الرئيسيةدراساتقراءة حول ظهور المشكلة الاقتصادية وتطورها

قراءة حول ظهور المشكلة الاقتصادية وتطورها

د. أحمد يوسف

لم يدرك الإنسان وجود المشكلة الاقتصادية إلا في مراحل متقدمة من حياته، وذلك رغم شعوره أحياناً بعجزه عن تأمين ما يلبي حاجاته الأساسية والمتمثلة بالدرجة الأولى في المأكل والمشرب والحماية، تلك الحاجات التي يشعر الإنسان من دونها بعدم قدرته على القيام بأي نشاط اقتصادي من شأنه تحقيق تطوير على مختلف الأصعدة. فالفرد كان يقصد من نشاطه عندما كان يخرج للصيد الحصول على لقمة العيش التي تؤمن له بقاءه دون أن يكون له أي هدف آخر، حيث أن ما يحصل عليه نتيجة جهده المبذ ول كان يشكل له قيمة استعمالية فقط. ولما وجد الإنسان أن علاقته مع الطبيعة لا تخضع كلياً لإرادته.

إنما تتأثر بكمية ونوعية الموارد المتوفرة في الطبيعة من جهة وبعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان من جهة أخرى، ظهرت إلى السطح ما يمكن أن نسميه بالمشكلة الاقتصادية، والتي يمكن فهمها من خلال إجراء المقارنة ما بين الموارد المتوفرة في الطبيعة والحاجات الإنسانية. فعندما تكون هذه الموارد قادرة على تلبية الحاجات الأساسية للإنسان في إطار العلاقة المباشرة بين الإنسان والطبيعة، فلن تكون هناك أي مشكلة يواجهها الإنسان ما دام هو قادر على الاستمرار في الحياة دون الشعور بالألم نتيجة الجوع أو غيره من حاجاته.

باعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي، فإن علاقاته مع الطبيعة ستخضع لتأثير علاقاته مع الجماعة التي ينتمي إليها. وبالتالي ستتأثر هذه العلاقة بقدراته الذهنية والعضلية التي قد تؤدي به إلى احتلال مكانة متطورة مقارنةً بغيره من أفراد جماعته أو مكانة معاكسة تماماً لما ذكرناه، حيث أنه قد يبقى في مواقع متأخرة في جماعته نتيجة عدم قدرته على تأمين حاجاته. وفي كلتا الحالتين لا يسعى الإنسان إلى تأمين حاجاته فقط، وإن ما يتم إنتاجه هو ملك الجماعة كلها، لذلك سوف لن يكون هناك شخص واحد جائع في الجماعة الواحدة إلا إذا كانت الجماعة كلها معرضة للمجاعة، وذلك نتيجة غياب أهم مظاهر سلوك المنتجين في النظام الرأسمالي والمتمثلة في الطبيعة الأنانية للإنسان، وحب التملك والتنافس. فقد لاحظ كاهن يسوعي الطبيعة الرائعة للإنسان الفطري عندما عبر عن ذلك بالقول: لا يوجد الطموح والطمع في الغابات العظمى، لأنهم مسرورون بمجرد الحياة، ولا واحد منهم سلم نفسه للشيطان من أجل حيازة الثروة 1 .

إن الدافع الأولي الذي يوجه الإنسان نحو العمل –باعتباره كائناً متميزاً عن غيره من الكائنات- هو إشباعه للحاجات الأساسية، وهو لا يقوم بذلك مرةً واحدةً أو مرات عديدة، وإنما بصفة مستمرة متكررة. فالأمر يتعلق إذاً بعملية إنتاج مستمرة عبر الزمن. كما أنه يقوم لإنجاح مهمته في العمل باستخدام بعض الأشياء الجاهزة من الطبيعة، ثم يتطور به الأمر ليخترع بعض الأدوات المساعدة كالقوس والنشاب، والفأس الحجري. وتساهم هذه المخترعات بدورها في زيادة

إتقان عمل الإنسان وإنتاجيته، وبالتالي تزداد سيطرته على الطبيعة. ولا شك أن هذا الأمر يتحقق بزيادة درجة المعرفة لدى الإنسان.

