الرئيسيةمقالاتمقاومة عفرين وسقوط الرهانات

مقاومة عفرين وسقوط الرهانات

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

لا يتطلّب الأمر بذل كثير من العناء والجهد لفهم ما يدور في عفرين وعليها، خلال اسبوع من الغزو الهمجيّ التركيّ عليها. فإن قرأنا الحدث الذي جلجل كردستان وسوريّا، بل المنطقة والعالم، ودون أيّ مبالغة، من زاوية سقوط كافة الرهانات المعقودة على سقوط مدينة الزيتون في أيدي برابرة العصر، فإنّنا نسلّم بأنّ عفرين الآن ترسم الآن مستقبل سوريّا الغد. اسبوع ونجحت عفرين في الامتحان، إن كان هناك من يريد امتحان قدراتها وإمكانيّاتها على الصمود والمقاومة. عفرين، وفي الضربة الأولى، كسرت شوكة العدوان، عسكريّاً وسياسيّاً وحتّى إعلاميّاً.

اعتقد الكثيرون أنّه يُعاد سيناريو كركوك في عفرين، من خلال صفقات سياسيّة دنيئة بين اللاعبين الدوليين في السّاحة السّورية، حتى وصل بهم إلى حدّ تصور مقايضة إدلب بعفرين، على غرار ما حصل في حلب، متجاهلين – وبعضهم عن قصد وغباء سياسيّ وإستراتيجيّ – حجم المقاومة التي يبديها الشعب الكرديّ ومعه كافة المكوّنات في إقليم عفرين ضدّ الغزو التركيّ، إلى جانب عدم رؤية الفوارق بين حركة التحرّر الكردستانيّة في روج آفا وشمال سوريّا، والحركة السياسيّة في باشور كردستان.

روسيّا تنصّلت من التزاماتها الأخلاقيّة والسياسيّة

الدور الروسيّ الذي مهّد لتركيا تنفيذ هذا العدوان، كان واضحاً، فروسيّا التي تستميت في ضمّ الفصائل العسكريّة المتطرّفة إلى جانبها، لإنجاح مؤتمر “سوتشي” المزمع عقده أواخر هذا الشهر، تسعى إلى فرض سيطرتها السياسيّة من خلال النظام، وبمساعدة من تركيّا، لتحكم قبضتها على مناطق نفوذها في الشّمال السّوريّ، والشروع في السيطرة على إدلب وريفها،. والورقة التي استخدمتها تركيّا ضدّ روسيّا قبل عدوانها على عفرين، كانت في استهداف قاعدة حميميم وطرطوس وريف اللاذقيّة الشّماليّ، للحصول على ضوء أخضر روسيّ لغزو عفرين، وهو في جوهره دفع تركيّا للغرق في مستنقع عفرين، فروسيّا تراجعت عن التزاماتها كدولة عظمى ضامنة لنزع فتيل الحرب في سوريا، لتتساوق مع تركيّا في موافقة الأخيرة على مدّ أنبوب الغاز الرّوسيّ عبر أراضيها إلى أوروبا.

سقوط الإعلام التركيّ في معركة غزو عفرين

معادلات الميدان التي فرضتها قوّات سوريّا الديمقراطيّة ومعها وحدات حماية الشعب والمرأة، قلبت موازين القوى التي كانت تعتقد تركيّا أنها قادرة على تغييرها لصالحها خلال أقلّ من 24 ساعة، فحتّى إعلامها المضلّل ومعه الإعلام الخليجيّ وخاصّة الجزيرة والتي استنفرت لتغطية العمليّة، فشلت ولم تتمكّن من فبركة وتمويه الهزيمة التي مُنِيَ بها الجيش التركيّ ومرتزقة درع الفرات، فحتّى الفيديوهات التي بثّتها عن توغّل وسيطرة الجيش التركيّ على أجزاء أو قرى من عفرين، أثبت كذبها وعدم موثوقيّتها بواسطة وسائل إعلام عالميّة محترفة. على العكس تماماً، باتت الوسائل الإعلاميّة المحلّيّة في عفرين والتي تنقل الحدث ومن مواقع الاشتباكات وتلك القرى التي يدّعي الجيش التركيّ ومرتزقته أنّهم قد سيطروا عليها، تحظى بمصداقيّة كبيرة، ومصدراً لأهمّ الأخبار الواردة من عفرين. فوكالة أنباء الأناضول التابعة للاستخبارات التركيّة (الميت)، لم تعد تلك الوسيلة التي تستقي منها كافة الوسائل الإعلاميّة مادتها الصحفيّة، بعد أن كشفت أنّها محترفة في التدليس والكذب والتلفيق.

