الرئيسيةمقالاتصراع أمريكيّ – روسيّ في عفرين

صراع أمريكيّ – روسيّ في عفرين

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

مُجريات العدوان التركيّ على عفرين تُشير، إلى تحرّك المياه الراكدة، وتغيير في المواقف، تساوقاً مع الموقف العسكريّ في الميدان والمقاومة التاريخيّة في عفرين، رغم أنّه لم تظهر بعد مواقف صريحة وقويّة تدعو إلى وقف العدوان بشكل مباشر.

أردوغان يهدّد العالم بورقة داعش…والبابا يخون رسالته

التأرجح في المواقف الدوليّة، مبعثه الورقة التي طالما هدّدت بها تركيّا معظم دول العالم؛ فتح أبواب الدواعش عليها، والقيام بعمليّات تضرب أمن واستقرار تلك الدول، ولا يغيب عن بال قادة الدول الأوروبيّة التهديد الذي وجّهه أردوغان قبل أكثر من عامين، عندما قال: “إن لم تساعدونا في موضوع اللاجئين، فلن ندعكم تنامون في منازلكم آمنين”. وقد أخذته الدول الأوروبيّة على محمَل الجدّ ورضخت نوعاً ما له، ولكنها في ذات الوقت تنظر إلى أردوغان أنّه يمثّل قلقاً دائماً لها، وشخصيّة موتورة لا يُؤمن جانبها. أضف إلى ذلك أنّ تغليب لغة المصالح على أخلاقيّات السياسة ومبادئها، يطغى على العلاقات الغربيّة بشكل عام، فهي لا تأبه البتّة لحجم الضحايا والخراب الحاصل في عفرين، بعد أن أودعت ضميرها الإنسانيّ في غرفة العناية المركّزة، ووصلت حمّى التواطؤ والوقوف مع إجرام أردوغان إلى الفاتيكان. تقليد “البابا” قلادة السلام لقاتل الأطفال والشيوخ والنساء في باكور كردستان وعفرين، تعتبر وصمة عار على جبين الفاتيكان، تسخير “البابا” الكرسي البابويّ الدينيّ لصالح مواقفه الدنيئة ليست بالجديدة، وتاريخه حافل بهكذا نوع من التأييد للقتلة، وقوفه إلى جانب نظام “بينوشيت” في تشيلي عندما انقلب على نظام “سلفادور دالي”، وتعامله مع الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة الـ(CIA) في أمريكا اللاتينيّة، دليلٌ كافٍ على أنّه لا يمتّ بأيّة علاقة بالأخلاق المسيحيّة والرسالة التي نادى بها وضحّى من أجلها يسوع المسيح.

الدعوات الخجولة من بعض الدول، لا ترقى إلى حجم الجرائم اليوميّة التي يرتكبها أردوغان وجيشه ومرتزقته في عفرين، وكسر حاجز الصمت مرهون بالدرجة الأولى بحجم المقاومة التي يبديها مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ) في الجبهات.

إيران التي دعت – وبقوّة – إلى وقف العمليّة العسكريّة التركيّة في عفرين، حاولت تركيّا الالتفاف عليها واحتواءها، عبر زيارة وزير خارجيّتها جاويش أوغلو، وتقديم مزيد من التنازلات لإيران في إدلب وغوطة دمشق، عبر الضغط على مرتزقتها للانسحاب من مناطق سيطرتهم وتسليمها لقوّات النظام.

روسيّا تنتقم من أمريكا عبر تركيّا في عفرين

لكنّ التغيّر المفصليّ في اليوم العشرين لعمليّة الغزو، تمثّل في الدعم الرّوسيّ اللامحدود لتركيّا، بإعادة إقحام سلاح الطيران في المعركة، بعد توقّف لمدّة أربعة أيّام. وهو ما قالت عنه صحيفة “حرييت” الموالية لحزب العدالة والتنمية وأردوغان: “إنّ سلاح الطيران سيستأنف عمله، بعد أن أنهت منظومة الدفاع الجوّيّ الرّوسيّة تحديث نظامها في سوريّا”. وبالفعل شنّت طائرات الغزو التركيّ غاراتها ليل الخميس 08 فبراير/شباط، لتقصف أكثر من خمسين نقطة في كامل مقاطعة عفرين، ولتخلّف ضحايا مدنيين وخراباً كبيراً في المنازل والمحال التجاريّة.

