الرئيسيةدراساتالحداثة الديمقراطية: نموذج فكري بديل عن الحداثة الرأسمالية

الحداثة الديمقراطية: نموذج فكري بديل عن الحداثة الرأسمالية

الولادة العسيرة

وضعت التعقيدات الناجمة عن تعدد المدارس الفلسفية المتولدة من رحم المنظومة الرأسمالية وتكاثرها عملية البحث في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حالة التحليل المجتزأ تحت تأثير نمطية الجهود التحليلية لتلك المدارس رغم اختلاف الأفكار والطروحات التي قد تبدو عليها تلك الجهود. وقد أدى ذلك إلى صعوبة الخروج من نمطية التحليل وبناء نموذج فكري قائم على تحقيق الاستقلال في طروحاتها بالشكل الذي يؤدي إلى إبراز حالة اجتماعية وسياسية مختلفة، ومن هذا المنطلق كانت الولادة العسيرة لمنظومة فكرية تمتعت بشمولية التحليل في جميع حيثياته، لذلك كانت ولادة مدرسة الحداثة الديمقراطية هي نتيجة مخاض طويل وحصيلة مجهود فكري منظم وكبير بذله مؤسسها عبد الله أوجلان في إطار بحثه المستمر عن تحليل العلاقات الاجتماعية والسياسية في سياق التحليل التاريخي الذي يمتد لآلاف السنين. وذلك بغرض نقد النظم القائمة والتأكيد على إمكانية تحقيق التعايش السلمي بين المجموعات البشرية بمختلف انتماءاتها الأثنية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وأهميتها لتلك المجموعات.

لاشك أن عملية الوصول إلى مستوى متطور من التحليل المناقض للمنظومة الرأسمالية لم يكن أمراً سهل المنال في بيئة أقل ما يمكن القول عنها أنها بيئةٌ مأساوية ومتعطشة لفرض فلسفة التسلط على الآخرين عبر تطبيق مبدأ القوة المفرطة لإسكات كل ما هو مخالف، وبتطبيق النظريات السياسية والاقتصادية للمنظومة الرأسمالية التي تعود تاريخها القرون الخمسة الأخيرة، والتي تغرز آثارها في وجدان المجتمعات المتنوعة مستفيدةً في ذلك من الإمكانيات الهائلة الممنوحة لها من مراكز صناعة القرار الرأسمالي. وهي تسعى إلى تحقيق سطوتها الشاملة على الحياة البشرية التي تشكل الحصيلة التراكمية لجهود الإنسان على مدى زمني طويل يتجاوز ثلاثمائة ألف سنة.

ندرة ولادة النظريات المتكاملة

يرتبط استمرار النظريات عبر الزمن بمدى قوة عناصرها وقوة عوامل الإقناع في تلك العناصر والتأثير الذي تتركها تلك العناصر بمكوناتها على البيئة العاملة فيها، ولا يخفى أن التاريخ قد شهد نظريات اجتماعية وسياسية عديدة كانت لها تأثيراً قوياً على حياة البشرية، كنظرية الاشتراكية العلمية لكارل ماركس وصديقه فريدريك أنجلز، والنظرية القومية التي كانت سبباً في ظهور أكثر من مائتي دولة قومية في القرن العشرين وبدايات القرن والواحد والعشرين، وكذلك النظريات الاقتصادية التي ظهرت في المنظومة الرأسمالية كالنظرية الكلاسيكية التي بررت الأفعال الإجرامية للرأسماليين والنظرية الكينزية لمنقذ الرأسمالية من أسوء كارثةٍ شهدتها المنظومة الرأسمالية في القرن العشرين.

يشكل تعرض النظريات المختلفة للانتقادات طريقاً لظهور النظريات الحديثة في الحقل ذاته، لكن غالباً ما تكون تلك النظريات بمثابة بعض القواعد التعديلية لنظريات سابقة ولا تتجاوز الأخطاء والنواقص الواردة فيها، وذلك رغم إحداث بعض التغييرات المفاهيمية وإدخال بعض المصطلحات الجديدة إلى القواميس السياسية والاجتماعية.

