الرئيسيةمانشيتالأيادي البيضاء والمهنة السيئة (التسول)

الأيادي البيضاء والمهنة السيئة (التسول)

تعد ظاهرة التسول (الشحادة) من أكثر الظواهر التي تهدد المجتمع من كافة النواحي الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية والثقافية وقد تؤدي بالمجتمع إلى انحلال أخلاقي وإدمان المخدرات بسبب الانخراط في هذا العمل المشين.

فكثيراً ما نرى طفلاً او شيخاً أو امرأةً يتسولون إما أمام المساجد أو المشافي أو الدوائر الحكومية متكئين على أحد الأرصفة حيناً أو واقفين أحياناً أخرى أو حتى نائمين ليأخذوا قسطا من الراحة بعد ممارسة مهنتهم فتراهم يتجولون على المحلات وفي الشوارع المكتظة بالناس طوال اليوم.

في مدينة عين عيسى بشكل عام ومخيمها بشكل خاص كانت هذه الظاهرة شبه نادرة ولكن في الآونة الأخيرة انتشرت كثيراً وخاصة في فئة الأطفال المبتعدين عن مدارسهم وكتبهم ويعود السبب في هذا لقلة الوعي لدى ذويهم و الغلاء المعيشي الرهيب الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهبوط سعر الليرة السورية أمام الدولار الذي أثّر سلباً على معيشة الأهالي من ذوي الدخل المحدود أو النزوح والهروب من داعش والحروب التي لم تبقِ حجراً على حجر فالكثير منهم لم يعد لديه مأوىً  يأويه أو طعام يأكله أو أن العائلة ليس لها معيل يؤمن لها الدخل حتى أن قسم من العائلات قد مات من يعيلها وأحيانا يكون بعض من هؤلاء المتسولين هم أنفسهم المتسولين القدامى الذين يمارسون هذا الفعل الشنيع الذي له آثار سلبية على المجتمع بمختلف النواحي .

فمنهم من يخرج ابنه من المدرسة ليجعله يتسول ويحضر له قليل من المال حارماً بهذه الطريقة الطفل الصغير من أبسط حقوقه غير مدرك أن ابنه قد ينحرف أخلاقياً وفكرياً أو يصبح مدمنا للمخدرات أو مدخناً وهذا قد يُنبئ بمستقبل بائس وجيل أمي تماما.

م. ه طفل لم يبلغ العاشرة من عمره يستول في مخيم عين عيسى سألناه عن سبب تسوله فأجابنا قائلاً: أريد الذهاب للمدرسة ولا أريد التسول ولكن ليس لدي أب يُنفق عليّ وعلى عائلتي لذلك أتسول.

 وكذلك هناك حالاتٌ أخرى حيث أن الباطلين عن العمل يدفعون أطفالهم بالضغط عليهم بضربهم وتعنيفهم أسرياً ليمارسوا التسول ويجبروا أطفالهم على الكذب لكي يستغلوا عاطفة الناس وصغر سنِّ أبنائهم وبراءة أعينهم، فاتحين أيديهم البيضاء أمام الناس ليأخذوا بضع ليرات ببضعة أكاذيب إما بأنه يتيم أو جائع أو حافٍ أو عارٍ ممثلاً بذلك الحالة التي يدّعيها بارتدائهِ ملابس خفيفة متسخة وعدم انتعاله نعلاً ليدلّ بذلك على فقره واحتياجه.

وهناك أيضاً نوع آخر من التسول فليس بالضرورة أن يكون التسول عن طريق مدّ اليد بيدَ أنه تسولٌ مغلفٌ بعزّة النفس إنهم أشخاص تمنعهم عزّة أنفسهم وكبريائهم من مدِّ أيديهم للناس وطلب العون فيقومون عوضاً عن ذلك بوضع علبة من البسكويت أو علبة من العلك أمامهم بلا جدوى أو داعي لعلّ أحد المارة يلقي بها قليلاً من النقود متذعرين بالدين فيختارون مواقعهم بعناية أمام المساجد أو المقدسات الدينية.

ومنهم من يلاحقون الناس ليبيعوهم سلعاً صغيرة كالقهوة وعلب السجائر ويصرون على الناس أن يشتروا منهم مرفقين ذلك بدعوات مبتذلة ويكون ذلك بمواقع مزدحمة مثل الأسواق والبلديات والحدائق والشوارع المكتظة منتظرين زبوناً دسماً ليتأسف على حالهم ويعطيهم مبلغ أكثر من الثمن المستحق لما يبيعونه.

وهذا حال ح. ع العجوز الذي يبلغ من العمر 51 سنة يقول: لم أفتح يدي أمام أحدٍ في حياتي فكيف أفتح يدي اليوم أمام أحد إنه اختبارٌ من الله ليرى قوة صبرنا ولكن أنا مجبرٌ اليوم أن أبيع هذا البسكويت لكي أستطيع إعالة زوجتي المريضة.

وكذلك الطفل ج. م يبيع البسكويت في الشوارع يقول أحيانا أبيع هذا البسكويت على السيارات التي تمر في الطريق وأمدُّ يدي من النافذة لذا يعطيني الناس مبلغ أكبر.

وتطورت هذه الظاهرة المضحكة المبكية في الأيام الأخيرة فكل جماعة لها منطقتها ولا يجوز لجماعة أن تتسول بمكان جماعةٍ أخرى بإبرامهم اتفاقيات بين بعضهم البعض.

ولا نستطيع إنكار خطورتها على مجتمعنا، فهي تنذر بمستقبل بائس لهؤلاء الأطفال حيث الأمية التي تؤدي إلى الإدمان والبطالة وكثير من المشاكل لذا علينا تجنب هذه الكارثة وقطع الطريق عليها بفتح جلسات توعية لعائلاتهم وكذلك إعادة الأطفال إلى مدارسهم وتأمين حاجاتهم وإدخالهم لورشات تدريبية مهنية وفتح دورات توعية وتدريب للنساء والأرامل اللواتي يتسولن ليستطعن الاعتماد على أنفسهن في المستقبل ويقمن بتأمين لقمة عيشهن ، وتقديم فرص عمل تناسب كبار السنّ والمعوقين ممن تضرروا من الحرب وأصبحوا يتسولون وإعادةُ تأهيلٍ لكل من وقع بوحل العادات السيئة ومساعدته ليقف ثانية ويكمل حياته بعزّةٍ وكرامةٍ.

وهكذا نستطيع تجنب هذه الكارثة المحدقة بهذا المجتمع وننشئ جيلاً واعياً ومثقفاً بعيداً عن التسول ونصبح مجتمعاً فاضلاً أفضل ومنفتحاً بشكلٍ أكبر ولديه ثقافة ووجدان إتجاه مشاكله وهمومه.

المركز الإعلامي لقوات سوريا الدمقراطية.