الرئيسيةمقالاتمقاومة عفرين ولا خيارات أردوغان

مقاومة عفرين ولا خيارات أردوغان

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد

بعد مرور حوالي شهر للعدوان التركيّ على مقاطعة عفرين، بدأت تتبلور مواقف متباينة منه، رغم عدم ارتقائها إلى مستوى التنديد بالهجمة البربريّة أو الوقوف ضدها، ولكن تداعياتها ألقت بظلالها على كافة المباحثات واللقاءات السياسيّة والدبلوماسيّة وخاصّة في الدول المعنيّة بالأزمة السّوريّة والتي لها دور كبير وفعّال فيها.

استخدام الطيران والقصف العشوائيّ؛ هزيمة مُعلنة

في الميدان، لم تحقّق تركيّا أهدافها التي أعلنتها في السيطرة على كامل جغرافيّة عفرين خلال مدّة قصيرة، ونيّتها في تهجير أهلها وتوطين المرتزقة وعوائلهم فيها، وسعيها لإجراء تغيير ديمغرافيّ، ليتسنّى لها فيما بعد ضمّها إلى أراضيها، وتعيين والي تركيّ (عثمانيّ) فيها، على غرار ما فعلته في مناطق الشهباء التي احتلّتها عام 2016.

الخسارة التي ألحقتها وحدات حماية الشعب والمرأة الـ(YPG) والـ(YPJ) وقوّات سوريّا الديمقراطيّة (QSD) بالجيش التركيّ ومرتزقته، جعلته ينكفئ إلى الوراء ويُعيد حساباته ويغيّر من خططه التي أعدّها للهجوم، خاصّة بعد مقتل المئات من مرتزقته وجنوده على كافة الجبهات، وتدمير عشرات الدبّابات والآليّات العسكريّة، فضلاً عن إسقاط طائرتين، فعمد في الآونة الأخيرة إلى الاعتماد على جنوده بالدرجة الأولى وإقحامهم في المعارك الدائرة مما يثقل فاتورة عدوانه بشريّاً وماديّاً والتي ستكون لها ارتداداتها على الصعيد الداخليّ، وذلك بعد فشل مرتزقته في تحقيق أيّ إنجازٍ عسكريّ يُذكر، على العكس أصبح المرتزقة عالة على كاهله يعمدون إلى سرقة وسلب القرى التي يدخلونها أكثر من انشغالهم بالمعارك، وهذا ما تسبّب بمقتل المئات منهم. ولإخفاء جثث القتلى، لجأ إلى حرق الجثث وإخفاء هويّاتهم عن أهاليهم، خوفاً من ردود الفعل التي يمكن أن تنجم عنها.

استخدام الطائرات والقصف المدفعيّ العشوائيّ على القرى والمدن وبشكل مكثّف، مردّه الخوف الذي يرتاد عناصر الجيش التركيّ، وعدم تمكّنه الانتقال إلى مرحلة الهجوم، نتيجة المقاومة العنيفة لمقاتلي الـ(YPG) والـ(YPJ) والتكتيكات التي يتّبعونها في كيفيّة الانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم، والإغارة على المواقع التي سيطر عليها العدو وتحريرها منهم، ونصب الكمائن. هذا الأسلوب من الحرب استنزف الجيش التركيّ ومرتزقته ماديّاً ومعنويّاً، وجعلته يحسب ألف حساب قبل الإقدام على شنّ أيّ هجوم. وهذا ما حصل في العديد من الجبهات مثل شيخ خورز وسعرينجكه، وكذلك في قرى الحمّام ودير بلّوط وحج اسكندر وديوا.

YPG رفضت الإملاءات الرّوسيّة

وقائع الميدان فرضت نفسها على السّاحة السياسيّة والدبلوماسيّة وبشكل واضح، فانبرت كافة الأطراف الضالعة في العدوان على عفرين، إلى تدارك التداعيّات التي تتركها مقاومة العصر على مستقبلها في سوريّا والمنطقة.

روسيّا الشريك الأساسيّ لتركيّا في العدوان، شرعت إلى الالتفاف على مواقفها السابقة، والبحث عن طريق تعيد بها سمعتها التي تلطّخت ودورها الذي اختلّ في روج آفا وشمال سوريّا، نتيجة تنسيقها الكامل مع تركيّا ضمن إطار ما يسمّى “اتّفاقات أستانه” وإنشاء “مناطق خفض التوتّر”. الجولات المكوكيّة للوفود الروسيّة في التفاوض مع الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة ووحدات حماية الشعب؛ هدفها ترميم العلاقة وإعادة الثقة، بعدما تيقّنت من الفشل التركيّ في عفرين، طبعاً جاءت حاملة جملة من الشروط والإملاءات والتي رفضتها وحدات حماية الشعب، وعلى لسان الناطق الرسميّ لها في مقاطعة عفرين بروسك حسكة.