أمام هذه الحالة يكون ظهور النظريات المختلفة جذرياً صورةً فريدةً نسبياً، إذ أن النظريات المتكاملة لا تظهر إلا في فترات متباعدة تكون ظروف ولادتها قد نضجت تماماً ولم تعد ولادة نظريات مجتزءه كافية لتحقيق التغييرات المطلوبة في الواقع.

 عندما نتمعن النظر في تاريخ حركة التحرر الكردستانية في مختلف أجزاء كردستان في القرن العشرين، نرى أنها لم ترتق إلى مستوى طرح نظريات سياسية واقتصادية مميزة على الرغم من التضحيات الجسام في الميادين العسكرية، وبقيت أسيرة النظريات والأيديولوجيات الغريبة بعمومها، إضافة إلى التأثير الإسلامي الواضح في بعض الحالات. وقد بذل الكرد جهوداً  كبيرة في قراءة النظم السياسية والإيديولوجية الغربية، شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب المتخلفة، التي لم تبذل جهداً للإبداع في الميادين المختلفة، ولم تكن المخاضات القوية لولادة لحزب العمال الكردستاني في سبعينيات القرن العشرين، وبروز الكوادر المضحية في صفوفها، منذ بداية المخاض، كافية لجعل الحزب خارج الدائرة المرسومة في حينها من قبل القوى اليسارية العالمية وعلى رأسها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية. وقد بقيت كغيرها من حركات التحرر الوطنية أسيرة تلك النظريات والإيديولوجيات، على الرغم من أنها لم تكن تسعى أن تكون نسخة مطابقة منها، حتى أن التسميات السياسية والنظم الإدارية داخل الحزب لم تكن مختلفة عن النظم والتسميات الواردة في هيكلية الأحزاب الشيوعية ونظمها الإدارية.

التحول التاريخي لبناء نموذج فكري مميز

يظهر التأثر بالأيديولوجيا اليسارية واضحاً في تقييم أوج آلان لأوضاع السبعينيات من خلال تحليلاته عن الحركة اليسارية التركية وبالمناضلين الثوريين اليساريين في حينه، وفي مقدمتهم المناضل الماركسي ماهر جايان ورفيقه دنيز كزميش وآخرون[1]. وقد استمرت هذه الحالة لغاية تسعينيات القرن العشرين، مع حدوث تطورات هامة على الصعيد الفكري في الثمانينيات، وخاصةً التقييم المميز للاشتراكية المشيدة التي ما لبثت أن واجهت الانهيار في بداية التسعينيات منهية بذلك سبعين سنة من سيطرة الأحزاب الشيوعية على ثلث المعمورة بقبضة حديدية من خلال منظومة دولتية قومية تتبنى ملكية الدولة لكافة وسائل الإنتاج.

أمام هول الانهيار وتطور الجبروت الفكري للمنظومة الرأسمالية المستغلة للفراغ الناجم عن انهيار الكتلة الاشتراكية وبروز اطروحات فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ، كان لا بد من إعادة القراءة للتطورات العالمية، والنظم الفكرية بمزيد من الدقة، من قبل مختلف النظم السياسية والفكرية والإيديولوجية، وذلك لإعادة ترتيب بيوتاتها الداخلية، إلا أن الغالبية العظمى من الدراسات كانت تنحو باتجاه تأكيد أزلية النظام الرأسمالي، مما أدى بجميع دول العالم، باستثناء دول معدودة جداً، السير نحو اللبرلة في محاولة من حكوماتها لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن النظم السياسية التي تتبناه تلك الدول، وكذلك في محاولة منها لتخفيف عبء القوة الممارسة بحقها بتأثير المنظمات المالية والاقتصادية الدولية، كمنظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي، والمحافظة على هياكل كياناتها السياسية المؤسسة أصلاً بفعل تأثير القوى الخارجية إلى جانب تسليم كياناتها الاقتصادية لإرادة القوى الدولية.

