الرئيسيةدراساتالسياسة التركية تجاه سوريا في ضوء موقفها من القضية الكردية

السياسة التركية تجاه سوريا في ضوء موقفها من القضية الكردية

الدكتور أحمد يوسف

يُظهر سجل تركيا مع الأكراد الوجه الحقيقي للدولة الواقعة على الحدود الشمالية لسوريا، ويساهم في سهولة إدراك حقيقة الموقف التركي من الحدث السوري، والأسباب الداعية لسرعة تدخلها في ذلك الحدث منذ لحظة الصفر في الطرف المناقض للسلطات الحاكمة في دمشق، رغم أشهر العسل التي استمرت لسنوات والتي بدأت باتفاقية أضنة في العام 1998م، وبلغت ذروتها بتأسيس المجلس الأعلى الاستراتيجي بين النظامين الحاكمين في دمشق وأنقرة في عام 2009م.

تملك الذاكرة التركية في جنباته الكثير من الانكسارات المريرة في تعاملها مع الكرد الذين يتقاسمون معها الجغرافيا، وتتراكم الأحداث والمآسي في تلك الذاكرة التي تأبى أن تغوص في عمق التاريخ خشية كشف حقيقة أن الكرد ليسوا حالةً مؤقتةً في منطقةٍ شكلت أرضهم التاريخية، وأن الأتراك ذاتهم ليسوا إلا قبائل قادمة من أعماق آسيا لتستقر في البلاد المسماة “أناضول” اليوم.

إن حامل الذاكرة التركية في تعامله مع الكرد ليس ساذجاً لدرجة عدم إدراكه للحقائق التاريخية، وإنما يتقصد عدم الغوص فيها لأنه في حال حدوث ذلك ستفقد تركيا، وريثة الدولة العثمانية، كل مقومات سياساتها الشوفينية تجاه الجوار، وسيبدو وضعها جلياً أمام جميع القوى والانتماءات في المنطقة. لذلك يحتوي سجل  التعامل التركي مع الكرد في طياته الكثير من الأعمال الإجرامية التي سعت من خلالها إلى مسح الذاكرة القديمة المترسخة لدى الكرد، فما كان منها إلا ان تُظهِرَ همجيتها المنقطعة النظير في تعاملاتها مع ثورات الكرد التي ظنت الدولة التركية في محصلتها أنها تمكنت من وأد الحراك الكردي المناهض للسطوة الكمالية في جغرافية شمال كردستان. وقد ترسخت لديها تلك القناعة عندما وجد البعض من الكرد أن لا مناص من قبول عملية التتريك عبر مسح ذاكرتهم الكردية واستعاضتها بذاكرة الانتصارات الوهمية للدولة التركية على الكرد.

لقد بدأت مرارة التعامل مع القضية الكردية ” تركياً ” بالولادة القاسية لحزب العمال الكردستاني (PKK) وسعيه الجدي لإعادة إحياء الذاكرة الحقيقية في العلاقات الكردية – التركية، فكانت الصدمة الأولى لجبروت الدولة التركية بقفزة الخامس عشر من آب لعام 1984م التي انطلقت شرارتها من أقصى جنوب شرقي تركيا(شمال كردستان) بهدف إقامة وطن مستقل للأكراد. وتغير هذا الهدف بفعل عوامل عديدة، وتأتي في مقدمتها إعادة الصياغة الفكرية لحزب العمال الكردستاني والانتقال بالحزب من إحدى الحركات الماركسية الناشطة في تركيا إلى حركة تتبنى أفكار مدرسة ظهرت من رحم الحركة ذاتها على يدي قائدها عبدالله أوجالان بعد وقوعه في الأسر بعملية القرصنة الدولية التي أدت إلى إلقاء القبض عليه في كينيا والانتقال به إلى سجن إمرالي في بحر مرمرة في تركيا.