إذاً، نلاحظ أن النشاط الاقتصادي اقتصر في بداياته على تأمين حاجيات الإنسان عبر تسخير الطبيعة ومواردها لإرادته، وزيادة المعرفة التي ساهمت بدورها في تطوير عملية الإنتاج. وتجدر الإشارة إلى أهمية دور المرأة في التأسيس لمفهوم الاقتصاد الخالي من الاستغلال إلى جانب الرجل، بل إن دورها كان أهم من دور الرجل في المجتمع الزراعي، كذلك في إدارة شؤون المنزل، “فقد استمر عمل النساء والرجال معاً ضمن جماعات تتكون من حوالي 40 فرداً، يقتطفون ثمار الفواكة وجذور النباتات ويصيدون الحيوانات البرية. وكانوا قادرين على عمل ذلك دون حكام أو سيطرة الرجال والنساء” 2 .

واستمرت هذه الحالة في بعض المجتمعات لغاية بدايات ظهور النظام الرأسمالي في القرن الخامس عشر. ولم تظهر المشكلة الاقتصادية إلا بعد تفرد الرجل بتأمين الحاجات وظهور ما يسمى بالقيمة التبادلية للمنتجات مع تجريد المرأة من الاقتصاد. وقد “تجسدت أكبر ضربة لحقت بالحياة الاقتصادية في إخراج الاقتصاد من يد المرأة وتسليمه إلى يد المسؤولين الذين يتصرفون كالأغوات من قبيل المرابين والتجار والمستثمرين وأصحاب المال والسلطة والدولة” 3 .

لقد أدى الإنتاج بغرض المبادلة إلى ظهور الحرفيين الذين تتجلى غايتهم من العملية الإنتاجية في تأمين حاجات الآخرين عبر تسليع المنتجات 4، وظهور مهنة التجارة التي أدت إلى تقسيم العمل للمرة الثانية في تاريخ البشرية، بعد التقسيم الأول للعمل ما بين الرجل والمرأة.

تجدر الإشارة إلى أن فائض الإنتاج كان يستخدم لتلبية حاجات جميع الأفراد في المجتمع من خلال تقديمها في صورة هدايا، لأن من يتراكم لديه الإنتاج الفائض لم يكن بمقدوره فرض احترام تجاه سلطته والامتثال لها، إلا عندما يشاطر ما يدخره مع أفراد جماعته. حيث ينظر إلى الادخار والتكديس بعين الجرم الأكبر 5، وبالتالي لم يكن ظهور التجارة أمراً يسيراً في إطار القناعات السائدة التي ترى في تسليع فائض الإنتاج عملية مناقضة للأسس الأخلاقية التي تساعد في التطور وتؤمن الاستقرار، حيث أنه ووفقاً لهذه النزعة الإنسانية. فإن التجارة تشكل خرقاً لناموس)قانون( الطبيعة، وبالتالي فهي تهدد حياة جزء من مكو نات المجتمع، لكن ونظراً لأن من يملك فائضاً في الإنتاج لديه استعداد لتسليع ما ينتجه.

فقد ترسخت ظاهرة التجارة وقوانينها بتأثير القوى المدافعة عن هذا التوجه.

وهكذا بدأت ظاهرة الاستغلال بالظهور في تاريخ البشرية عبر الحد من القوانين المنظمة لحياة الإنسان تحافظ على مصلحة بعض الفئات على حساب

بعضها الآخر والاستعاضة عنها بقوانين.

لقد استمرت المشكلة الاقتصادية منذ ظهورها عند التقسيم الاجتماعي الأول للعمل وعبر مختلف مراحل تطور البشرية إلى يومنا هذا.

على الرغم من سعي المدارس الاقتصادية بمختلف توجهاتها لمعالجتها وفقاً لمناهجها الفكرية، وهي تحتل اليوم أهمية كبيرة على المستويين القومي والد ولي 6. ومن الثابت أن لهذه المشكلات انعكاسات سياسية واجتماعية لا يمكن إنكارها 7 .

نعتقد أن استعصاء هذه المشكلة على الحلول ناتج عن قصر التحليلات الاقتصادية الساعية إلى معالجتها على بعض جوانبها وإهمالها لجوانب أخرى منها، وذلك بما يتماشى مع مصالح الفئات والجهات التي تقدم على معالجة المشكلة الاقتصادية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك بكثير في سياق تطور الفكر الاقتصادي. ونخص بالذكر الفترة التي تلت ظهور الرأسمالية الأوروبية وسعيها إلى تحريف مسار التطور الاقتصادي نحو إخراج الاقتصاد من مفهومه كعلم يلبي حاجات الأفراد والمجتمع إلى أداة يهتم من خلالها الرأسماليون بتحقيق الربح عبر زيادة درجات الاستغلال للموارد الطبيعية والبشرية على حدٍ سواء.