عموماً، انطلق فكر أوجلان من زاويةٍ مختلفة ومن تقييم أكثر عمقاً للتحولات الفلسفية الحاصلة في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، إيماناً منه بأن المبادئ التي تم تبنيها في حزب العمال الكردستاني ظلت محفوفة بمخاطر الإفضاء إلى الدوغمائية التي كانت سائدة في الحزب لمدة طويلة من الزمن، وكذلك دخلت الحركة الثورية العالمية بشكل عام في فخ هذا المرض الخطير، وأدت إلى تداعيات لا يمكن الاستخفاف بها[2]. إن هذه الانطلاقة في التحول الفلسفي في فكر الحزب أدت إلى تحقيق تمايز لديه في عملية إعادة القراءة للنظم الفكرية والسياسية والاقتصادية عبر التاريخ، مما مهد له الطريق في طرح منظومة فكرية بديلة ومتكاملة ظهرت ملامحها بصورةٍ واضحة في العقد الأول من القرن الحالي، من خلال مرافعات أوجلان الدفاعية، وبنيت هذه المنظومة الجديدة على قواعد وأسس جديدة مختلفة عن أسس الحداثة الرأسمالية، ويرى أوجلان في ذلك ثورةً فكرية عظيمة، ويقول بذلك: “إن تجاوز كافة المشتقات الفلسفية التي ترتكز إليها الحداثة الرأسمالية، بما فيها التفاسير الماركسية والقيام بذلك دون انحراف نحو طفرات ما وراء الحداثة، إنما يعني إنجاز أعظم ثورةٍ فكريةٍ على الإطلاق”[3].

تعتمد المنظومة الفكرية لأوجلان على طرح مفهوم الحداثة الديمقراطية كبديل عن مفهوم الحداثة الرأسمالية، التي ظهرت بصورتها الجلية في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، والتي أدت إلى إحداث تغييرات جوهرية على الصعيد العالمي، وخاصة على صعيد التجارة الدولية وتحول الدول الأوروبية إلى مركز استقطاب عالمي عبر سيطرتها على الطرق البحرية باتجاه أمريكا وآسيا وإفريقيا، وسحب البساط من تحت أقدام الشرق الأوسط.

ويتوسع أوجلان في دراسته للمفاهيم الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، معتمداً في تحليلاته على التعمق التاريخي للمفاهيم المختلفة والمتداولة في المجالات الآنفة الذكر. ويقصد من ذلك إعادة صياغة تلك المفاهيم بما يتوافق مع مفهوم الحداثة الديمقراطية التي يطرحها بديلاً عم مفهوم الحداثة الرأسمالية، وبما يتوافق مع توسيع دور الشعب في اتخاذ القرارات المختلفة عوضاً عن مفهومي الدولة والاحتكارات في النظامين الاشتراكي والرأسمالي على حدٍ سواء.

ضرورة تغيير القراءة الفلسفية وإعادة نسق الحقيقة[4]

تكمن الإشكالية الحقيقية التي تواجه فلسفة الحياة في مختلف مراحل تطور البشرية في انعدام القدرة على التغلغل في جوهر القضايا وإجراء الدراسات المعمقة إزاءها. وتعود هذه الإشكالية إلى ضعف الإمكانيات التحليلية المتميزة عن حالة السيطرة الشاملة لقوى التسلط، أو ضعف تأثير الأفكار المطروحة من قبل أصحاب الأفكار المتميزة بفعل قوة تأثير القوى المضادة لها أيضاً.