قابلت تركيا الولادة المعاصرة للحركة الكردية فيها من خلال سطوة الذهنية الإقصائية التي تعاظمت لدى النخبة التركية تدريجياً منذ ولادة دولة تركيا الحديثة في عام 1923م، وظاهرة التفاخر بالانتماء إلى القومية التركية. وقد أدت ردة الفعل التركية  بهذا الأسلوب على ظاهرة الإحياء الكردي إلى فقدانها للكثير من مقومات تحقيق السلم الأهلي بين أبناء الوطن الواحد، وضياع الكثير من فرص التنمية الحقيقية، إذ أنه وعلى الرغم من محاولات الحكومات التركية المتعاقبة للإيحاء للكرد بتطوير مناطقهم اقتصادياً (في إطار حربها الخاصة ضدهم)، إلا أن تلك المناطق مازالت تعاني من تخلف البنية التحتية فيها إلى جانب ضعف الشعور الكردي بالانتماء إلى الوطن التركي، لمعرفتهم المطلقة بحقيقة انتمائهم المختلف، وكذلك لمعرفتهم بالممارسات الإقصائية للدولة بحقهم من خلال الإجراءات المتخذة من قبلها “للادماج القسري للكرد والأثنيات الأخرى في إطار موحّد عام، هو الدولة القومية التركية”[1]، ذات اللغة الواحدة والعلم الواحد.

أولاً-استراتيجية تركية ثنائية الأبعاد

ترتب على الرؤية التركية هذه قيامها بوضع استراتيجية مضادة لحقوق الكرد، وذات بعدين، أحدهما داخلي. وقد لجأت السلطات إلى تطبيقها بأساليب أمنية تجلت في النقاط التالية:

  • وضع قواعد عسكرية لحوالي 40% من الجيش التركي في شمال كردستان[2]، لتكون اليد الطولى لسلطات أنقرة المستخدمة ضد تطلعات الكرد، وتتحمل المؤسسة العسكرية التركية مسؤولية الكثير من الأعمال الإجرامية في مناطق انتشارها مثل تدمير ما يقارب من أربعة آلاف قرية وتهجير سكانها.
  • تطبيق أحكام خاصة تجعل من كل كردي متهماً بتواصله مع الحركة الإنفصالية حسب رأيهم، وهنا نورد قرارات محكمة الاستئناف العليا التي ترى في الأشخاص الذين يشاركون في التظاهرات التي تدعو لها منظمات إعلامية تعتبرها الدولة التركية على صلة بحزب العمال الكردستاني وكأنهم يعملون نيابةً عن منظمة إرهابية.[3] كما “أعلنت الدولة التركية منذ عام 1987 جنوب شرق البلاد منطقة طوارئ ووضعتها تحت شكل أشد صرامةً من أشكال الحكم العسكري”[4]
  • تأسيس مؤسسة حماة القرى التي شكلت ظاهرةً خطيرةً تنخر جسد المجتمع الكردي عبر إجبار بعض الكرد إلى العمل ضمن الدائرة المضادة لتطلعات الكرد.

أما البعد الخارجي لمحاربة القضية الكردية، فقد شمل عدة أوجه للعمل، يمكن إيرادها على النحو التالي:[5]

  • احتواء الأبعاد الخارجية للمسألة الكردية، وقد كان الموضوع الكردي من أهم عوامل التحالف بين تركيا وإسرائيل.
  • الضمان العملي لسياسات الأمن الجماعي تحت مظلة حلف الناتو والاتفاقات العسكرية والاستراتيجية مع أطرافٍ أخرى في المناطق والأقاليم المحيطة أو ما يسميه الأتراك بـ “العمق الاستراتيجي”

عموماً، لا توفر تركيا جهوداً في سبيل احتواء القضية الكردية وفق المعايير الموضوعة من قبلها مستخدمةً جميع الأساليب الممكنة دون النظر إلى شرعية تلك الأساليب أو تطابقها مع القوانين والأعراف، فهي غالباً ما تلجأ إلى استخدام الأساليب الأقرب إلى المافيوية، والتاريخ التركي الحديث مليء بالشواهد على الأحداث التي تؤكد لجوء تركيا إلى الأساليب اللاقانونية، كمحاولة اغتيال بابا الفاتيكان “يوحنا بولس الثاني” ومقتل رئيس وزراء السويد أولف بالمة في العام 1989م، وحادثة سوسورلك التي أدت إلى مقتل عبدالله جاتلي المطلوب للعدالة، والتي أكدت على العلاقة الوثيقة بين الحكومة التركية والعصابات المافيوية، وأخيراً مقتل المناضلات الثلاث: سكينة جانسيز، فيدان دوغان، ليلى شايلمز في باريس.