يستوجب دراسة المشكلة الاقتصادية معها دراسة بعض القضايا المتعلقة بالإنسان والاقتصاد لتسهيل فهم الاقتصاد من جهة ولتسهيل وظيفة الاقتصاديين في معالجة المشكلة الاقتصادية النابعة في جذورها من وجود فارق بين الحاجات الإنسانية والموارد التي تلبي هذه الحاجات. وسوف نلاحظ أن معالجة هذه المشكلة يجب أن تكون من خلال تقليص الفوارق بين الحاجات والموارد إلى درجةٍ تنعدم فيها هذه الفوارق، وبالتالي يمكننا الحكم على النظريات الاقتصادية التي ظهرت عبر التاريخ لمعالجة هذه القضية من خلال النتائج التي تحققت على صعيد تقليص الفوارق أو توسيعها، من خلال تزايد أو تقلص حجم المشكلات الاقتصادية الناجمة عن هذه المشكلة الرئيسية، كمشكلة البطالة، والركود الاقتصادي، والتضخم، وانهيار الأسواق المالية، وأزمات فيض الإنتاج في الوقت الذي تعاني ما يزيد عن خمس سكان العالم من الفقر.

ولعل من أهم ما يجب دراسة وفهم ماهيته في سياق دراسة تطور الاقتصاد والنظريات المفسرة له. هو الحاجات بمختلف أنواعها)اقتصادية، وغير اقتصادية( وكذلك الموارد الاقتصادية. والهوة المتعاظمة بينهما بتأثير الفعل الإنساني.

أولا ا-الحاجات

يعبر هذا المفهوم عن جوهر تشكل علم الاقتصاد، بصفته العلم الذي يسعى إلى تحقيق التوازن ما بين الموارد والحاجات، فلولا وجود هذا المصطلح باعتباره أحد طرفي المعادلة المتكونة من الموا رد والحاجات لكانت الحاجة إلى وجود ما يسمى بعلم الاقتصاد معدومة. ونظراً لأهمية هذا المصطلح في علم الاقتصاد، والنظريات الاقتصادية. يعتبر فهمه ضرورياً لتسهيل وظيفة الاقتصاديين في إطار سعيهم إلى حل المشكلة الاقتصادية الأساسية والقضايا الاقتصادية المتفرعة عنها.

إن الحاجة بما لها من خصائص تترك أثراً سلبياً على آليات معالجة المشكلة الاقتصادية. ويؤدي هذا الأمر إلى تزايد درجة الصعوبات التي تواجه الاقتصاديين الباحثين عن الحلول التي تحقق التوازن العام وتعقد مهامهم العلمية، إضافةً إلى ذلك تتيح المجال أمام التفسيرات الخاطئة والناقصة من أجل ترسيخ مفهوم التمايز وشرعنة الاستغلال الممارس من قبل بعض الفئات على الفئات الأخرى داخل المجتمعات. وتزداد التعقيدات لدرجة تضعف فيها قدرة أكثر النظريات ثوريةً ومضادة لقوى الاستغلال على إجراء التحليلات العلمية الراسخة وتقع نتيجة ذلك هذه النظريات في فخ الاستغلال الذي اكتسب صفة الشرعية في ظل السيطرة الرأسمالية.