تطورت حالة الافتقار الفكري إلى القوى التي تمكنها من التأثير في القوى المتسلطة تاريخياً، وبلغت ذروتها في ظل الحداثة الرأسمالية، التي ظن الكثيرون أن قوتها المالية والعسكرية والفكرية هي التي أدت إلى تراجع القوى المناهضة لها وتقوقعها على نفسها. وتجاوز الأمر عند البعض إلى الإعلان عن سقوط جميع الأنظمة السياسية أمام انتصار الديمقراطية اللبيرالية. فنرى فرانسيس فوكوياما يعلن صراحةً سقوط الأيديولوجيات السياسية قائلاً: “هناك اجماع في العالم كله حول شرعية الديمقراطية كنظام للحكم بعد أن لحقت الهزيمة بالأيديولوجيات المنافسة، مثل الملكية الوراثية، الفاشية، الشيوعية في الفترة الأخيرة”[5]. لا شك أن الديمقراطية المعنية عند فوكوياما هي الديمقراطية اللبيرالية، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الرأسمالية، شأنها في ذلك شأن الفاشية، والملكية الوراثية التي تسود في جزءٍ ليس باليسير من القارة العجوز، لذلك فإذا كان نهاية التاريخ يعني شيئاً عند فوكوياما، فهي لا تعني سوى انتصار الرأسمالية، وهو يقوم لأجل إثبات ذلك بتقسيم الرأسمالية إلى مجموعة من النظم المناهضة لبعضها البعض في ظاهرها. فهو عندما يعلن انتصار الديمقراطية على الفاشية، يفترض أن الفاشية هي نظام مختلف، لكن الحقيقة هي أن الفاشية والديمقراطية الليبرالية جزءاً من المنظومة الرأسمالية وتخدم كل منهما هذه المنظومة بأسلوب مختلف عن الآخر. فإذا كانت ظروف الحرب العالمية الثانية وما قبلها تستدعي وجود أنظمة فاشية لتحقيق سطوة آلة الإنتاج الرأسمالية الاستغلالية، فإن ظروف نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تستدعي نموذجاً رأسمالياً ليبرالياً لتحقيق توسع السيطرة الرأسمالية نحو مختلف دول العالم بالاستفادة من منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية وإعادة نشر الصناعة والزراعة عالمياً، وتطوير الرأسمالية المالية التي تحتاج إلى الأسواق المستقرة.[6]

لقد أدت الحالة الفكرية السائدة إلى ضياع جزء كبير من الحقيقة. بالرغم من توالد المدارس الفكرية المختلفة، والتي حاولت أن تقوم بإجلاء الحقيقة، كما فعل كارل ماركس بقيامه بتحليل رأس المال ولينين بقيامه بتحليل منظومة الدولة والثورة. لكن في نهاية الأمر كانت النتيجة الحتمية لجهودهما هو الضياع في مهب قوة الحداثة الرأسمالية، التي استفادت من منجزات أعمالهما أكثر من تضررها منها.

إذاً، بماذا يمكن تفسير هذه الحالة الخطيرة والصعبة بخصوص القوى الثورية الساعية إلى تحقيق آمال الشعوب في الحرية والعدالة والمساواة؟

من أجل معرفة حيثيات هذا الموضوع وإيجاد الحلول الواقعية له يراجع أوجلان نفسه أولاً، وينتقد الدراسة السطحية لتحليل العلاقات بين القوى المختلفة. ويكتشف أن جميع الأمور بحاجة إلى الغوص في مستوى العمق، إذ تبين له نقصاً في مستوى التحليلات الفكرية، بعدما رأى عجز ديمقراطية الاتحاد الأوروبي ممثلةً في مؤسساته عن فعل أي شيء إيجابي بخصوصه، بعد إلقاءه في سجن إمرالي ومحاولة القضاء على القضية الكردية في تركيا من خلال شخصه مقابل تنازلات اقتصادية من قبل تركيا. وقد حثته هذه الحقائق على القيام بتحرٍ وتقصٍ عميق بصدد حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية التي يتخذها الاتحاد الأوروبي أساساً له. وقد تبين من خلال تعمقه في هذه المواضيع أن القضايا أعمق مما نتصور. وتتطلب مواقف جذرية بنفس الدرجة من العمق لحلها والتغلب عليها.[7]