“عودة للمنظومة الأمنيّة دون الاضطّلاع بمهام الدفاع”

البديهيّة الثابتة في أيّ عمليّة حوار أو تفاوض، أنّ كل الأطراف المتحاوِرة، وعندما تجلس حول الطاولة، تقدّم تنازلات ضمن الحدود المعقولة والتي تحفظ لها مسلّماتها، وإلا لن يتمّ التوصّل إلى أيّ اتّفاق. ما اشترطته روسيّا يخرج في بعده الوطنيّ والسياسيّ عن كلّ أطر حصول اتّفاق، حيث تسعى إلى إملاء شروط الاستسلام وليس الاتّفاق على مشاركة الدولة السّوريّة في عمليّة الدفاع عن عفرين. والموضوع رُفِضَ من أساسه من قبل وحدات الحماية. عودة المنظومة الأمنيّة للنظام، دون الاضطّلاع بمهام الدفاع عن عفرين، يثير الكثير من الشكوك والهواجس لدى كلّ أهالي عفرين وبكافة مكوّناتها، حيث القناعة الراسخة أنّ قوّات النظام غير قادرة على ردع العدوان التركيّ، لعدّة أسباب؛ أهمّها، الضعف وحالة الإنهاك التي تعتري صفوفه، وكذلك نوعيّة المعارك التي تُدار في الجبهات، حيث لا يمكنه خوض معارك جيوش وجبهات، يتمّ فيها استخدام أسلحة متطوّرة كالطيران والمدفعيّة، وأهمّ منها أنّ مشاركته قد تترتّب عليها تداعيات لا يمكن للنظام وحتّى روسيّا تحمّل عواقبها؛ اتّساع رقعة المعارك، بحيث لا يمكن بعدها تطويقها والسيطرة عليها، وهو ما لا تحبّذه روسيّا مطلقاً. فالتعويل على مجيء قوّات النظام لا طائل منه، وهو لن يستطيع تغيير موازين القوى على الأرض، فتركيّا لا تُقيم وزناً لقوّات النظام، وقد حذّرتها في بداية عدوانها من أيّ مواجهة معها.

روسيّا تسعى إلى “شرعنة” الاحتلال

وإذا كان الموضوع يتعلّق بالسيادة السّوريّة التي تُنتهك في عفرين، أعتقد أنّ الدفاع عنها يتمّ بوسائل وآليّات أخرى، دون أن تترتّب عليها عواقب قد تضرّ بالوحدة الوطنيّة السّوريّة، تحريك الموضوع في المحافل الدوليّة يمكن أن يُلجم تركيّا ويدفعها إلى وقف عدوانها، فضلاً عن استخدام روسيّا لنفوذها – كدولة عظمى – إلى الضغط على تركيّا، ولكن أوّل ما يُطرح في هذه المسألة، “تسليم عفرين” وبشروط مجحفة؛ على أن يقف كلّ طرف عند الحدود التي يسيطر، ما يعني القبول باحتلال تركيّا لبعض المناطق التي سيطرت عليها وشرعنة هذا الاحتلال، وهي المسألة التي تصرّ القيادة السياسيّة والعسكريّة في مقاطعة عفرين على رفضها، وأعتقد أنّ الأخيرة ستقبل بوقف لإطلاق النار بعد أن تعود الأوضاع إلى ما قبل 20 كانون الثاني/ يناير الماضي.

تزامن الطرح الرّوسيّ وقف العدوان، مع زيارة وزير الخارجيّة الأمريكيّ “ريكس تيلرسون” لتركيّا؛ هدفها سحب المبادرة من أمريكا، والاحتفاظ بها لتحقيق إنجاز سياسيّ في سوريّا، بعد أن تيّقنت – أي روسيّا – أنّ تيلرسون حمل معه عدّة مشاريع واقتراحات إلى تركيّا، وأوّلها فرض وقف العدوان وانسحاب تركيّا من أراضي المقاطعة، وثانيها؛ إعادة تركيّا إلى حظيرة الناتو والحلف الغربيّ، وإيقاف صفقة صواريخ إس – 400 التي أبرمتها روسيّا مع تركيّا.

وإذا كان الأمر مغايراً لما ذهبنا إليه، لماذا لم تحرّك روسيّا ساكناً طيلة 27 يوماً من العدوان…؟؟

مقترحات أمريكيّة لتركيّا

المباحثات التي أجراها تيلرسون في أنقرة، وحسب ما تسرّب قسم منها، لم تغيّر شيئاً من الثوابت الأمريكيّة في سوريّا، على العكس تماماً شهدنا في المؤتمر الصحفيّ المشترك تشديداً من قبل تيلرسون على ثلاث مسائل أساسية:

1– عدم السماح لتركيّا بالاقتراب من منبج وتحت أيّة ذرائع كانت، وأنّها ضمن نطاق سيطرة قوّات سوريّا الديمقراطيّة.