لقد كان الكرد دائماً مستهدفين في العمليات والأعمال اللاقانونية لإيقاعهم في خانة الإرهاب الذي يستوجب محاربته. فالهدف التركي هو رفض حقوق الكرد بالمطلق، وفي أي بقعةٍ جغرافيةٍ كانت، لما لها من خطورة على الأمن القومي التركي. وهي تدخر دائماً الجهد الأكبر في معركتها لممارسة إرهاب الدولة ضد الشعب الكردي.

ثانياً-التدخل التركي المبكر في الشأن السوري

أحدثت السلطات التركية صدمةً لدى النظام السوري، بسبب انتقاله المفاجئ من الشريك الاستراتيجي إلى قوةٍ تصدر عنها تصريحات معادية للنظام، وهو مالم يكن في الحسبان بالنسبة للنظام السوري الذي حاول تكذيب نفسه في البداية، انطلاقاً من العلاقات القوية بين الطرفين، والتي تطورت لتتحول إلى علاقات شخصية وأسرية بين رأسي الهرم في البلدين، واستطاعت تركيا بانقلابها هذا في موقفها من النظام السوري احتلال مكانة كبيرة لدى القوى المعارضة للنظام، لدرجة أنها أصبحت المظلة الشرعية لجميع الأطراف المعارضة التي اتخذت من استانبول وعينتاب مقرين لهما.

على الرغم من استضافة تركيا لأول مؤتمر للمعارضة السورية، بعد أحداث منتصف آذار 2011، في مدينة أنطاليا السياحية، إلا أنها لم تقطع علاقاتها بالنظام السوري، وظلت على تواصل مستمر مع النظام مستخدماً لغتي التقارب والتباعد في الحين ذاته، حيث أصدرت وزارة خارجيتها في 25/3/2011 بياناً تشدد فيه على العلاقات الراسخة التي تربط تركيا بسوريا.[6] كما بدأت بالتحضير للسيناريوهات المتوقعة لسوريا مستقبلاً، والتي منها سقوط النظام في دمشق في مرحلةٍ مبكرة من الحدث السوري، لذلك حضَّرت خطة لتأمين الحماية للأسد وعائلته في حال حصول تغيير للنظام في سوريا[7]. ومن جهةٍ أخرى عملت على تنظيم المعارضة، فاستضافت نهاية شهر نيسان من العام 2011 مؤتمراً بعنوان “لقاء اسطنبول من أجل سوريا” شاركت فيه أكثر من أربعين شخصية سورية من إعلاميين ورجال أعمال وناشطي حقوق الإنسان[8].

كانت تركيا تعمل في بداية الأزمة السورية على الاستعداد لجميع الاحتمالات بما فيها رحيل الأسد أو بقائه وفشل المعارضة التي كانت تحصل على دعمه تحضيراً لمرحلة ما بعد الأسد. وكان هاجسها الأكبر من حينه القضية الكردية واحتمالات تحصيل الكرد لحقوقهم.

يمكن أن نعزو التدخل التركي العاجل في الأزمة السورية ومسكها للعصا من المنتصف في بداية الأزمة والانتقال التدريجي إلى الرعاية المباشرة لمعظم أطراف المعارضة السياسية والعسكرية إلى مجموعة من العوامل نوردها على الشكل التالي:

آ- الانتقال من الشراكة إلى التبعية

شهدت العلاقات السورية –التركية خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2000م و2010م تطورات كثيرة أسست لحالة شراكة بينهما نتيجةً لعوامل مفروضة من طرفي العلاقة. ففي الجانب التركي، لعب الهاجس الكردي والتوسع التركي باتجاه دول المنطقة دوراً في بناء علاقات شراكة مميزة مع سوريا، أما في الجانب السوري، فقد رأت الحكومة السورية في علاقاتها مع تركيا نوعاً من حماية النظام من الضغوطات الخارجية التي تطورت بشكل أساسي بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في العام 2005م واتجاه أصابع الاتهام نحو سوريا.