لم يكن اكتشاف أوجلان لهذه النقطة البالغة الأهمية أمراً يسيراً. فالنسق التاريخي للأحداث والتحليلات الجارية بخصوصها غالباً ما تقوم بوضعها في خانة الأحداث الجارية عبر التاريخ بصورةٍ مجردة دون البحث في الحيثيات العميقة لها، مما يؤدي إلى ضحالة المخرجات الفكرية لأعمال البحث وتزايد قدرة المنظومة الرأسمالية على ابتلاع جميع المخرجات بما يلائم خدمة مصالحها، وذلك من خلال إظهار نفسها بثوبها الزاهي والجاذب لمختلف الأذواق بما فيها القوى المناهضة لها.

إذن والحال هذا، فالمشكلة الأساسية في مناهضة الرأسمالية لا تكمن عند أوجلان في غياب القوى المناهضة لها، بل تكمن في غياب القوى القادرة على تبيان نسق الحقيقة ومواجهة الجوانب المخفية في العلاقات والمفاهيم والحوادث وحتى السلوكيات والأخلاقيات. لذلك فهو يرى أنه من أجل تحقيق الحياة الحرة الفاضلة لا بد من التخلي عن نسق الحقيقة ذاك، وذلك من خلال تبني المواقف السلبية عبر تطوير جهود إنشاء المجموعات المعارضة تجاه السلطة وجميع بؤر الاستغلال[8].

لقد ظهرت العديد من النظريات التي سعى أصحابها إلى جعلها بديلاً لطرح الحلول للمشكلات التي نعاني منها في ظل الحداثة الرأسمالية، إلا انها لم ترتق إلى مستوى القدرة على الخروج من دائرة هذه المنظومة، ودارت في الحلقة المفرغة للعلاقات العامة داخلها.

انطلاقاً من الوعي المتطور لدى أوجلان حول هذه الحقيقة فإنه سعى إلى إجراء تحليلات ذات أبعادٍ تاريخية، اجتماعية، اقتصادية تهتم بمختلف مراحل تطور البشرية ومعرفة الإيجابيات والسلبيات لكل منظومة فكرية سائدة في كل مرحلة من تلك المراحل. وتوصل نتيجة دراسته لنسق الحقيقة إلى مجموعة من النقاط الهامة، والتي أصبحت أسساً راسخة لنظريتة في الحداثة الديمقراطية. ولعل أهم تلك النقاط تكمن فيما يلي:

أولاً: أهمية الميثولوجيا لكشف الحقيقة

صحيحٌ أن بعض التصورات الميثولوجية عن الطبيعة لا ترتقي إلى مستوى التفكير العقلاني، كالنظرة الميثولوجية للطبيعة في كونها عامرةٌ بالأرواح، إلا أنها تعبر في حقيقتها عن الكثير من الجوانب الأخلاقية المتطورة نحو الطبيعة التي تراها بأنها تعني الحياة العامرة والبعيدة عن الجمود. لذلك فإن التعاطي الميثولوجي من حيث روابطه مع الحياة هو –وبكل تأكيد- إيكولوجي، منفتح على الحرية[9].

وتحتل الميثولوجيا من هذه الناحية مكانةً أكثر واقعية من العلم الذي ينظر إلى الطبيعة نظرة جامدة. الأمر الذي ينجم عنه حدوث خللٍ إيكولوجي تنجم عنه قضايا هائلة مثل الانفجار السكاني، الاحتباس الحراري، التلوث البيئي بمختلف أشكاله، التصحر…..إلخ.

لذلك يرى أوجلان أنه لا بد من أن تحتل الميثولوجيا جزءاً من حياة الإنسان، وذلك لبناء الإنسان القويم المعبأ بالعواطف والذهنية الأخلاقية والعلمية معاً. ويقول بصدد نظرته هذه: إن ترك ذهن الإنسان بلا يوتوبيا وبلا ميثولوجيا (بلا ملاحم، بلا أساطير) كترك البدن بلا ماء.[10]

ثانياً: تشابه العلم والدين في تأثيرهما الدوغمائي

إذا كان العلم والدين يبدوان مختلفين في منطق تحليلاتهما للقضايا المختلفة، فهما يتشابهان في الكثير من الحيثيات، ولا سيما تلك المتعلقة بتصيير السلطة حالة طبيعية في المجتمع.

