الرئيسيةمقالاتمدرسة عفرين

مدرسة عفرين

محسن عوض الله

مثلت عملية عفرين التي شنتها القوات التركية مدعومة بفصائل سورية نقطة فاصلة في الصراع الدولي بسوريا، فالعملية التي أقتربت أيامها من الـ30 فشل فيها الجيش التركي ثاني أقوي جيوش الناتو من تحقيق أي انجاز ملموس على أُسود ولبؤات وحدات حماية الشعب والمرأة بشمال سوريا.

نجح الكرد في وقف الهجمة التتارية التركية المدعومة بفصائل الخزي والعار المسماة زوراً بالجيش الحر وهي أبعد ما تكون عن اسمها والتي اختارت أن تلقي بنفسها في مزبلة التاريخ السوري بعد أن وقفت في صف عدو محتل غاشم يريد اغتصاب أرض سورية واستباحت شعبها .

ربما تكون معركة عفرين من أكثر المعارك التي تستحق أن يتدارسها طلاب العلوم العسكرية بالعالم فأن تقف وحدات مقاومة شعبية في مواجهة جيش نظامي مدعوم بميليشيا لها خبرات في حرب الشوارع ويفشل ذاك الجيش وتلك الميليشيا في مواجهة مقاومة شعبية منظمة من رجال ونساء استطاعوا تكبيد العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري اعترف بها العدو نفسه فذاك يصل لحد الإعجاز العسكري .

لم أشك لحظة في قدرات وحدات حماية الشعب على تحطيم الغرور التركي وكانت ثقتي كبيرة في قدرة هؤلاء الأبطال على الوقوف في وجه الطموحات العثمانية بل وإلحاق هزائم كبيرة بهم ربما لم يعرفها الجيش التركي منذ فترة .

كان طبيعياً أن تنتصر عفرين كما انتصرت كوباني وكما حُررت الرقة فهم نفس الأبطال الذين خرجوا من نفس البطن واعتنقوا نفس الفكر هم أبناء أوجلان الأسير الذي حرر عقول الأحرار من قيود القومية وجاهلية العنصرية، هم أبناء أوجلان الذي لا يعرفون الهزيمة إلا بخيانة أو غدر، لا يخشون الموت بل يقبلون عليه بكل شجاعة كما فعلت آفيستا خابور، لا يخشون مواجهة الأعداء بل يواجهونهم أحياء ويفضحونهم أموات كما فعلت بارين كوباني .

ربما من حق الكرد بسوريا أن يفرحوا بمقاتليهم وأبطالهم الذين صمدوا رغم الخيانة، وواجهوا صمت العالم وتؤاطئه ضدهم، وقاوموا أوامر الذبح التي صدرت بحقهم من مجتمع دولي أصابه الخرس والعمي على أطفال ُتقتل ونساء تُرمل في حين ينتفض العالم على سوء معاملة خروف استرالي عند الذبح !

وتبقي عفرين مدرسة يجب أن نتعلم منها العبر ونستفيد منها بالدروس والخبرات ، فقد كشفت حرب عفرين أن ليس للكرد إلا أبناء أوجلان وفكره الذي تعبر عنه وحدات حماية الشعب PYD ، لا أمل في حليف غربي أو شرقي فالكل خان وباع، واستعد للرقص على الدماء لولا شجاعة وبسالة هؤلاء الأبطال الذي أجهضوا ذلك المخطط المجرم .

ما حدث بعفرين يوجب على الكرد إعادة النظر في سياساتهم وتحالفاتهم، فلا أعتقد أن الدور الروسي المشارك بشكل غير مباشر في قتل الأطفال بعفرين يجب أن يكون له وجود بعد الحرب، يجب أن تصنف روسيا في خانة القوى المعادية للكرد شأنها في ذلك شأن تركيا التي لا تتوقف عن المجاهرة بعدائها للكرد ليل ونهار .

وفي اعتقادي أن روسيا قد تكون أخطر على الكرد من تركيا فالثانية عدو ظاهر لا يتورع عن المجاهرة بعدائه في حين أن الأولى أشبه بالأفعى ملمسها ناعم وتصريحات دبلوماسيها هادئة ولكنها سامة لا يجب أن تآمن لها .

العلاقة مع واشنطن أيضاً قد تكون بحاجة لإعادة نظر خاصة أن الموقف الأمريكي من حرب عفرين اتسم ببلادة منقطعة النظير، وأقصى ما فعلته واشنطن هو تحذير تركيا من الذهاب إلى منبج لوجود معسكرات أمريكية بها وكأن أهل عفرين لا مانع من قتلهم لعدم وجود مقرات أمريكية بالمدينة.

ربما على الساسة الكرد أن يعيدوا النظر في العلاقة مع واشنطن فهي وإن كنت الحليف الأهم لأكراد سوريا ألا أن استفادتها من العلاقة مع الكرد لا تقل عن استفادة الكرد منها، فالمنفعة متبادلة ودعم أمريكا لقوات سوريا الديمقراطية هي المستفيد الأول منه.

على القيادات الكردية بفيدرالية شمال سوريا وقوات سوريا الديمقراطية أن تدرك أن حاجة أمريكا لهم ربما تفوق حاجتهم لها ،وإن واشنطن لم يعد لها حليف بسوريا سوى الكرد وأن فكرة التخلي عنهم قد تمنح موسكو وطهران الفرصة لطرد واشنطن من المعادلة السورية كما حدث بالعراق وهو أمر تخشاه أمريكا .

يجب أن تدرك واشنطن أن الكرد ليسوا مرتزقة ولا مقاتلين تحت الطلب ينتظرون نظرة العم سام للذهاب إلى الجحيم لتحقيق المصلحة الأمريكية ، يجب أن تكون المصلحة الكردية حاضرة وبقوة فى أى اجتماع كردي أمريكي ، يجب أن يتخلص الكرد من حالة المثالية العسكرية والإنتقال من مرحلة الإستضعاف إلى مرحلة القوة وفرض الشروط .

على القيادات الكردية أن تدرك جيداً أن دماء بارين كوباني ليست رخيصة وأن الدور الذي لعبته موسكو وواشنطن في التمثيل بجسدها الطاهر لا يقل عن الدور الذي لعبته أنقرة وميليشياتها.

الحرب التي لم تنته في عفرين تتطلب سياسة جديدة واستراتيجيات مختلفة تتوائم مع نتائج الحرب ومخرجاتها والدروس التي تحققت فيها، عفرين صنعت مجد يجب الحفاظ عليه واستثماره بشكل جيد وعلى القيادات الكردية أن تدرك أن العالم بعد عفرين يختلف تماماً عن العالم قبله .. فأدركوا اللحظة الحاسمة قبل أن تضيع وساعتها لن يفلح البكاء على اللبن المسكوب …