جدير بالذكر أنه ونتيجة للتطور وظهور تقسيم العمل فقد أصبح الاقتصاديون ينظرون إلى أنه ليست الحاجات كلها اقتصادية، حيث تنحصر الحاجات الاقتصادية في تلك التي تتوفر وسيلة تلبيتها، ويكون صاحب الحاجة قادراً على حيازتها وتلبية حاجته منها. بمعنى آخر يمكن القول أن الحاجة الاقتصادية هي تلك التي يقترن حيازتها بالقدرة على دفع مقابل لها، وإلا فإنها تبقى مجرد رغبة ولا يعتد بها اقتصادياً، وكأن الإنسان- ووفقاً لوجهة النظر هذه –عندما كان يؤمن حاجاته من الطبيعة مباشرة ويبذل من أجل الحصول عليها جهداً كبيراً أو صغيراً لم يكن يؤمن حاجاته، لأنه لم يدفع شيئاً مقابل الحصول عليها، واعتبروا الحاجات التي تؤمن بهذه الطريقة حاجات غير اقتصادية كالهواء الذي نستنشقه مباشرةً من الطبيعة، واصبحت الحاجات الاقتصادية مرتبطةً بظهور تقسيم العمل والتبادل، أي بالدخول إلى المجتمع الطبقي. إن هذا التفسير للحاجات ينفي وجود الاقتصاد في مرحلة المجتمع اللاطبقي، على الرغم من أن الإنسان عاش أفضل صور المساواة في تلك المرحلة وحقق أجمل تعبير لعلم الاقتصاد. ولا تدخل الحاجات بهذا الشكل ضمن العلاقات الاقتصادية، وتسبب حالةً إشكالية يجب أن يتصدى لها علم الاقتصاد، هذه الحالة الاشكالية نابعة من ضرورة تحويل الرغبات الموجودة لدى الإنسان، والمنسجمة مع الجوانب الإنسانية إلى حاجات اقتصادية تمت تلبيتها، وهذه تشكل جوهر علم الاقتصاد الذي يمكننا نعته على أنه علم تلبية الحاجات الإنسانية.

بالاستناد إلى ما ذكرناه أعلاه يجب أن ندرك أن الاقتصاد الذي لا يسعى إلى تحقيق تلبية الحاجات الإنسانية بصورةٍ عادلة، والذي لا يسعى إلى القضاء على علاقات الاستغلال لا يمكن وصفه بأنه علم اقتصاد، ويمكن إدخاله في خانة النتائج الرقمية لعلم الرياضيات ويتم توظيفه لممارسة الاستغلال عبر أبشع صوره، ويبلغ الأمر في راهننا الحالي أن الاقتصاد خرج عن كونه علم الاقتصاد الذي بدأ من فن التدبير المنزلي إلى المقامرة في أسواق المضاربة في مختلف القطاعات التي تكون الاقتصاد الق ومي في جميع دول العالم، ويؤدي إلى خلق منافسة لا أخلاقية نحو بلوغ أرقام خيالية من الثروات لأشخاص معدودين على وجه المعمورة إذاً الاقتصاد بانحرافه نحو هذا المفهوم تحول إلى علم قياس الثروات للأفراد وكيفية تجميع هذه الثروات دون النظر إلى الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، ودون النظر إلى الأبعاد السياسية الكارثية لها.

ثانيا-الموارد

لقد أدى التطور الهائل في تاريخ البشرية إلى تعقيد مشكلة الحصول على الموارد الطبيعية غير الجاهزة. وقد فرض هذا التطور على قوى الإنتاج بذل المزيد من الجهود لتجهيز تلك الموارد وجعلها صالحة لتحقيق المنفعة للإنسان. لقد أطلق على الموارد تسمية “السلع”، كما ميز الاقتصاديون بين الموارد الاقتصادية في إشارة إلى الموارد التي يتم الحصول عليها بعوض والموارد غير الاقتصادية، وهي تلك الموارد التي لا نحتاج للحصول عليها إلى دفع مقابل لها. يرسخ هذا التقسيم للموارد أيضاً لحالة الفرز الطبقي، شأنها في ذلك شأن الحاجات الاقتصادية. ويؤدي كلا التقسيمين إلى تمهيد الأرضية لأطروحات المذاهب الاقتصادية الرأسمالية وتمنحها التبرير للغوص إلى مستوى العمق في تحليلاتها حول مختلف المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية المترسخة في ظل تطوير النظام الرأسمالي منذ أيام الميركانتلين لغاية يومنا هذا. وتظهر هذه الحقيقة واضحة في آليات تلك المذاهب لتحليل الظواهر الاقتصادية التي تطفو إلى السطح من حين لآخر.

ثالثا ا-توسع الهوة

لم يشهد تاريخ التطور السكاني ظاهرة النمو الهندسي للسكان، مقابل النمو الحسابي للإنتاج. لذلك لم يكن مالتوس منطقياً في طرحه لنظريته في السكان. وقد يتبادر إلى ذهن المرء للوهلة الأولى لقراءة هذه النظرية وتحليلها بأن مالتوس كان على درجةٍ عالية من السذاجة الفكرية وحتى الحسابية، لأن الحقائق التاريخية تثبت أن أغلب المجتمعات البشرية.