صمود للأهالي مع القوّات

المقاومة التي يبديها مقاتلو ومقاتلات قوّات سوريّا الديمقراطيّة في جبال عفرين الوعرة، جعلت الجيش التركيّ يعمد إلى استخدام سلاح الطيران والمدفعيّة الميدانيّة الثقيلة، ويستهدف فيها منازل وبيوت المدنيين، وهذا دليل على عجز وتقهقر قوّاته ومرتزقته في الجبهات، ليروّع المدنيين، ويدفعهم إلى النزوح. ولكن خلال اسبوع من المواجهات العنيفة، أثبت أهل عفرين قدرتهم على استيعاب هذا الهجوم، ووقفوا صفّاً واحداً خلف قوّاتهم التي تخوض معارك الدفاع عنهم، ولم ينزح أحد من منزله، بل أصبحوا متاريس أمام الغزو التركيّ ومرتزقته ولا أدلّ على ذلك أهالي قرية “عداما” و”ميدان أكبس” و”قرمتلق” الصامدين.

اللحمة المجتمعيّة التي يبديها أهالي عفرين، ومن كافة المكوّنات وعلى كافة المستويات، هي ضمانة كسر الهجمة الشرسة، ورغم عدم التكافؤ في موازين القوى العسكريّة، حيث تحشد تركيّا قوّات النخبة لديها في المعركة، إلى جانب جيش من المرتزقة، إلا أنّ وقوف الشعب والتحامه مع قوّاته؛ أثبت انتصار مقاومتهم ومنذ اليوم الأوّل للغزو. فتركيّا التي تستخدم كافة صنوف الأسلحة، الطيران الحديث والمدفعية الثقيلة، وراجمات الصواريخ، إلا أنّها لم تتمكّن من إحراز أيّ تقدّم يذكر وفي كافة الجبهات، بل أعداد قتلاها يُعدّون بالمئات، وهي منتشرة في حقول الزيتون وبين الأشجار البرّيّة وعلى الطرقات.

تركيّا تبحث عن مخارج للتغطية على عار الهزيمة

سياسيّاً، اللعبة التي تديرها تركيّا في التغطية على فشل غزوها لعفرين، انكشفت تماماً. وأعتقد أنّها الآن تبحث عن مخرج لنفسها من الورطة التي أقحمتها فيها كلّ من روسيّا وأمريكا لحدّ ما. تصريحات مسؤوليها حول انتهاء هذه العمليّة في وقت قريب، تشير بكلّ وضوح إلى البحث عن طريق يحفظ لهم ما وجههم ويغطّي على هزيمتهم. والمكالمة الهاتفيّة بين ترامب وأردوغان، وحسب وصف وسائل إعلام أمريكيّة، أنّها شهدت مناكفة ولهجة مغايرة، وخروجاً عمّا هو معروف في أعراف وبروتوكولات المحادثات بين رؤساء الدول، حيث شدّد ترامب على ضرورة إنهاء العمليّة في أسرع وقت ممكن، وأنّها تؤثّر على عمليّة مكافحة الإرهاب. فعادت وسائل الإعلام التركيّة لتترجم كلام ترامب بشكل مغاير عمّا دار في المكالمة، وتزوّر الحقائق، كما حصل سابقاً.

