الرئيسيةمقالاتصراع المحاور… في سوريا

صراع المحاور… في سوريا

انفجرت الساحة السورية معلنة جولة جديدة من سجالات المعارك الميدانية وارتفاع أصوات المدافع طاغية بذلك على همسات الدبلوماسية والحلول ضمن الأطر السياسية.

وتصاعدت وتيرة الأحداث وأصبح المشهد أكثر ضبابية، وتشهد المنطقة حالة من الغليان والانفجار وتكاد تصبح على شفير هاوية لا يدرك أحد امتداداتها وتأثيراتها..

ولاسيما عقب العدوان الاسرائيلي على سوريا واسقاط طائرة إسرائيلية وما له من تداعيات جديدة في الصراع الدائر ضمن المحاور السورية، وكان أيضاً قصف التحالف الدولي لميلشيات الدفاع الشعبي التي تجاوزت خطوط منطقة خفض التصعيد في دير الزور وما تم تبريره بالتزامات التحالف بحماية المناطق التي تم تحريرها مؤخراً من داعش كرسالة موجهة لبقية الأطراف في سوريا ولاسيما الجانب التركي الذي صرح بوجوب سحب التحالف لقواته من منبج.

واستمرار العدوان التركي البربري والوحشي بحق المدنيين في عفرين وانتهاج سياسة الأرض المحروقة ضمن بربوغندا إعلامية ضخمة جداً تحاول إضفاء شرعية على عملياتها العسكرية متذرعة بأمنها القومي، ومحاولة إعلان نصر ولو جزئي بعد خيبات الأمل التي مني بها أمام صمود مقاومة العصر وتضحيات أهل عفرين .

ومن الملاحظ أن الساحة السورية أصبحت مسرحاً علنيا للصراعات الإقليمية والدولية وما يجري حالياً من تصعيد ما هو إلا لبلورة حلول تفصيلية ومقاسية لكل طرف من الأطراف ولابد أن التفاوض القادم سيحمل في أروقته الكثير من المخرجات نتيجة هذه الأحداث المتسارعة.

فهناك أسس للتفاوض وإدارة الأزمات، وتتطلب إدارة الأزمات أحياناً خلق أزمة جديدة مفتعلة من أجل حل أزمة سابقة، فلكل محور من محاور الصراع في سوريا أجندات ومصالح يسعى لتحقيها منها اقتصادية وأخرى سياسية أو إيديولوجية بحته..

فالإيرانيون يحاولون فتح ممر يصل ما بين طهران ولبنان وذلك عبر الأراضي السورية وهذا ما تعارضه بشدة الولايات المتحدة الأمريكية وحتى روسيا.

والروس يعتبرون أن وجودهم في منطقة الشرق الاوسط وتمركزهم لمدة طويله يعيد لها شيئاً من القوة بتواجدها في هذه البقعة الجيوسياسية الهامة في العالم لخلق نوع من التوازن في منطقة مليئة بالصراعات والتناقضات وهي تعي أن من يسيطر على الشرق الأوسط يستطيع السيطرة على العالم.

ومن بين القوى التي تحاول فرض هيمنتها على الساحة السورية أو فرض أجنداتها عبر أدواتها الحكومة التركية التي تحاول إنعاش حلمها القديم الجديد في السيطرة على الشمال السوري من خلال فكرة إنشاء المنطقة الآمنة والتي كثيراً ما نادت بها الدبلوماسية التركية.

وما تقوم به تركيا حالياً من عدوان تجاه الأراضي السورية في عفرين ما هو إلا تطبيق عملي لمحاولة إعادة تقسيم الأراضي السورية وفق مخططات عثمانية قديمة والتي كانت حلب في صميمها وجوهرها.

وفي ضوء استعار المعارك إلا أن هناك مسار سياسي مواز يتحرك لرأب الصدع والانقسام تمثل بتشكيل لجان متنوعة لإعادة صياغة دستور جديد بموافقة جميع الأفرقاء، ولتحديد شكل نظام الحكم في سوريا.

هذا التصعيد جاء عقب نتائج سوتشي التي كانت مخيبة للآمال وسط مقاطعة من بعض أطياف المعارضة وغياب مكونات عديدة من شعوب سوريا، فالحديث عن إعادة صياغة دستور في ظل حرب دائرة على كامل الجغرافية السورية، إما أن يكون مخرج لدوامة عنف ولممارسة ضغوط معينة للقبول بواقع جديد ترسمه مجريات المعارك وتتماشى معه مصالح الدول الإقليمية والدولي، كل حسب حجمه وثقله على الأرض، أو هو عبارة مضيعة للوقت وأن الحل لم ينضج بعد في سوريا بحسب جماعات الضغط النافذة، فالمشكلة لم تعد بين السوريين أنفسهم بل تعداهم إلى أروقة السياسة الدولية .

كل هذه المحاور المتناقضة والمتضادة تحاول أن تكسب حصة الأسد في الكعكة السورية ولذلك نرى خلط الأوراق من جديد ومساومات جديدة، ضمن هذه المعطيات والتداخلات وفق رؤى ومصالح خارجية لا تعبر عن إرادة السورين ولا تمثل تطلعاتهم وتوجهاتهم.

 يبدو أن الخيار الأمثل لما آلت إليه المنطقة يكمن في إيجاد أرضية مشتركة تتمثل بصياغة دستور جديد لسوريا يحمي سوريا من التقسيم ويحمي سوريا من الاحتلال والتدخل الخارجي المتمثل بكل هذه القوى المتصارعة.

والتركيز ضمن هذا الدستور على أن تكون سوريا فيدرالية اتحادية تضمن حقوق كل مكوناتها وتراعي كل المعتقدات والاثنيات والأعراق.

وأن هذا الخيار أصبح الأمثل أمام ما يواجهه السوريون في الوقت الراهن وأمام ما يحاك من مخططات ضدهم من قبل الأطراف التي تسعى لاحتلال المزيد من الأراضي، فصراع المحاور مستمر ولن تقبل أمريكا بحل روسي ولن تقبل روسيا بحل أمريكي، كل منهما يحاول فرض هيمنته وسطوته متجاهلاً موقف السوريين.

وكأن الوطن السوري أصبح مسرحاً لحرب باردة جديدة بين قطبين روسي وأمريكي وأن كانت بأذرع إقليمية تتصارع وفق إيديولوجيات متعددة.

في النهاية ورغم كل هذه التناقضات والصراعات لن يكون هناك حل للحرب السورية دون توافق دولي وإقليمي يأخذ بعين الإعتبار مصالح هذه الدول ومتطلبات الشعب السوري بكافة أطيافه ومكوناته.

حسين عثمان