الرئيسيةمقالاتمُقاومَةُ عفرين … تُعيدُ رسمَ خرائطِ التوازناتِ

مُقاومَةُ عفرين … تُعيدُ رسمَ خرائطِ التوازناتِ

بقلم الكاتب السياسيّ والإعلاميّ: جميل رشيد
أسفر الاسبوع الثاني من الغزو التركيّ على مقاطعة عفرين، عن مزيد من التقهقر للقوّات التركيّة ومرتزقتها وعلى كافة الجبهات. والادّعاءات التركيّة بالسيطرة على مناطق إستراتيجيّة وقرى عديدة، ما هي إلا أكاذيب؛ هدفها رفع معنويّات قوّاته المنهارة على تخوم جبال عفرين، ومحاولة لخداع العالم والرأي العام للتغطية على هزائمه المتتالية، بعد أن تلقّت قوّاته ضربات قاصمة، ما حدا به إلى استعمال سلاح الطيران والقصف المدفعيّ البعيد وحتّى الأسلحة المحرّمة دوليّاً كغاز السارين والنابالم، لإرهاب الأهالي ودفعهم للنزوح عن قراهم.
فشل أسلوب “الصدمة” وترويع الأهالي
ولكن أسلوب الصدمة الذي عمدت تركيّا إلى اتّباعه في عفرين، تمّ احتواؤها والتصدّي لها وبقوّة، عبر ثبات المقاتلين والأهالي في جبهة متراصّة، ولم يعد قصف الطيران والمدفعيّة قادراً على كسر إرادتهم في المقاومة والتمسّك بأرضهم، رغم ارتكابها المجازر بحقّ المدنيين وفي عدّة مناطق، ولهذا لجأ إلى القصف العشوائيّ على المدن والقرى والتجمّعات السكّانيّة، في مسعى إلى زرع الخوف وترويع المدنيين، وهو الهدف المعلن والأخير لعمليّة الغزو.
ما يعزّز من قناعة الهزيمة التركيّة المبكّرة في جبال الكرد، هو الارتباك الحاصل داخل القيادة العسكريّة التركيّة وعلى رأسهم أردوغان، فالدعوة العاجلة لاجتماع القيادة العسكريّة وبحضور رئيس جهاز استخباراته، لتقويم عمليّة غزو عفرين، هي محاولة البحث عن طريق وأسلوب للتستّر على هزيمته، ولإيجاد خروج “مشرّف” له ولقوّاته من مستنقع عفرين، خاصّة بعد مقتل العديد من جنوده وقياداته العسكريّة.
استعداد داخليّ لصدّ الهجمة
التلاحم المجتمعيّ في عفرين وبمختلف مكوّناته، ظهر كقوّة لا يُستهان بها في ظلّ استمرار العمليّات العسكريّة. الاستنفار الشعبيّ وعلى مختلف الصُعُد، أكّد على حقيقة القوّة التنظيميّة وقدرتها على إدارة المعركة في الجبهات الخلفيّة، وإحباط كافة محاولات العدو في التأثير على معنويّات الشعب وإحداث شرخ بينها وبين القوّات العسكريّة الصامدة في الجبهات، فانخرط الجميع في تأمين مستلزمات المعركة المصيريّة التي تخوضها عفرين، ما جعلهم يعملون كخليّة نحل، يوصلون الليل بالنهار، وهي إحدى العناصر الهامّة والضامنة في انتصار مقاومة العصر التي تخوضها عفرين. وهذه لم تكن لتتحقّق لولا البناء السليم والاستعداد الكامل داخليّاً على صدّ هذه الهجمة الشرسة التي تتعرّض لها المنطقة.
أردوغان يعيد إنتاج ثقافة التوحّش
الهمجيّة التي كشفت عن وجهها الحقيقيّ في عمليّة الغزو، لم تعد وسائل الإعلام التركيّة والتي تدور في فلكها قادرة على تغطيها، فالتمثيل بجثث الشهداء ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعيّ على أنّها “مفخرة وانتصار”، كما حصل مع الجثّة الطاهرة للشهيدة “بارين كوباني”، إنّما تعبّر عن ثقافة التوحّش التي يمثّلونها، ثقافة داعش الذكوريّة التي تنتقم من المرأة كمرأة متحرّرة قبل أن تنتقم منها أنّها كرديّة. فالتلاقح الثقافيّ بين فكر حزب العدالة والتنميّة وداعش، أنتج وحوشاً بهيئة آدميين، ما يشكّل خطراً كبيراً على البشريّة جمعاء، ويعيدنا إلى عصر الجاهليّة كما أكلت هند من كبد سيّدنا حمزة، وهو ما يسعى أردوغان من خلال مشروعه في الهجوم على عفرين إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة إنتاج ثقافة القتل والنحر، ولتحويل عفرين، إذا ما تسنّى له السيطرة عليها، إلى تورا بورا جديدة، يصدّر فيها إرهابه إلى كافة أصقاع العالم، ليهدّد بها حتّى الدول العظمى. تدمير الأماكن الأثريّة والمعابد الدينيّة القديمة، هدفها محو ثقافة عفرين وأهلها، ما يكرّر سيناريو حركة طالبان في أفغانستان عندما فجّرت تمثال بوذا في الجبل، وكذلك معاول تنظيم داعش الإرهابيّ عندما أبادت ثقافة نينوى وسومر في الموصل. أردوغان الذي يقود الحملة الداعشيّة على عفرين، هو ضدّ البشر والحجر والشجر، ويتّبع سياسة الأرض المحروقة ويستهدف كلّ شيء، حتّى الحيوانات.