انغمست روسيّا مع تركيّا في سفك دماء أهل عفرين، عبر منح تركيّا الموافقة على الانتقام من أمريكا في جبهات عفرين. استهداف قوّات التحالف الدوليّ لمحاربة داعش للقوّات الموالية للنظام في شرق دير الزور أثناء هجومها على حقل كونيكو للغاز، ومقتل عدد من الجنود الرّوس في العمليّة، وتكرار العمليّة مرّتين، أثارت حفيظة وغضب الدبّ الرّوسيّ، الذي لم يجد وسيلة للانتقام من أمريكا، سوى دفع تركيّا للإيغال أكثر في جرائمها في عفرين واستخدامها أداة في النيل من أمريكا، والتوجيه لها باستئناف غاراتها الجويّة.

ولا تُستبعد فرضيّة أن يكون الطيران الرّوسيّ بالذّات قد شارك في حملة القصف الجنونيّ على معظم جغرافيّة مقاطعة عفرين، وروسيّا لها تجارب تاريخيّة في هذا الصدد، وهي التي ورثت ميراث وثقافة وذهنيّة “الاتّحاد السوفياتيّ” المُنهار، حيث قضت على تجربة “جمهورية مهاباد” عام 1946، كذلك شاركت الطائرات “السوفيّيتية” من طراز أنطونوف وتوبوليف، طيران “صدّام حسين” في قصف باشور “جنوب” كردستان إبّان ثورة البارزانيّ عام 1975، تحت شعار “النظام التقدّميّ البعثيّ في بغداد يقضي على أوكار الرجعيّة في شمال العراق”.

روسيّا تضع عفرين أمام خيارين أحلاهما مرٌّ

يبدو أنّ روسيّا تدفع نحو مزيد من التصعيد في عفرين، واجتماع رئيس الاستخبارات التركيّة “حقّان فيدان” قبل أيّام، وفي قاعدة “حميميم الرّوسيّة” مع قادة روس ورئيس الاستخبارات السّوريّة “علي مملوك”، هدفه قطع كافة المنافذ على عفرين، والضغط على إدارتها للقبول بالشروط الرّوسيّة – الإيرانيّة – السّوريّة، ووضعها أمام خيارين أحلاهما مرّ – طبعاً حسب التصوّر الرّوسيّ المريض – إمّا السماح بتسليم عفرين إلى قوّات النظام، أو أنّ تركيّا ستُكمل غزوها وتسيطر على كامل مقاطعة عفرين، متجاهلةً في الوقت ذاته حجم المقاومة التي تُبديها عفرين بشعبها ومقاتليها، وعلى كافة الجبهات، في إحداث شروخ وتصدّعات في الحلف الذي ترعاه روسيّا، خاصّة بعد أن تبلورت أهداف روسيّا الساعية لتقوية نفوذ هذا الحلف ضدّ التحالف الدوليّ لمحاربة داعش والذي تتزعّمه أمريكا. حيث وجّه الرئيس الرّوسيّ بوتين الدعوة لكلّ من أردوغان وروحاني لعقد قمّة رئاسيّة في إسطنبول، لدعم الموقف التركيّ ونيل الموافقة الإيرانيّة الكاملة للقبول بالمشروع التركيّ، الرامي إلى تنفيذ بنود صفقة “إدلب” مقابل “عفرين”.

الصراع الرّوسيّ – الأمريكيّ على مناطق النفوذ في السّاحة السّوريّة، يدفع فاتورتها الكرد ومكوّنات شمال سوريّا ومن دماء أبنائهم واستقرارهم، وآفاق تطوّر هذا الصراع إلى مواجهة مباشرة بين القوّتين العظميين، أمرٌ مستبعد في الوقت الراهن، ولكن روسيّا ترمي إلى تنفيذ ما تبقّى من إستراتيجيّتها في سوريّا، والتي عجزت عن تحقيقها عسكريّاً، عبر استثمار الدور التركيّ في السّاحة السّوريّة، ومحاولة استمالة تركيّا إلى حلفها والقطع مع الناتو والدول الغربيّة، وتدجين مرتزقتها.

رسالة أمريكا وصلت لتركيّا ومن منبج

التحذيرات التركيّة لأمريكا بضرورة سحب قوّاتها من مناطق الفصل بين قوّات مجلس منبج العسكريّ ومرتزقة درع الفرات، وأنّها ستستهدفها في حال عدم انسحابها، قابلها تشديد أمريكيّ، على أنّه في حال تعرّض قوّاتها لأيّ اعتداء، ومن أيّ طرف كان، ستردّ بالشكل المناسب. والرسالة الأمريكيّة وصلت إلى تركيّا عبر زيارة وفد عسكريّ رفيع المستوى من قوّات التحالف الدوليّ إلى منبج واجتماعه مع القادة العسكريين لمجلس منبج العسكري وقوّات سوريّا الديمقراطيّة، وتفقّده لنقاط تمركز قوّاته، والاحتمال الأقوى ألّا تتطور الأمور إلى مواجهة مباشرة بين أمريكا وتركيّا، ولكن الصحيح أيضاً أنّها ستُلجم تركيّا وتضع حدّاً لتهوّرات أردوغان الطائشة إزاء منبج.