عفرين ترسم مسار العلاقات الأمريكيّة – التركيّة

كما أنّ اللهجة التركية في مخاطبة أمريكا ووزير خارجيّتها “تيلرسون” حول ادّعائها أنّه طرح مشروع “إقامة منطقة آمنة” في الشّمال السّوريّ، عادت وزارة الخارجيّة الأمريكيّة لتنفي تلك المزاعم التي ساقها وزير الخارجيّة التركيّة جاويش أوغلو حول إنشاء المنطقة الآمنة، رغم أن عدّة وسائل إعلاميّة نشرت الرؤية الأمريكيّة لمشروع ” المنطقة الآمنة” والذي يتمثّل بمنطقة “فصل” تنتشر فيها قوّات تابعة للأمم المتحدّة على غرار الجولان السّوريّ، وهو ما يعني التستّر على الهزيمة التركيّة في عفرين. في حين أنّ تركيّا تسعى إلى احتلال عفرين وتغيير ديموغرافيّتها، من خلال دعوتها إلى توطين (3.5) مليون لاجئ على أراضيها في عفرين، وكأن هؤلاء اللاجئون كلهم من عفرين.

إنّ تركيّا إن نجحت في غزو عفرين، ستجعل منها قاعدة لكافة إرهابيي العالم، ولتهدّد بها ليس سوريّا فقط، بل العالم أجمع، وهو ما يجب أن تفهمه كافة الأطراف وفي مقدّمتها روسيّا وأمريكا إن كانتا فعلاً تسعيان إلى استئصال الإرهاب من جذوره، فالأحرى بها أن تلجما العدوان التركيّ على عفرين.

 وجاء استهداف القوّات الأمريكيّة في منبج ليزيد من حجم الامتعاض الأمريكيّ للتصرفات التركيّة الهوجاء التي تتعارض مع التوجّهات الأمريكيّة في سوريّا. على رغم أنّ أمريكا لم تعترض علناً على عمليّة الغزو الأمريكيّ لعفرين، ووقفت موقف المتفرّج، إلا أنّها – وبحكم براغماتيّتها المعروفة – تتّخذ مواقفها حسب تطوّر معادلة الميدان، وفي هذا ما يشير إلى تغيّر لهجة وزارة الدفاع “البنتاغون” نحو العمليّة، رغم أنّ المقاومين في الجبهات لا يعوّلون البتّة على تغيّر موقف أيّ من الدول، بل جلّ اهتمامهم يدور حول هزيمة الدولة التركيّة وعلى أراضي عفرين تحديداً، وهي التي ستدفع بمواقف كافة الدول إلى الوقوف مع المنتصِر في المعركة.

تهديدات النظام … فقاعة صابون

ورغم تحذيرات وتهديدات النظام التي أعلن عنها قبيل الغزو، إلا أنّها كانت مثل فقاعة صابون، ولم تترجم عمليّاً، فالنظام يستمدّ قوّته من روسيّا وإيران، ولا يمكنه الخروج عن الإطار المرسوم له من قبلهما. والأكاذيب التي ساقتها بعض وسائل الإعلام الدائرة في فلكه، حول موافقة وحدات حماية الشعب على دخول قوّات النظام إلى عفرين، سرعان من فنّدها الناطق الرسميّ باسم الوحدات في عفرين “بروسك حسكة”، وقال “إنّ هذه الأنباء لا أساس لها من الصحّة ولم يدخل جنديّ واحد من النظام إلى عفرين”.