2– استمرار دعم قوّات سوريّا الديمقراطيّة، على اعتبار أنّ المعركة ضدّ الإرهاب لم تنتهِ بعد.

3– انتشار القوات الأمريكيّة على طول الشريط الحدوديّ مع تركيّا، لضمان أمنها، لطالما تذرّعت بها تركيّا لتشنّ عدوانها على مقاطعة عفرين. وهذا بحدّ ذاته يفرض وقفاً للعدوان، ولقد قالها الوزير تيلرسون بلغة دبلوماسيّة هادئة: “إنّ أمريكا تتفهّم الهواجس الأمنيّة التركيّة”.

تجاوز مفهوم “شرقيّ الفرات وغربه”

ولم يحدّد تيلرسون الأماكن التي ستنتشر فيها القوات الأمريكيّة، وكلّ الاعتقاد أنّ مسألة “غرب الفرات وشرقه” قد تمّ تجاوزها بعد العدوان على عفرين، ودخول أمريكا على خطّ وقف العدوان التركيّ على عفرين، وبقوّة، يؤكّد حقيقة اضطّلاع أمريكا بمهامها في القسم الغربيّ أيضاً، بعد أن تنصّلت روسيّا من لعب دورها كضامن لاستقرار المنطقة، بل تماهت مع العدوان، وبكلّ تفاصيله وجزئياته.

ولكن هل ستقبل تركيّا بتلك الشروط التي أعلنها تيلرسون. احتدام المعارك، وعلى كافة الجبهات، يشير إلى عدم التزام تركيّا وأردوغان بأيّة قواعد وقوانين للحرب واتّفاقات، بل عمد إلى تصعيد غير مسبوق، نتيجة عجزه عن المواجهة المباشرة مع المقاتلين المدافعين عن عفرين، فضرب القرى الآمنة في ناحية شيه بغاز الكلور الكيماويّ السّام، وفي يوم انتهاء زيارة تيلرسون، ما يعني رفضها للمقترحات التي حملها تيلرسون لها.

سيناريو ما بعد أردوغان

الشيء اللافت في إطار تعنّت أردوغان وإصراره على تنفيذ مشاريعه التدميريّة في المنطقة، هو السيناريوهات التي طرحتها عدّة وسائل إعلام أمريكيّة معروفة بقربها من دائرة القرار الأمريكيّ، مثل شبكة “أي. بي. سي” الإعلاميّة، حول الإطاحة بأردوغان عبر انقلاب عسكريّ تقوده المؤسّسة العسكريّة التركيّة المرتبطة حتّى النخاع بأمريكا، على أن تتولّى المؤسّسة إدارة البلاد ريثما تجرى انتخابات حرّة وديمقراطيّة. وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ظلّ تحوّل أردوغان إلى شخص منبوذ ومرفوض دوليّاً، ويهدّد كافة الدول الغربيّة وفي مقدّمتها أمريكا.

“أوجلان” سيقود مرحلة ما بعد AKP وأردوغان

العلاقة الأمريكيّة – التركيّة في بعدها الإستراتيجيّ والاقتصاديّ وحتّى الأمنيّ، تتجاوز أردوغان وحزب العدالة والتنمية، فتركيّا مرتبطة بأمريكا بعلاقات ووشائج لا يمكن فصمها بتلك السهولة، وأيّ اهتزاز فيها قد يعرّض تركيّا إلى زلازل سياسيّة وعسكريّة لا يمكن التحكّم بها، وأمريكا متنفّذة فيها إلى درجة أنّ كافة المفاصل الأساسيّة فيها هي من تديرها، وأوّلها المؤسّسة العسكريّة. تعريض مصالح أمريكا للخطر من قبل أردوغان لن تمرّ مرور الكرام، وكلّ المؤشّرات تدلّ على أنّ عهد أردوغان وحزبه قد ولّى دون رجعة او أنّه يعيش أيامه الأخيرة، وما عليه إلا الرحيل. لتبدأ بعده مرحلة جديدة؛ سمتها الأساسيّة؛ إطلاق عمليّة السلام بين الحكومة التركيّة وحركة التحرّر الوطنيّة الكردستانيّة والتي سيقودها، بلا منازع، القائد الكرديّ عبد الله أوجلان، وأوّل فصول هذه المرحلة تكتب الآن على جبال عفرين، وإنّ غداً لناظره لقريبُ.