تحرّك أمريكيّ خفيّ

ورغم أنّ أمريكا إلى الآن لم تحرّك ساكناً إزاء غزو تركيّا لعفرين، إلا أنّ كلّ المؤشّرات تدلّ على زيادة الضغوط الأمريكيّة على تركيّا بضرورة وقف العمليّة، والتصريحات الصادرة من مسؤولي البنتاغون والخارجيّة، يمكن تفسيرها ضمن إطار “تحرّك أمريكيّ خفيّ”، وعبر القنوات الدبلوماسيّة، وبدء ممارسة الضغوط عليها، هذا بعد أن تأكّدت – أي أمريكا – من فشل عمليّة الغزو، وهي من جانب آخر بمثابة مدّ طوق النجاة لتركيّا، لحفظ عار هزيمتها على تخوم عفرين.

زيارة وزير الخارجيّة الأمريكيّ “ريكس تيلرسون” إلى تركيّا، ستضع الكثير من النقاط على الحروف، وأوّلها محاولة إبقاء تركيّا ضمن حلفها، وإقناع أردوغان بضرورة أخذ المصالح الأمريكيّة في سوريّا والمنطقة بعين الاعتبار، والورقة التي سيضعها “تيلرسون” أمام أردوغان قويّة، وكافية لقبول أردوغان بالإملاءات الأمريكيّة، ألا وهي صمود مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة وقوّات سوريّا الديمقراطيّة في وجه العدوان التركيّ، وعدم إحراز تركيّا أيّ نصرٍ يُذكر، رغم مرور أكثر من عشرين يوماً على العمليّة. كما أنّ “تيلرسون” سيواجه أردوغان بحقائق لا يمكنه إنكارها؛ مشاركة عناصر وقيادات من تنظيم داعش الإرهابيّ في عمليّة الغزو.

/250/ قتيلاً خلال يوم واحد

عمليّة العدوان على عفرين، ورغم حجم الدمار الهائل الذي خلّفه، إلا أنّ ثبات المقاتلين، كفيل بقلب الطاولة على كافة المشاركين في المؤامرة على عفرين. التوغّل التركيّ، إلى الآن لم يتجاوز مئات الأمتار، والخسائر التي مُنِيَ بها في زيادة عدد قتلاهم وكذلك في عتادهم، يفوق كثيراً التصوّرات والتوقّعات التي رسمها أردوغان في خياله. جبهات شيخ خورزه وحدها قُصِفَت بأكثر من /5/ آلاف قذيفة، عدا عن قصف الطيران، ولم يتمكّن الجيش التركيّ ومرتزقته من السيطرة عليها وكلّفته /250/قتيلاً في يوم واحد، حسب مصادر عسكريّة. وكذلك في جبهات بلبله وراجو وجندريسه خلال يوم واحد فقط، علاوة على تدمير آليّات ودبّابات في عدّة جبهات. قرية حمّام في جندريسه، ورغم ملاصقتها للحدود، لم يتمكّنوا من السيطرة عليها، وهذا دليل على أنّه كلّما كانت الهجمة شرسة؛ فإنّ المقاومة أكبر منها. والقصف العشوائيّ، الذي لم يستثنِ ولا قرية في عفرين، وكذلك مراكز النواحي وعفرين المدينة، لم يؤثّر على عزيمة المقاتلين والأهالي في التصدّي للهجمة، بل زادتهم إصراراً على الدفاع بكلّ ما أوتوا من قوّة عن قُراهم وأراضيهم.

وجاءت مسيرة الشعوب التي انطلقت من السليمانيّة في باشور كردستان، مروراً بشنكال، وكافة مناطق إقليم الجزيرة والفرات والرّقّة ومنبج، لتكسر الحصار والطوق الذي يُراد فرضه على عفرين، وتؤكّد على حقيقة أنّ مقاومة العصر في عفرين، ليست معزولة ويمكن خنقها والقضاء عليها بتلك السهولة التي يتصوّرها أردوغان والجوقة الموالية له من الإئتلاف الإخوانيّ.

عفرين قطعت الشوط الأخطر من المؤامرة الإقليميّة – الدوليّة عليها، وكافة الأطراف المتورّطة فيها، تسعى الآن إلى تدوير الزوايا، واحتواء ارتدادات مقاومتها عليها، عبر إبداء مقاربات مغايرة لما كانت في بداياتها.