من الباحثين الأصليين عن الطعام في إقليم السافانا الإفريقي إلى المجتمعات الزراعية المستقرة لغاية قرن التاسع عشر تقريباً، عاشت حياة اقتصادية صاغتها حقيقة بسيطة واحدة وهيمنت عليها: ينبغي أن يتساوى عدد المواليد على المدى الطويل مع عدد الوفيات. 8 مثل الإنسان في ذلك مثل الحيوان. من منطلق أن المنطق الذي يسود عالم الحيوان هو حالة شبه متوازنة في النمو على المدى البعيد. ولم تنحدر القضايا الاقتصادية المختلفة إلى مستويات خطيرة إلا اعتباراً من القرن التاسع عشر، وخاصةً ما يتعلق منها بقضية قدرة الموارد على تلبية الحاجات.

السؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا ينتشر الفقر وتحدث المجاعات في مختلف أصقاع الأرض، إذا كانت الحياة الإنسانية في حالة استقرار نسبي؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف أن المنطق المالتوسي في النمو يعتمد على افتراضات نوردها كما يلي:

1 . ينمو السكان وفق متوالية هندسية بينما تزداد الموارد وفق متوالية حسابية.

2 . ترتفع معدلات الإنجاب لدى الفقراء في المجتمع، وبالتالي هم يتحملون مسؤولية انتشار ظاهرة الفقر والمجاعات.

3 . ستقوم الطبيعة بدورها الاصطفائي لمواجهة الفعل التخريبي للفقراء والمتمثل بعدم التزامهم بالإنجاب مثل الأغنياء في المجتمع، وذلك من خلال حدوث الحروب أو الزلازل أو الكوارث الطبيعية، كانتشار الأوبئة.

نلاحظ من خلال الفرضيات التي يطرحها مالتوس عن النمو السكاني وعلاقة ذلك بالفقر بأن مالتوس يسعى إلى بذل كل جهده لإثبات أن الطبقات الفقيرة في المجتمع تلعب دوراً سلبياً اتجاه التوا زن المتحقق ما بين الموارد الطبيعة والحاجات. يحمل الفقراء وزر تزايد الهوة ما بين الموارد والحاجات واختلال التوازن في الحالة الطبيعية التي سادت آلاف السنين. ويسعى في طرحه هذا إلى تبرئة الطبقات العليا في المجتمع من دورهم المنطقي في إحداث الخلل في التوازن الذي كان سائداً عبر التاريخ. وذلك على العكس من وليام غودوين وماركيز دي كوندورسيت في القرن الثامن عشر، حيث أنهما جادلا كثيراً بأن البؤس والشقاء والرزيلة الكثيرة الشيوع في العالم لم تكن نتيجة طبيعة الإنسان التي لا يمكن أن تتغير وإنما نتيجة الحكم السيء. 9

بهذا الشكل حاول مالتوس إخفاء الحقيقة الجلية في علم الاقتصاد. تلك الحقيقة التي تثبت أن أصل المشكلة الاقتصادية ليست نابعة من الطبيعة الإنسانية، ولا من ندرة الموارد الطبيعية، وإنما نابعة من المؤسسات التي تدير المجتمع والمتولدة من رحم نظام نهبوي فرض نفسه منذ القرن الخامس عشر عبر آلياته النهبوية بإفراغ المزارع من مالكيها في بريطانيا وسلب ثروات الشعوب بتوظيف نتائج الاكتشافات الجغرافية الجديدة، والتي ساهمت في فتح قريحة الرأسمال الأوروبي على ثروات الشعوب الأفريقية والأمريكية والآسيوية.

تشير المصادر التاريخية أن الاكتشافات الجغرافية كانت بمثابة كارثة اقتصادية وإنسانية في الوقت ذاته على الشعوب القاطنة على السواحل الإفريقية ومدينة ماليندي الماليزية وكالكوتا الهندية. فقد فرض البرتغاليون على الأفارقة احتكاراً حرمهم من البيع والشراء إلا معهم وبالشروط التي يفرضونها عليهم 10 .

إن ما حققه فاسكو دي غاما نتيجة دورانه حول رأس رجاء الصالح في رحلته النهبوية. قد بلغت قيمتها أكثر من ستين ضعفاً من تكاليف البعثة 11 .

وحقق هذه النتيجة بسبب ثلاثة عوامل رئيسية وهي:

أولا -نهب الذهب الذي كان ينتج في معظم المناطق الإفريقية وبكميات هائلة.