فالأديان عموماً هي امتداد للميثولوجيا في بعض معطياته. خاصةً في الميادين المتعلقة بالتعاطي مع القوى الطبيعية وتفسير الكثير من الظواهر، عبر الميتافيزيقيا، وكذلك في الميادين الأخلاقية، إلا أنها تختلف عنها في قضية هامة جداً، وهي الارتقاء بالكثير من الظواهر الاجتماعية إلى مستوى القدسية التي يمنع تعرضها للمناقشة، وذلك بتحقيق ارتباطها بالقدرة الإلهية، في الأديان المتعددة الآلهة والأديان التوحيدية على حدٍ سواء. وأدت بذلك إلى حرمان مناقشة القضايا التي تمس السلطة التي تتماشى مع مضامينها الفكرية ومحاربة السلطة المناقضة لها.

بهذا الشكل أدت الأديان التي تعتبر امتداداً للميثولوجيا في بعض جوانبها، سيما فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية والروحية، إلى ترسيخ المفاهيم التسلطية عبر بناء منظومة فكرية شمولية مسخرةً في ذلك بعض المفاهيم الميثولوجية حول الطبيعة والحياة.

بينما العلم الذي تطور مع ولادة النظام الرأسمالي وتطوره، يختلف جذرياً عن الدين في تحليله للظواهر المختلفة، وقد وجد مفكرو القرون الوسطى انفسهم في مواقع مناقضة تماماً لما تتبناها الكنيسة من أفكار. وقد دفع رواد الحركة العلمية ضريبة مواقفهم تجاه الدين بأشكال مختلفة وصل في بعض الأحيان إلى التصفية الجسدية لهم من قبل سلطات الكنيسة.

استطاعت الرأسمالية تسخير العلم لخدمة مصالحها التي تأسست على أسس السلب والنهب عبر اكتشاف القارات الجديدة وطرق المواصلات البحرية وقيام الثورة الصناعية والوصول إلى الرأسمالية المالية في يومنا هذا. وتحول العلم ديناً للرأسمالية وأداةً لحمايتها، وذلك من خلال رفضه لجميع القيم الدينية والميثولوجية. ويرى أوجلان في رفض العلم لتلك القيم، رفضه للحقائق التاريخية وللقيم الأخلاقية التي ترسخت لدى الإنسان خلال الفترات الأطول من حياته، كما يرى فيه اختزالاً لذهنية الإنسان الذي يتميز بغناه الشامل إلى حدود العقلية التحليلية التي تلجأ فقط إلى لغة الرياضيات.[11] ويعتبر ذلك من وجهة نظره غير كافٍ لتحقيق التطور الصحيح في مسار البشرية، بل أكثر من ذلك، فإن الاعتماد على هذه القوالب العلمية والدينية بصورةٍ مجردة لا تعني سوى تحريف المسار الطبيعي لتطوير البشرية عبر تأليه القوة السائدة والتي فرضها على كل شيء حي، إلى جانب تجميد الطبيعة وتحريم الحركة فيها إلا بأوامر الإله، سواء في منطق الأديان التي قامت بتجذير مفهوم القدرية وشرعنة الخضوع العبودي البارز لدى الحشود البشرية حصيلة التقاليد الصارمة على مر آلاف السنين[12]، أو في المنطق العلمي الذي قام بتصيير الرأسمالية نظاماً عالمياً.

ثالثاً: الحداثة الرأسمالية هي حصيلة الأخطاء في الأسلوب والضوابط العلمية

إذا كانت الحداثة الرأسمالية تستمد قوتها من قوة العلم والقانون، فهل يعني ذلك أن العلم والقانون هما المفهومان اللذان يجب محاربتهما من أجل كسب معركةٍ يكون طرفها الآخر الحداثة الرأسمالية وممارساتها الخارجة عن إطار التوازن بين التطور البشري وتبعاته الإيكولوجية والابتعاد عن قيم الحرية.

