الرئيسيةمقالاتكرد أوجلان وسياسة أردوغان

كرد أوجلان وسياسة أردوغان

محسن عوض الله

كعادته وقف مهدداً بالويل والثبور، متوعداً بعظائم الأمور، لا يمل من تكرار كلامه أو تجديد تعهداته، فكلماته دوماً لا تتخطي حدود حنجرته، وتهديداته نسخ مكررة.

إنه الرئيس التركي رجب أردوغان، الذي ارتبط اسمه في الأيام الأخيرة بالتهديد والوعيد لأكراد سوريا، فيكفي أن تبحث باسمه عبر مؤشر البحث لتري كم التهديدات التي يطلقها، والوعود التي يقطعها على نفسه لمحاربة كرد أوجلان.

ربما آخر تلك التهديدات إعلان أردوغان نيته إقتحام مدينة عفرين بشمال سوريا أو تهديده باستهداف مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي ينعتها دائما بوصف الإرهابية رغم أنها أهم حلفاء التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الذي تقوده واشنطن أو تهديده بمواجهة القوة الحدودية التي أعلنت واشنطن تأسيسها بشمال سوريا ليس لشىء سوي أن قياداتها ستكون من الأكراد.

لا يتوقف أردوغان عن معاداة أكراد سوريا ، وعدم الإعتراف بأي حقوق لهم فى الأزمة السورية ، فقد وقف سدا منيعا ضد أى مشاركة لهم فى مباحثات جنيف والأستانة ومازال متعنتا ضد حضورهم فى مفاوضات سوتشي المزمع عقدها الأيام القادمة .

يتعامل أردوغان مع كرد سوريا بسياسة “الإنكار والإبادة” التي طالما اتبعتها تركيا في تعاملها مع الأكراد، فكما يري السيد عبد الله أوجلان فإن العلاقات التركية الكردية تعتمد على الإعتقاد بفناء الكرد فى فترة وجيزة بمجرد إصدار أمر الإنكار والإبادة بشأنهم تحت ظل حاكمية السلطة.

ويري أوجلان في المجلد الخامس من كتابه “القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية” أن السلطة في تركيا تعتقد بأن أساليب جمعية الإتحاد والترقي ومقارباتها التي نجحت في تصفية الأرمن سوف تثمر لدي تطبيقها على الكرد، مشيراً إلى أنه بعدما أقنع هؤلاء شعبهم وأمتهم بسياسة الرياء والإنكار هذه فإنهم لم يتوانوا أمام مرأى العالم أيضاً عن اعتماد الفكر الذي مفاده أنه ما من ظاهرة اسمها الكرد!

“لا يوجد شىء اسمه الكرد أو القضية الكردية” بهذا المفهوم الإقصائي يتحرك أردوغان ومن قبله من حكام تركيا، فهم كمن ينظر للسماء مغمضاً عينيه ثم يزعم عدم وجود شمس!

طوال سنوات الأزمة السورية كانت معاداة الكرد هي الخريطة التي تسير عليها السياسة الخارجية التركية، فلم يكن التحرك التركي بسوريا نابعا يوماً من وازع أخلاقي أو قيمي وما حدث في حلب خير دليل على الميكافيلية التركية فكل شيء في ميزان الأتراك قابل للبيع.

لم يتوقف أردوغان عن سياساته تجاه سوريا التي لا تري فى كرد أوجلان سوي “إرهابيين”، رغم أن أوجلان سبق وأطلق مبادرة لوقف القتال بين الحكومة التركية وحزب العمال، وصمدت هذه المبادرة لأكثر من عامين قبل أن تنتهكها الحكومة.

 تعادي تركيا أكراد أوجلان ربما لامتلاكهم مشروعاً فكرياً واضحاً تم تجسديه بالفعل على أرض الواقع في مشروع فيدرالية شمال سوريا التي تمثل 40 % من الأرض السورية وتفوق مساحتها مساحة دولة لبنان الشقيقة، نجح كرد أوجلان في تطبيق كلماته على الأرض لتصبح الأمة الديمقراطية حلم يتحقق لشعوب طالما عانت من الظلم والإستبداد والإقصاء، نجح كرد أوجلان في تحقيق المعادلة شبه المستحيلة بالشرق الأوسط وهي فكرة قبول الآخر دون تخوينه أو اقصاءه.

 رغم كل الإجراءات التركية ضد كرد أوجلان تمددت الفكرة وحظيت بدعم أكبر القوي العالمية وصارت قوات سوريا الديمقراطية جزء من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، كما شارك مراقبون من موسكو وواشنطن فى متابعة انتخابات الكومينات التي جرت بشمال سوريا أواخر العام الماضي .

تمدد الكرد بديمقراطيتهم الوليدة، وتقزم أردوغان بعدائه للكرد الذي حوله لشخص مستبد لا يختلف عن حكام الدول العربية التي يهاجمهم ليل نهار، وأصبحت التقاريبر الدولية لا تتوقف عن الحديث عن التراجع المستمر للديمقراطية التركية خاصة بعد التحول من النظام البرلماني للرئاسي العام قبل الماضي.

سطعت شمس الكرد ربما لأنهم كانوا أكثر إخلاصا لفكرة الإنسانية وحق الشعوب في التعبير عن نفسها ما جعل واشنطن تختارهم كعمود للجيش السوري الجديد والذي بدأت نوايا تشكيله من خلال القوة التي أعلن عن تشكيلها الأسبوع الماضي لمراقبة الحدود بشمال سوريا بقيادة كردية.

نجح الكرد وكبرت شوكتهم وأصبحوا جزءا من الحاضر والمستقبل، وعلى تركيا أن تدرك أن كرد أوجلان ربما سيشكلون الضلع الأهم في مستقبل سوريا وأن فكرة القضاء عليهم أو معاداتهم أمر لن تسمح به القوي الدولية وخاصة أمريكا فضلا أن هذه الفكرة أصبحت غير منطقية أو واقعية من الأساس.

لا سبيل أمام أردوغان وكل الساسة الأتراك سوي الإعتراف بالكرد كقومية لها حقوق كاملة سواء داخل الأرض التركية أو خارجها بسوريا والعراق وحتي إيران ، على أردوغان أن يدرك أن سياسة الإنكار والإبادة انتهي زمانها وأثبتت فشلها الذريع ، وأن التهديدات لن تجدي نفعا والمواجهات العسكرية خسائرها أكثر من مكاسبها .

على أردوغان أن يفتح عينيه بسرعة ليري شمس الكرد التي غطت سماء سوريا وتستعد لنشر الدفء والنور في أنحاء الشام، من مصلحة أردوغان والدولة التركية أن تنظر لأكراد أوجلان نظرة مختلفة عن تلك النظرة الفاشلة التي تتعامل بها منذ سنوات.

 يجب أن يدرك أردوغان أن كرد أوجلان يختلفون شكلاً وموضوعاً عن كرد العراق، وأن فكرة صناعة موالين أو رجال لهم داخل روج آفا لن تجدي نفعا نظرا لتباين الوضع بين الشمال السوري والعراقي.

ختاماً.. ربما ليس أمام الأتراك سوي خلع النظارة السوداء والتخلي عن الغطرسة العثمانية وإرث أتاتورك والاتحاد والترقي والنظر بواقعية للعالم، وساعتها فقط سيدرك ساسة الأتراك أن ليس لهم صديق “قوي أمين” مثل كرد أوجلان وسيدركون وأخشي أن يحدث هذا بعد فوات الأوان أن فكر أوجلان هو صمام أمان لبقاء وأستقرار الدولة التركية ذاتها ..