بيان متوازن ومدروس

ولكن البيان الذي أصدرته الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في مقاطعة عفرين، كان متوازناً وعقلانيّاً إلى حدّ بعيد، في تأكيده على أنّ عفرين هي جزء من سوريّا وتقع تحت سيادتها، ليدحض بذلك كافة المزاعم التي روّجت لها تركيّا وأطراف المعارضة حول مشروع الكرد “الانفصالي عن سوريّا”، ولا يجب أن يفهم أنّ بيان الإدارة الذاتيّة بأنّه دعوة إلى دخول قوّات النظام إلى عفرين، أو كنوع من التمسّك والاختباء تحت عباءته، ولكن هي دعوة الدولة السّوريّة للدفاع عن سيادتها التي تنتهك على يد الجيش التركيّ في المحافل الدوليّة ومناقشتها مع كافة الدول، والتأكيد على وحدة الأراضي السّوريّة، إن كان فعلاً يدافع عن تلك الوحدة والسيادة. ولكن إن كان النظام وروسيّا ومعها إيران يبحثون عن مساحات أخرى للمقايضة والمساومة لبسط نفوذها عليها، فكلّ الاعتقاد أنّ عفرين وأهلها غير قابلين للمساومة، فلها أهلها وحركتها السياسيّة وقواتها العسكريّة التي تدافع عنها أيضاً.

مقاومة باكور كردستان وتلاحمها مع مقاومة عفرين

إنّ أردوغان وحزب العدالة والتنمية غير قادرين على الاستمرار أكثر في عمليّة غزو عفرين، لأسباب تتعلّق بارتداداتها على الداخل التركيّ، فرغم أنّ أردوغان يحاول من خلالها تصدير أزمته الداخليّة، وخلق بيئة سياسيّة داخل تركيّا لشحن الناس وزيادة شعبيّته تمهيداً للانتخابات القادمة، لكن الصحيح أيضاً، أنّ أحزاب المعارضة أيضاً تستغلّ فشل أردوغان في عمليّة غزو عفرين، وتعمل ضدّ أجنداته الرامية إلى تحويل وجهة تركيّا الغربيّة وإسباغها لوناً إسلامويّاً متطرّفاً. كما أنّ وقوف الشعب الكرديّ في باكور (شمال) كردستان مع مقاومة عفرين المتصاعدة كلّ يوم، ستحفر قبر أردوغان وتقرّب نهايته السياسيّة. فالشعارات التي يطرحها أردوغان حول نيّته توسيع العمليّة لتصل حدود باشور كردستان، تحت مزاعم عديدة، إنّما تأتي في سياق بثّ الروح في السلطنة العثمانيّة البائدة، وهو مشروع احتلاليّ يهدّد كافة دول المنطقة، وهو ما يتعارض مع مشاريع شعوبها في الديمقراطيّة والعيش بسلام، وكذلك مع مشاريع الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وروسيّا.

مشروع احتلاليّ عثمانيّ جديد للمنطقة

الخطابات الناريّة لأردوغان ومسؤوليه، تنمّ عن حقد دفين تجاه كافة شعوب المنطقة، وتزرع بذور الكراهية والحقد بينها، ومحاولته تحويل معركة عفرين إلى صراع كرديّ – عربيّ إنّما باءت بالفشل، من خلال مشاركة كافة مكوّنات سوريّا في التصدّي لهذه الهجمة، وأثبت الاسبوع المنصرم من المعارك، أنّ جلّ من زجّت بهم تركيّا في المعركة، إنّما درّبتهم ولقّنتهم ثقافة القتل، ومعظمهم عناصر داعش التي هربت من معارك الرّقّة ودير الزور، وكذلك ممّن توافقت معهم أثناء تسليمها مناطق الباب وجرابلس وإعزاز، والأسماء التي نشرت في الإعلام وتلك التي قتلت في جبهات جندريسه وراجو وبلبله، إنّما تؤكّد على ما أشرنا إليه.

كلمة الفصل يكتبها الصامدون على جبهات عفرين، في هذا الشتاء القارس، وعفرين ستبقى شامخة شموخ جبالها الشمّاء التي تلفظ إرهاب الدولة التركيّة ومرتزقتها.