الرئيسيةمقالاتعرقية الطغاة

عرقية الطغاة

محسن عوض الله

ثمة شيء ما يجمعهم، فلا يمكن أن تكون هذه الرؤى المتوافقة دون عوامل مشتركة، ويستحيل أن يكون هذا التشابه محض صدفة أو خيال.

قل عنهم ما شئت، خريجي نفس المدرسة، أبناء قومية واحدة، عرق واحد، دين واحد، مذهب واحد، في النهاية كلهم واحد، نفس العقلية، تماهي في ردود الأفعال، سياسات متطابقة لا تصدر إلا من خريجي مدرسة واحدة إنها مدرسة الاستبداد الشرق أوسطية.

بدأ واضحاً أن الاستبداد بالشرق الأوسط جزء لا يتجزأ من طبيعة المكان وليس له علاقة بقومية الإنسان، فلا فرق فيه بين عربيّ وكرديّ أو فارسيّ وتركيّ، فكلهم في الهم مستبدون، وكلنا في الهم شرق أوسطيون.

مقدمة قد تبدو طويلة نوعا ما، ولكنها مهمة لفهم حقيقة ما يحدث في ضوء التطورات الأخيرة بالشرق الأوسط والتي كان أخرها الانتفاضة الشعبية التي ضربت عدة مدن إيرانية خلال الأسبوعين الماضيين.

أكثر ما لفت نظري خلال متابعتي لأحداث إيران هو ردة الفعل الرسمية تجاه الأحداث، والتي تتشابه بدرجة ربما تصل لحد التطابق مع ردة فعل الأنظمة العربية خلال ثورات الربيع العربي في 2011.

“خونة ومتآمرون” هكذا وصفت حكومة الملالي المتظاهرين بأكثر من 60 مدينة إيرانية وهو نفس الوصف الذي أطلقه عليهم بشار الأسد بعد اندلاع الثورة السورية.

” جرذان” هكذا وصف الزعيم الليبي السابق معمر القذافي المشاركون في الثورة الليبية، وهو نفس الوصف الذي استخدمه رئيس الوزراء التركي في 2013 رجب طيب أردوغان في تعليقه على متظاهري حديقة جيزي عندما وصفهم بمجموعة من “القوارض”!

“مصر ليست تونس” عبارة تكررت كثيراً من مسؤلي النظام المصري عقب نجاح الثورة التونسية، وهروب الرئيس على زين العابدين، وسرعان ما انتقلت الثورة لمصر ونجحت “شكلياً” لتصبح مصر هي تونس وإن كانت الحقيقة غير ذلك.

وفى ليبيا لم يتعلم القذافي من أخطاء زملاؤه في مدرسة الطغاة بمصر وتونس، وخرج ليعلن أن ” ليبيا ليست مصر ولا تونس” فكانت نهايته ربما الأسوأ في ضحايا الربيع العربي.

 وفى صنعاء ودمشق تكررت نفس المشاهد، فلحق عبد الله صالح برفيقه القذافي، ويقف الاثنين منتظرين صديقهم الأسد نسأل الله أن يلحقه بهما قريباً.

الطريف أن البيانات الرسمية التي صدرت عن عواصم دول الربيع العربي خلال الثورة كانت شبه متطابقة، اتفقت جميعها في أن المتظاهرين عملاء وخونة، وأن هناك مؤامرة خارجية ” كونية” تستهدف زعزعة الاستقرار وتهديد الأمن القومي وإسقاط النظام.

وفى كردستان أيضاً، حيث إقليم فيدرالي ليس بدولة، وأحزاب تحكم وفق نظام يفترض أنه برلماني وليس حكم مطلق ، وحيث رئيس رفض استكمال مدة المنتهية منذ سنوات بعد فشل مشروعه في الاستقلال ، لم يختلف الوضع كثيراً بكردستان عن جيرانها العرب ، حيث ثأر الشباب احتجاجاً على الفساد والمحسوبية، فكانت التهمة جاهزة مؤامرة لنشر الفوضى يقودها عملاء ومخربون!

تكرر الفعل الشعبي بدول الشرق الأوسط، وخرجت الشعوب باختلاف ألسنتها تهتف ضد الفساد والاستبداد، فتكرر ردة فعل الطغاة باختلاف قصورهم وجلاديهم، فلا فرق بين طاغية عربي، وفاسد كردي، أو ديكتاتور تركي وثيوقراطي إيراني، فكلهم في النهاية طغاة فاسدون.

هذا التشابه الكبير في سياسة الأنظمة الشرق أوسطية بتباين قومياتها وأيدلوجياتها، ربما يصنع عرقية جديدة بالشرق الأوسط يمكن أن نسميها “عرقية الطغاة” وهي العرقية التي تضم في صفوفها كل الأنظمة الفاشية المستبدة بكل القوميات بالمنطقة عرب وأتراك وفرس وأكراد لتصبح تلك العرقية الجديدة خليط من أسوء ما في كل قوميات المنطقة.

لم تفكر كل تلك الأنظمة في إصلاح عيوب نفسها ، والاعتراف بوجود أخطاء قاسية تصل لحد الجرائم بحق الشعوب، لم تستشعر تلك الأنظمة أن القبضة الأمنية مهما كانت قوتها لابد أن تسقط يوماً، وأن الشعوب التي طالما غُلبت على أمرها ستنتفض يوماً ما بحثاً عن حريتها وحقوقها.

قد تفشل الثورات بالشرق الأوسط، وقد تقف الأنظمة بالمرصاد لطموحات الشعوب التواقة للحرية، ولكن ذلك لن يمنح تلك الأنظمة الشعور بالأمان، وستظل مترقبة تتخوف من غضبة جديدة تطيح بها وهي آتية لا محالة.

وتبقي الديمقراطية هي الحل لكل آفات الشرق الأوسط، وتبقي الفيدرالية وفلسفة الأمة الديمقراطية للمفكر أوجلان هي النظرية السياسية الوحيدة القادرة على مواجهة “عرقية الطغاة ” وتطهير الشعوب والمنطقة من دنس استبدادهم.