لم تعد عفرين دائرة مغلقة على نفسها
لم تفلح مساعي أردوغان في النيل من المقاومة المتصاعدة يوميّاً في عفرين، فعمد إلى تغيير قوّاته المشاركة في الغزو بأخرى، ظنّاً منه أنّها قادرة على تحقيق ولو نصر بسيط، والجوقة الإعلاميّة التي تروّج لأكاذيبه؛ فضحتها كافة وسائل الإعلام التي تغطّي المعارك، فلم تعد عفرين دائرة مغلقة على نفسها يمكن لتركيّا الأردوغانيّة ارتكاب المجازر فيها، دون أن تُسمع صوت مقاومتها للعالم. كبريات وسائل الإعلام العالميّة، أعطت حيّزاً كبيراً لسير المعارك وتصدّرت المانشيتات الرئيسيّة، وأثبتت، ودون انحياز، فشل الهجوم التركيّ على عفرين، مثل شبكة “إي. بي. سي” الأمريكية، وصحفيّون ذو مكانة مرموقة، كالصحفيّ الإنكليزيّ “روبرت فيسك” وغيره الكثيرون ممّن غطوا العمليّات. فحسابات أردوغان لم تتطابق مع بيدره الذي تذريه رياح مقاومة عفرين.
المقاومة وحدها ستحدث خرقاً في جدار الصمت الدوليّ
المجتمع الدوليّ مازال حتّى اللحظة يأخذ موقفَ المتفرّجِ، ولم يبدِ أيّة مواقف جريئة ضدّ هذه الهجمة، والأصوات الخافتة لبعض المسؤولين الغربيين، لا تكاد تكون سوى دعم خفيّ لتركيّا، ولم تتبلور إلى الآن أيّة ردود فعليّة دوليّة ترتقي إلى مستوى الجرائم التي ترتكبها تركيّا في عفرين، ما يؤكّد حقيقة غياب الضمير العالميّ والانحياز الكامل للقاتل، تماشياً مع مصالحهم. وبكلّ الأحوال لا يعوّل أحد من المقاومين على جبهات الدفاع عن عفرين، على إحداث خرق في جدار الصمت المطبق حتّى الآن، بل يؤكّدون، وباستمرار على دحر هذا العدوان باستبسالهم وقوّة صمودهم، وهو الوحيد الذي سيحرّك العالم، ويدفع بالدول التي تحابي تركيّا اليوم، إلى اتّخاذ مواقف جريئة وعلنيّة، قد تصل حتّى إلى مستوى إيصال القضيّة إلى مجلس الأمن الدوليّ.
جولات مكّوكيّة روسيّة لإدارة “مفاوضات عبثيّة”
عفرين الآن تغيّر موازين القوى التي فرضتها القوى الخارجيّة، وبعيداً عن إرادة السّوريين، اندحار تركيّا ومرتزقتها بالمعنى السياسيّ قبل العسكريّ، سيعيد ترتيب الخارطة السياسيّة والعسكريّة السّوريّة، وسيقضي على فلول المرتزقة الذين جنّدتهم تركيّا ودرّبتهم وأقحمتهم في معركة العدوان على عفرين، وهو ما أغرى روسيّا لتتناغم مع تركيّا في شنّ هذا الهجوم الغادر على عفرين. روسيّا الباحثة عن طريق لتصفية المرتزقة في إدلب ومناطق الشهباء، منحت تركيّا الضوء الأخضر لتجميعهم وشنّهم الهجوم على عفرين، فكلّ من خرج عن الإرادة الرّوسيّة، استطاعت تركيّا تحجيمهم ضمن إطار الاستعداد لمعركة عفرين، ولكن في ذات الوقت هذه تشكّل قوّة تهديد لحلب والمناطق التي سيطر عليها النظام بدعم من روسيّا وإيران. إلا أنّ روسيّا، وفي قرارة نفسها، تدرك جيّداً أنّ تركيّا ومرتزقتها سيسقطون أمام مقاومة عفرين، ولهذا تحاول أن تمسك العصا من المنتصف، فالجولات المكّوكيّة للوفود الروسيّة في إدارة “مفاوضات عبثيّة” – حسب الادّعاءات الروسيّة طبعاً – بين النظام وقوّات سوريّا الديمقراطيّة، في محاولة لليّ عضد الأخيرة وتسليم عفرين على طبق من ذهب إلى النظام، مقابل وقف العدوان التركيّ، باءت بالفشل، وأكّدت عدّة مصادر من قوّات سوريّا الديمقراطيّة أنّه لا تواجد لقوّات النظام في عفرين، ولن يقبلوا بأيّة شروط يفرضها أيّ طرف عليهم، مقابل تسليم عفرين.