ثانيا -تحويل كميات هائلة من المنتجات الاستوائية إلى القارة الأوروبية، مثل العاج وبعض المحاصيل الاستوائية، وذلك مقابل المنتجات الأوروبية المتمثلة في الخمور والبارود.

ثالثاً-تجارة الرقيق الأسود)العبيد( التي كانت أول استثمار دولي لرأس المال على نطاق واسع. حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الإفراغ البشري الذي حدث في إفريقيا خلال فترة بدايات اكتشاف رأس رجاء الصالح يقدر بعدد يتراوح ما بين 60 مليون و 100 مليون مواطن إفريقي 12 .

إذا نظرنا إلى أضخم نشاط نهبوي في القرن الخامس عشر وهو وصول كريستوفر كولومبس إلى أمريكا الوسطى في العام 1492 إلى جانب نشاط البرتغاليين للوصول إلى الهند عبر رأس رجاء الصالح، فلن نجد اختلافاً في جوهر وطبيعة النشاط الذي مارسه كلاً منهما، فالهدف الذي خرج من أجله كولومبس سنجده مطابق تماماً لما سيخرج دي غاما من أجله بعد ستة أعوام، ويتمثل هذا الهدف في ممارسة النهب والسرقة والغش والإبادة الجماعية بحق الشعوب المتحضرة في أمريكا 13 وأفريقيا والتي كانت تعيش جميعها في مرحلة اقتصادية سابقة للرأسمالية، وتعيش في حبٍ ووئام وتطور طبيعي نحو الارتقاء بالقيم الإنسانية في ظل اقتصادٍ قائم على الاكتفاء. لقد لاحظ الإسبان، الذي كانوا يستهدفون نهب ثروات الهنود الحمر والعودة إلى أوروبا، أن مرحلة التطور والرقي التي وصل إليها الشعوب الأمريكية تتجاوز كثيراً التطور الحاصل على الأراضي الأوروبية. وكان يظهر هذا الأمر جلياً من خلال المعابد التي أشادها السكان الأصليون في أمريكا والمزدانة بالذهب والفضة وسواهما من المعادن الثمينة. لذلك قرروا الوصول إلى مصادر هذه المعادن الثمينة واستغلالها، بعد طرد أصحابها من السكان الأصليين. وقد حصل هذا الأمر فعلاً، حيث أن الأوروبيون انغمسوا في ممارسة الجريمة المنظمة ضد السكان المحليين المسالمين والمتحضرين، وإنجازاتهم الحضارية، فأجبروهم على العمل في منابع إنتاج المعادن الثمينة ومزارع القطن والكاكاو والبن التي تم تصدير منتجاتها إلى أوروبا، وجردوا دور العبادة من المعادن الثمينة ودمروها.

يتأكد لنا من خلال دراسة تأسيس المنظومة الرأسمالية لأوروبية أنها تخصصت منذ بداياتها في عمليات النهب. ومهدت لتشكيل منظومة أوروبية قائمة في الأساس على الصراع الذي يقضي على عدالة توزيع الثروات، أو على اقتصاد الاكتفاء الذاتي، وسارعت حكوماتها إلى جانب طبقة الأغنياء فيها إلى تشكيل الشركات التجارية والصناعية لتزيد من وتيرة النهب الممارس بحق الشعوب الأخرى. وقد تم الاعتماد بالدرجة الأولى في عمليات النهب التاريخي على القوة العسكرية.