إن الجواب المنطقي لهذا السؤال يطرح علينا ضرورة معرفة أسباب تراكم القضايا المختلفة والمرتبطة بتطور البشرية عبر التاريخ. وتأتي في مقدمة هذه القضايا في يومنا “التضخم السكاني المفرط، ودمار البيئة، التصدعات الاجتماعية المتعاظمة بلا حدود، الروابط الأخلاقية المنحلة، انقطاع الحياة عن الزمان والمكان، الحياة المفتقدة لجاذبيتها وشاعريتها تحت وطأة التوترات الكبرى، أكداس الأسلحة النووية القادرة على إحالة الدنيا إلى صحراء قاحلة، وضروب الحروب الجديدة اللامتناهية والمستفحلة في البنية الاجتماعية برمتها”[13]، لأن البحث في الأسباب ومعرفتها تمهد السبيل أمام معالجة تلك القضايا.

تاريخياً، جرى البحث عن الحقيقة من قبل مدارس مختلفة، “وبرزت العديد من الخيارات كجواب لهذه الأبحاث، بدءاً من الميثولوجيات إلى الأديان ومن الفلسفة إلى العلوم الراهنة”[14]. لكن القاسم المشترك لتلك الخيارات لم يكن واقعاً في خانة الأجوبة المنطقية لمعالجة القضايا المتعلقة بتطور البشرية، بل على العكس من ذلك تماماً، فإن الخيارات المطروحة كلها وقعت، بقصد أو دون قصد، في خانة تحقيق تراكم هائل في تلك القضايا.

إذن، والحال هذا، فإن الطروحات العلاجية للقضايا البشرية كلها أدت إلى تحقيق نفس النتيجة، وهي تعظيم حجم معاناة البشرية، وذلك بالرغم من الاختلافات الجوهرية في بنية المدارس والمذاهب والأفكار التي سعت في إطار منظومتها إلى معالجة تبعات التطور البشري. استناداً إلى هذه النتيجة، نلاحظ أن سبب التراكم لا يعزى إلى انعدام النظم الفكرية الباحثة عن الحقيقة، وإنما هناك ما هو أعمق من ذلك، وهناك ما يؤكد أن النظم الفكرية تلك تشكو من ضعفٍ لم يتم اكتشافه بعد.

ينطلق أوجلان في دراسته لنسق الحقيقة من زاوية النظر بصورة مختلفة إلى النظم الفكرية والوقائع المرتبطة بها، وذلك بهدف الوصول إلى جوهر القضايا المتراكمة عبر التاريخ والناجمة عن التطور البشري. فهو يرى التحريف في المفاهيم والحقائق بما يخدم الأنظمة الحاكمة، لذلك فالمشكلة عنده لا تكمن في المفاهيم بحد ذاتها بقدر ما تكمن في استخدام تلك المفاهيم وعمليات التفكيك في المقاربات نحوها بغاية إجراء التحريف فيها خدمةً للنظم الحاكمة والأجهزة المؤسساتية التي تخدم تلك النظم التي انتهت في يومنا هذا بالحداثة الرأسمالية.

أمام هذه الحالة يقر فهو يقر أن الواقع الأليم الذي تعيشه البشرية هي حصيلة الأخطاء الموجودة في الأسلوب وفي الضوابط العلمية، لذلك يرى في ذاته القدرة على الشروع بتجربة معينة، لإيفاء دينٍ مترتبٍ عليه إزاء قيم الحرية. ومن أجل ذلك “يشير بجملة واحدةٍ إلى أن التقسيمات القالبية الثنائية الأساسية المتحكمة بفكر الإنسان قد أضعفت المعنى وحرفته من قبيل: ذاتاني- موضوعاني، مثالي- مادي، ديالكتيكي- ميتافيزيقي، فلسفي- علمي، ميثولوجي- ديني، والتجذرات الحاصلة في هذه الثنائيات والقرائن، هي حصيلة لأخطاء الأسلوب الأساسي الذي أفضى إلى الحداثة الرأسمالية”[15].

