات

إنّ أحد أسباب عدم تطوّر الاحتجاجات إلى مستوى “ثورة” حقيقيّة، تكمن في غياب قيادة منظّمة لها، وبقائها في إطار التظاهرات “الشعبويّة” التي لا تهزّ أركان النظام، وتالياً تمكّن النظام القضاء عليها بِيُسرٍ، خاصّة بعد أن زجّ بقوّات النخبة لديه “الحرس الثوريّ” المدرّب على استخدام كافة أشكال العنف الوحشيّ ضدّ المتظاهرين، فقتل العشرات واعتقل الآلاف بلا رحمة، ودون أن يرفّ له جفن، في تكرار أسوأ من سيناريو تظاهرات عام 2009.

تأثير روج آفا وشمال سوريّا على إيران

إنّ اندلاع ثورة شاملة في إيران، مرهون بالتطوّرات في المنطقة وخاصّة في كردستان، التي تبوّأت قيادة التغييرات في الشرق الأوسط، وبجدارة، من خلال تبنّيها لمشروع حضاريّ وإنسانيّ، يتجاوز في الرؤية والإستراتيجيّة المفهوم التقليديّ “للثورة” و”الدولة القوميّة الواحدة” أو تلك المبنيّة على أسس “دينيّة” أو “مذهبيّة”. والتطوّرات في روج آفا وشمال سوريّا، ستجد مفاعيلها في المنطقة وفي إيران خصوصاً، بعد أن استحال العيش ضمن أطر الدول القومويّة القمعيّة، التي أصبحت أسوأ مثال على أنظمة الدول في العالم في الإدارة، وغدت الفيدراليّة مطلباً شعبيّاً والبديل المطروح لكافة الأنماط والنماذج الدكتاتوريّة.