AKP وأردوغان نتاج مرحلة طويلة من العمل الاستخباراتيّ الغربيّ
ارتكبت روسيّا خطأ تاريخيّاً بحقّ الشعب الكرديّ، في تحالفها مع أردوغان عبر منحها الضوء الأخضر في العدوان على عفرين، وستدرك عاجلاً أنّها اختارت حليفاً غير أميناً ومستقرّاً. وأردوغان من خلال نهجه البراغماتيّ الانتهازيّ، مستعدّ لجعل عدوّ الأمس صديق اليوم، والعكس صحيح. فإن كانت روسيّا تسعى لفكّ علاقة وارتباط تركيّا بحلف الناتو؛ فإنّ الوشائج والارتباطات بين تركيّا والدول الغربيّة تتجاوز أردوغان وحزبه، ولن يكون بمقدور أردوغان إعادة تركيّا إلى الحظيرة الرّوسيّة. أردوغان وحزبه نتاج مرحلة طويلة من العمل الغربيّ الدؤوب في إنتاج نموذج دينيّ متطرّف يخدم مصالحهم، وقد مرّ بعدّة مراحل، بدءاً من مرحلة “نجم الدين آرباكان” وتجربة حزب الرفاه، مروراً بمرحلة حزب السعادة وصولاً إلى العدالة والتنمية، جميع دوائر الاستخبارات العالميّة وخاصّة الأمريكيّة والإنكليزيّة والإسرائيليّة والألمانيّة عملت على إنتاج أردوغان وحزبه، وهو خير من يخدم مصالحهم في المنطقة. لا أعتقد أنّ هذه الحقيقة غائبة عن أعين الرّوس، والتحالف التكتيكيّ الآني بينهما، قد ينقلب في أيّة لحظة إلى عداوة مستفحلة، تفجّرها تناقضات تاريخيّة كثيرة وكبيرة، قد يطول الحديث عنها هنا.
أمريكا لا تحبّذ قوّة في شمال سوريّا لا تقبل بإملاءاتها
أمريكا، العالمة والخبيرة بخفايا اللعبة السياسيّة والعسكريّة في تركيّا والمتحكّمة بها منذ عقود، يضيرها أن تغدر بحليفها وشرطيّ الناتو في المنطقة تركيّا بين ليلة وضحاها، والكرد قبل غيرهم يدركون هذه الحقيقة، و”الامتعاض الأمريكيّ” من التصرّفات الهوجاء لأردوغان، وإظهار نوع من الخلاف بينهما، لا يتجاوز كونه “معاتبة” على تصرّف الابن الصغير وخروجه قليلاً عن المسار والخطّ المرسوم له، علينا دائماً وضع هذه الحقيقة نصب أعيننا في أيّة علاقة نبنيها ومع أيّة دولة غربيّة، وهذا هو المنطق والسياسة التي تتعامل بها كلّ من أمريكا وأوروبا مع العدوان الأمريكيّ على عفرين. لجم العدوان قد يأتي بعد استنفاده لأهدافه الرامية إلى تحقيقها في المنطقة. كما أنّ أمريكا، ومن خلال صمتها المريب، كأنّها تمنح الإجازة لأردوغان “لتقليم أظافر الكرد”، وفق المنطق البراغماتيّ الأمريكيّ، الذي لم يغب عن سياستها أبداً، ومقارباتها المخزية من العدوان، تظهر وبجلاء أنّها تكامل بين مصالحها الإستراتيجيّة مع تركيّا، وبين أن لا تكون هناك “قوّة مستقلّة بقرارها العسكريّ والسياسيّ في شمال سوريّا، ولا تقبل بإملاءاتها”.
النفاق الغربيّ في التعامل مع العدوان التركيّ على عفرين بالتأكيد سيصل إلى جدار مسدود، وعفرين الآن تكتب فصلاً جديداً في العلاقات الدوليّة، ستترتّب عليها انعكاسات على كامل المنطقة والعالم، وستعيد إنتاج مفاهيم وسياسات وتوازنات لم تكن موجودة من قبل.