فهو يؤكد من خلال سرده لما سبق أنه عبر “استمرار محورة الصراعات الذهنية حول هذه الثنائيات، يؤول إلى الجشع النهم في مزيد من السلطة والاستغلال”[16]. إن الباحثين عن الحقيقة في مضمار هذه الثنائيات لم يتمكنوا في النأي بأنفسهم من الوقوع في أفخاخ السلطة. حيث أنهم “وبقدر نجاحهم في البحث عن الحقيقة في مضمار الثنائيات المذكورة، تمكنوا من احتلال مكانة رفيعة في مصاف أصحاب السلطة وبؤر الاستغلال”[17].

فالمعالجة لنسق الحقيقة هذا عند أوجلان، لا يكمن في اتخاذ جبهةٍ مضادة فظة ضده، بل يتطلب الأمر موقفاً سلبياً اتجاهه، أي تجاه كل ما هو مرتبط به، فالأمر لا يتوقف عند السلطة بحد ذاته، بل يتجاوز ذلك ليبلغ بؤر الاستغلال في كافة أماكنها، وخاصةً التكوينات الاجتماعية الناجمة عن هذه الذهنية التي تراكمت عبر العصور.

يتطلب تصحيح مسار البشرية إعادة نسق الحقيقة بحيث يتم إيلاء المعاني لمنجزات الإنسانية في العلم، ولكن إلى جانب عملية البحث عن الذهنية التي علينا اكتسابها.

[1] -للمزيد من التفصيل بخصوص تقييم أوج آلان لظروف السبعينيات ووقائعها، ومخاضات ولادة حزب العمال الكردستاني تحت تأثير تنامي القوى الثورية اليسارية في تركيا، وكذلك تصفية قياداتها يمكن النظر إلى مانيفستو الحضارة الديمقراطية (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية)، المرجع السابق، ص ص: 321 -339

[2] -للمزيد من التفصل أنظر: عبد الله أوج آلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية(القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية)،  المجلد الخامس. المرجع السابق، ص: 325

[3] -عبد الله أوج آلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية(القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية)،  المجلد الخامس. المرجع السابق، ص: 325

[4] -للبحث في موضوع الأسلوب ونسق الحقيقة يمكن الاطلاع: عبدالله أوج آلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية( المدنية)، المجلد الأول، مطبعة آزادي، الطبعة الثانية، 2014، ص ص:35-94

[5] -فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشري. ترجمة: حسين أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993، ص: 8

[6] -للمزيد من التفصيل حول قدرة الرأسمالية على التغيير للمحافظة على سطوتها عالمياً، يمكن النظر إلى: فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة،  آذار 1990، الكويت.

[7] -عبد الله أوجالان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية). المجلد الأول، مطبعة آزادي، الطبعة الثانية، 2014، ص: 27

[8] -عبدالله أوجالان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية(المدنية). المجلد الأول، المرجع السابق، ص: 49

[9] -عبد الله أوجالان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية(المدنية). المرجع السابق، ص: 36

[10] -عبدالله أوجالان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المدنية). المرجع السابق، ص: 36

[11] -عبدالله أوجالان، المجلد الأول، ص: 36

[12] -عبدالله أوجالان، المجلد الأول، ص: 38

[13] -عبدالله أوجالان، المجلد الأول، ص: 42

[14] -عبدالله أوجالان، المجلد الأول، ص: 47

[15] -عبدالله أوجالان، مانيفستو الحداثة الديمقراطية، الجزء الأول، ص: 49

[16] -عبدالله أوجالان، المرجع السابق، ص: 49

[17] -عبدالله أوجالان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، الجزء الأول، ص: 49