الرئيسيةمقالاتتداعيات عفرين في قطار التسوية السورية

تداعيات عفرين في قطار التسوية السورية

تزداد الساحة السورية اشتعالاً يوماً بعد يوم وخاصة مع دخول العدوان التركي أسبوعه الرابع دون تحقيق أي تقدم ملموس، ناهيك عن حادثة اسقاط الطائرة الروسية في إدلب وما تحمله هذه الخطوة من تداعيات، بالإضافة إلى استعار المعارك في الغوطة الشرقية واستعادة قوات النظام لمطار أبو ظهور والاقتراب من سراقب، في ظل إعادة فتح موضوع استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل قوات النظام.

وذلك كله عقب انتهاء مؤتمر سوتشي..إن الدلالات والاستنتاجات كلها تدل على وجود صراع محاور ضمن الأزمة السورية، وكل محور يحاول أن يضع شروطه ويرسم تسوية للأزمة السورية حسب مصالحه واستراتيجيته بغض النظر عن تطلعات الشعب السوري ودون أي اكتراث لمعاناة السوريين التي فاقت كل المآسي البشرية على مر التاريخ الحديث.

إن الشعب السوري عانى من شتى أصناف وأنواع الإرهاب الفكري والجسدي والاقتصادي والنفسي..

والآن هناك إرهاب جديد يمارس بحق مكونات الشعب السوري من خلال تدخل الإسلامويين العثمانيين سابقاً في عدوانهم على الأراضي السورية من خلال احتلالهم لجرابلس والباب واعزاز واخيراً ما يحدث في عفرين..

هذا الإرهاب يرقى إلى إرهاب دولة تمارسه حكومة العدالة والتنمية من خلال قصفها المكثف للمدنيين وليس آخرها قصف مراكز الهلال الاحمر والنقاط الطبية والآثار التي تعبر عن حضارة وعراقة هذه المنطقة.

ضمن هذه المعطيات جميعا تزداد المشكلة السورية في التعقيد وهناك إعادة خلط أوراق وبلورتها حسب مقتضيات الميدان ووفق اصطفافات جديدة وتحالفات إقليمية تتنافس للحصول على أكبر قدر من النفوذ.

وما تقوم به أنقرة من عمليات عسكرية في عفرين يهدف إلى السيطرة على كامل الشريط الحدودي وتثبيت نقاط احتلال جديدة في سوريا، من أجل ايهام المجتمع الدولي والرأي العام لديها بأن تركيا هي لاعب أساسي في أي تسوية سورية .

فأنقرة اليوم تعيش حالة من الضياع على صعيد استراتيجيتها المستقبلية طويلة الأمد، فكل محاولاتها للانضمام للاتحاد الأوربي سابقاً باءت بالفشل وخاصة مع الرفض الفرنسي الألماني وتحفظاتهما.

هذا وتعاني تركيا من مشاكل داخلية كبيرة وانقسام مجتمعي يهدد وحدتها ولاسيما بعد الانقلاب المزعوم الذي مهد وشرع لأردوغان بأن يكون الآمر الناهي بعد تحول النظام إلى رئاسي وجمع كل الصلاحيات بشخصه، الأمر الذي كرس مبدأ الديكتاتورية وقمع الحريات والاعتقالات العشوائية التعسفية..

ونتيجة هذه الحالة الغير مستقرة في الداخل التركي ونجاح مشروع ديمقراطي قريب من حدوده كان لابد من اجهاض هذه التجربة الفريدة والجديدة على مستوى الشرق الأوسط عموماً وسوريا خصوصاً.

ولإبراز نفسه أنه المخلص الوحيد للشعب التركي كان لابد من فرضية وجود عدو دائم يتربص بتركيا كذريعة للتدخل في سوريا وكان عدوه الأول حسب الادعاء التركي الأردوغاني داعش في جرابلس والباب واعزاز.

واليوم وجد ذريعة وهي تطهير المناطق من سكانها الكرد بحجة محاربة الإرهاب، خوفاً من نجاح تجربتهم الديمقراطية في التعايش السلمي بين جميع المكونات وانتشارها في عقر داره.

ونسي وتجاهل أن ما تقوم به آلته العسكرية بحق أطفال ونساء ومدنين تلك المنطقة يرقى إلى إرهاب دولة منظم.

عادة ما تلجأ الدول إلى الإرهاب عندما تصبح سياستها في حالة عجز، ويعتبر إرهاب الدولة أعلى أشكال الإرهاب، والأكثر تناقضا مع مبادئ القانون الدولي، إذ أنه يشمل الاحتلال وجرائم الحرب والجرائم بحق الإنسانية والإبادة الجماعية.

فالحديث عن التسوية السورية عقب سوتشي ومخرجاته الخجولة جداً وعقب التدخل السافر للقوات التركية من جديد داخل الأراضي السورية أصبح بمثابة العودة إلى نقطة الصفر.

ولابد من إعادة ترتيب الأوراق من جديد ورسم ملامح خريطة سياسية تتماشى مع قوة وثبات المقاتلين على الأرض.

سترسم معركة عفرين آفاق جديدة للتسوية وسيكون صمودها ومقاومتها أداة وركيزة أساسية لوضع خارطة طريق سورية جديدة للحل..

وسترسم حبات الزيتون واقعاً جديداً مغايراً في خضم المخاض العسير لولادة وتبلور التسوية السورية…

فما قبل عفرين ليس كما بعده، سيكون لها ثقل كبير على رسم مستقبل سوري جديد.

حسين عثمان