الرئيسيةمقالاتانتصار عفرين.. واعتذار “راندل”

انتصار عفرين.. واعتذار “راندل”

محسن عوض الله

في كتابه “أمة في شقاق” يتحدث الكاتب الأمريكي جوناثان راندل عن الأكراد بقوله “ماهرون عسكريا ٠٠ فاشلون سياسيا”!

كلمات راندل تحمل قدر كبير من الصحة وأكدتها الكثير من الوقائع التاريخية، فطالما حقق الأكراد مكاسب عسكرية سرعان ما فقدوها في أول جلسة مفاوضات سياسية.

جاءت المقاومة الباسلة والأسطورية من وحدات حماية الشعب والمرأة للحملة العسكرية الغاشمة التي شنتها الدولة التركية على مدينة عفرين لتغيير من معادلة راندل التي يبدو أن الزمن قد عفا عليها، فالمقاومة العسكرية ترافقت مع إدارة سياسية وإعلامية شديدة الذكاء.

فبعد أكثر من شهر من الهجمة التركية وسقوط عشرات القتلى والمصابين في صفوف المدنيين أعتقد أن الإنصاف يوجب علينا أن نرفع القبعات للإدارة السياسية والإعلامية الكردية للمعركة.

فقد أثبتت معركة عفرين أن الفكر السياسي وفنون المناورة والتفاوض لدي الكرد لا يقل كفاءة عن القدرة العسكرية والمهارة القتالية، في عفرين أبطال لا يحملون السلاح العسكري ربما لا يملكون سوي قلم لكنه أشد فتكاً بالعدو من الأباتشي.

في عفرين الأبطال ليسوا في جبهات القتال فقط، بل ينتشرون في المراكز الإعلامية وغرف إدارة الأزمة، نجحوا بجهود مشكورة وإمكانيات ضعيفة في جعل عفرين حديث الصباح والمساء في كل وسائل الإعلام العالمية منها قبل العربية.

جاء اتفاق انتشار القوات الشعبية التابعة للجيش السوري بعفرين ليعبر عن التطور السياسي لدي الإدارة الكردية وامتلاك القدرة على المناورة والتفاوض والتعاطي مع كل المتغيرات، فالاتفاق الذي يقضي بإنشاء قاعدة انطلاق للجيش السوري، وانتشار القوات على الحدود المواجهة لتركيا، الخاسر الأكبر منه هي تركيا ويعتبر انتصار بالنسبة للكرد وشعب عفرين فهو وإن كان البعض يعتبره انتقاصاً من الاستقلالية ومشروع الفيدرالية بالشمال السروي إلا أنه يعتبر نصراً تفرضه المتغيرات فيكفي أن وحدات الجيش السوري ستكون في مواجهة الجيش التركي على حدود عفرين وهو ما قد يعجل بإنهاء الحرب على عفرين خشية تصاعد المواجهات بينهما خاصة بعد القصف التركي للوحدات السورية أثناء دخولها المدينة وهو أمر لا أتوقع تكراره ولا أعتقد أن موسكو قد تسمح به .

لم يرتكب الكرد جريمة باتفاقهم مع النظام على انتشار قوات الحكومة السورية بل مارسوا السياسة التي يمارسها ضدهم الجميع، فالكرد الذي واجهوا إرهاب داعش والنصرة ومرتزقة أردوغان والاحتلال التركي من حقهم أن يبحثوا عن مصالحهم وما يخدم أهدافهم ويحمي آمنهم، الكرد الذين هدمت بيوتهم ويتم أولادهم ورُملت نسائهم في عفرين بفعل آلة الحرب التركية وصمدوا وتحملوا واستبسلوا من حقهم أن يتخذوا من الإجراءات ما يدفع عنهم هذا الظلم حتى لو كان ذلك بالتحالف مع عدو سابق فمن المؤكد أن عداء النظام السوري للكرد أقل بكثير من عداء أردوغان ونظامه .

ليس في السياسة ثوابت مطلقة، فلا عداوة تدوم ولا محبة تبقي، فهي فن الممكن وتحقيق أكبر قدر من المصلحة حتى لو كان ذلك بالتحالف مع الأعداء وهو ما تفعله كل الدول المتحالفة في سوريا، فمثلاً بين تركيا وإيران عداء تاريخي ولكنهم نحو تلك الخلافات جانباً واتحدوا فيما بينهم للوقف في وجه الكرد سواء بسوريا أو العراق، كما أن الخلافات التاريخية بين تركيا والاتحاد السوفيتي لا تخفي على أحد ولكن كل ذلك تم تجاهله لتحقيق المصلحة المشتركة بسوريا، إذاً فكرد سوريا لم يأتوا ببدع من القول فلم يفعلوا سوي ما يفعله ساسة العالم .

أقول لأولئك الرافضين لانتشار وحدات النظام على حدود عفرين ويتهمون الإدارة الكردية بالخيانة والعمالة للنظام وإيران إن الدماء التي سالت في عفرين توجب على كل مسؤول في العالم كله وليس بالإدارة الذاتية سرعة التحرك لوقفها وأي إجراء في هذا الاتجاه يستحق الشكر لا التخوين.

ختاماً أعتقد أن الكاتب الأمريكي جوناثان راندل بات مديناً باعتذار رسمي للكرد وتحديداً أبناء أوجلان بعد أن أثبتوا أمام الجميع أنهم قادرين على تحقيق نجاحات سياسية لا تقل عن انتصاراتهم العسكرية.. عذراً راندل فقد عفا الزمن على نظريتك …