بشكل عام يمكننا أن نؤكد أن معظم المدارس الاقتصادية قد ظهرت في المرحلة التي تلت التوسع الكولونيالي الأوروبي، وفي هذا إشارة واضحة إلى دور هذه المدارس الاقتصادية في تنظيم عملية النهب وعلمنتها إن صح التعبير، أو بعبارة أدق السعي إلى تأمين الغطاء العلمي لتلك العمليات التي كانت غريبة عن السلوك الإنساني واصبحت اليوم تشكل جوهر هذا السلوك. لكن ذلك لا ينفي وجود الفكر الاقتصادي في مرحلة ما قبل الرأسمالية، حيث تشير الدراسات التاريخية والاقتصادية إلا أن الحضارات الإغريقية والميزوبوتامية قد سعت إلى تنظيم الحياة الاقتصادية بالشكل الذي يحمي المجتمعات من الفقر والانهيار. تشكل أفكار أفلاطون وأرسطو مقدمات جوهرية تستند إليها الأفكار الاقتصادية في المراحل اللاحقة واستمرت تأثير هذه الأفكار لمراحل قريبة قبل ظهور النظام الرأسمالي، كما أن الأسس الحضارية التي مزجت ما بين الفكر والنمو الاقتصادي في بلاد ما بين النهرين)ميزوبوتاميا( ليست أقل شأناً من الأطروحات الإغريقية في التطور، وتثبت الدراسات التاريخية أنه عاشت في مدينة بابل أكثر من سبعين قومية في ظل عدالة اقتصادية واجتماعية، وهي تمثل حالة فريدة تاريخياً لغاية يومنا هذا. وكان هذا التعايش سبباً لظهور نهضة حضارية مستندة إلى تنمية زراعية في المنطقة الممتدة من جبال زاغروس إلى سهول حران وأورفة. مقابل هذا النمو في الزراعة فُتِحت الأبواب أمام النشاط التجاري وانتشرت المدن والأسواق التجارية بشكل واسع النطاق في المدن الإغريقية، وتتأسس الوكالات التجارية في المدن الآشورية الاستبدادية، وتمهد الأرضية المناسبة لتأسيس الإمبراطورية الآشورية سياسياً باعتبارها أداة حماية للنشاطات الاقتصادية. إن هذه الحالة التي نشهد فيها تطور الإم براطوريات وأفعالها التجارية برياً وبحرياً تؤكد لنا أنه إلى جانب تطور الفكر الاقتصادي القائم على العدالة، سادت الممارسات الرأسمالية منذ بدايات الألف الأخير قبل الميلاد، حيث أنه هناك النشاط التجاري الذي أفرز كبار التجار، والذي يرافقه الحروب والمعارك الطويلة الأمد للسيطرة على المقدرات الاقتصادية وطرق المواصلات لتحقيق المزيد من الثروات.

لكن هذه الممارسات الرأسمالية لم ترتق إلى مستوى نظام اقتصادي اجتماعي يدعى بالنظام الرأسمالي إلا بدءاً من القرن الخامس عشر في أوروبا وقبل ذلك بحدود قرن تقريباً في الصين، إلا أن ال رأسمالية الصينية لم تكن توسعية كما هو عليه حال الرأسمالية الأوروبية. حيث أنه ظهور هذا النظام قد ترافق مع التوسع الأوروبي نحو المناطق المختلفة في العالم، وسعيها إلى تحقيق الربح الأعظمي في جميع الظروف وفي ظل كل المعطيات.


1 -كريس هارمن، الاقتصاد المجنون. مركز الدراسات الاشتراكية، كراسات اشتراكية –العدد الخامس، ص: 26

2 -كريس هارمن، الاقتصاد المجنون. مركز الدراسات الاشتراكية، مرجع سبق ذكره، ص: 25

3 -عبد الله أوجالان، حول الاقتصاد. منشورات أكاديمية عبد الله أوجالان، ص: 6

4 -يقصد بتسليع أو تبضيع المنتجات، جعل ال م نتج قابل ا للمبادلة بعوض نقدي أو مادي، وقد أدت هذه الظاهرة في مراحل متقدمة

من حياة الإنسان إلى ظهور الاستغلل والقضاء على العدالة المحققة في نظام المشاعات البدائية أو الكلنات.

5 – عبد الله أوجالان، حول الاقتصاد. مرجع سبق ذكره، ص: 26

6 -يسعى فكر الأمة الديمقراطية إلى إحلل مفهوم جديد كلياا بدلاا عن مفهوم الدولة القومية الذي أدى إلى إقصاء معظم القوى عن

المساهمة في عملية التنمية الاقتصادية، فهو يتبنى مفهوم مساهمة جميع المكونات المشتركة في جغرافيا معينة بشكل مشترك

في عملية التنمية، دون النظر إلى الانتماء الأثني أو الطائفي أو الديني. وهو بذلك يسعى إلى تحقيق مستوى تشغيل قريب من

مستوى التشغيل الكامل.

7 -مختار عبد الحكيم طلبة، مقدمة في المشكلة الاقتصادية)النظم الاقتصادية، بعض جوانب الاقتصاد الكلي، عوامل الإنتاج(. منشورات جامعة القاهرة، القاهرة، 2007 ، ص: 2

8 -غريغوري كلرك-الاقتصاد العالمي)نشأته، وتطوره، ومستقبله(. الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009 ، ص: 35

9 – غريغوري كلرك-الاقتصاد العالمي)نشأته، وتطوره، ومستقبله(. الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009 ، ص: 52