تُرجِمت تطور علاقات الشراكة السورية –التركية من خلال مجموعة من النقاط، نذكر منها:

  • إجراء مناورات عسكرية مشتركة في العام 2009م[9]
  • إلغاء تأشيرات الدخول بين الطرفين[10]
  • تطور مستوى التعاون الأمني بينهما، حيث سلمت سوريا خلال الفترة التالية لإتفاقية أضنة 125 عنصراً من حزب العمال الكردستاني لتركيا[11]
  • ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الطرفين من 730 مليون دولار في العام 2000م إلى ما يقارب 2.3 مليار دولار في العام 2010م[12]

لكن أكدت سلوكيات الدولة التركية في علاقاتها مع الجوار إلى أن النظرة التي تبناها أحمد داود أوغلو وروج لها حول تصفير المشاكل مع الجوار لا تنبع من الرؤية التركية العامة، بل مثلت رؤية خاصة لشخصية سياسية وأكاديمية ظهرت في مرحلة توقع بأنها بداية إنطلاقة جديدة في تاريخ الجمهورية التركية، إذ سرعان ما تم إسقاط هذه الرؤية في العلاقات التركية الخارجية أمام الرؤية الحقيقية للجمهورية والمتمثلة بتطوير العلاقات الخارجية في إطار “ميثاق الملّي”. لذلك تنازلت في علاقاتها مع سوريا عن صيغة الشراكة التي شملت مجالات مختلفة، تأتي في مقدمتها المجال الاقتصادي، وانتقلت إلى شكلٍ جديد من العلاقات، تم وضع أسسها في أنقرة بخلق تصور جديد للحالة السياسية والعسكرية السورية، تميزه علاقة تبعية الأطراف المعارضة للنظام في دمشق للقرار التركي، فقامت لأجل ذلك بالسيطرة المطلقة على الائتلاف السوري وحكومتها المؤقتة والفصائل العسكرية الممولة منها والذي يبدو سيطرة الإخوان فيها واضحة، وبالتالي تبدو متناغمة تماماً مع الطموحات التوسعية التركية عبر أدواتها تلك.

ب-توظيف المعارضة السورية ضد القضية الكردية

أدركت تركيا بحكم خبرتها الطويلة في التعامل مع القضية الكردية، منذ بداية الحدث السوري، الأبعاد السلبية لتحصيل الكرد لحقوقهم في سوريا، وانعكاسها على القضية الكردية على أراضيها، وخاصةً عندما اختار الكرد (ممثلاً بحركة المجتمع الديمقراطي) الطريق الثالث في الحدث السوري، لذلك سارعت مباشرةً إلى الاستحواذ على كل مفردات الحدث السوري من خلال التأثير القوي على كافة فصائل المعارضة، بما فيها البعض من الكرد الذين أصبحوا جزءاً من المجلس الوطني السوري، ومن ثم الائتلاف، والذين توقعوا أن الطريق إلى حقوق الكرد يمر عبر إسقاط النظام في دمشق، لذلك عملت تركيا على تجييش الرأي العام للمعارضة السورية ضد الكرد الذين اختاروا الطريق الثالث، ومنعت أي تقارب بينهم وبين أطياف المعارضة الديمقراطية بمختلف السبل، بما فيها تصفية الرافضين للدخول في المظلة التركية.

لقد استطاعت الدولة التركية تحريف مسار المعارضة السورية، وتوجيهها نحو الكرد عبر استخدام  الأساليب التالية:

  • استخدام سياسة الأرض المفتوحة للاجئين السوريين دون قيود.
  • تأمين مقرات للمعارضة السورية على أراضيها، سواءً الائتلاف أو الحكومة المؤقتة المنبثقة عنها.
  • استقطاب الأكاديميين السوريين والسماح لهم بفتح جامعة الزهراء على أراضيها، إضافةً إلى تأمين فرص عمل للبعض منهم في جامعاتها.
  • تمويل الفصائل العسكرية الموالية لها والعاملة وفقاً لتوجيهاتها.
  • استثمار الأعمال والمنظمات التي تعمل في المجالات والمرتبطة باستخباراتها، مثل منظمة IHH.
  • تصفية الأصوات المطالبة بجلاء الحقائق، أو تحييدها بأقل تقدير.
  • التنسيق على مستوى السياسات الدولية عبر تقديم التنازلات للجهات الدولية على الأراضي السورية عبر تأثيرها المباشر على الفصائل الإسلامية المتطرفة. مقابل سعيها للحصول على بعض الضمانات بخصوص عدم منح الكرد حقوقهم.
  • استخدام دوائر الاستخبارات والمؤسسات الإعلامية لإظهار أن الكرد يسيرون في الخط المعارض لحقوق الشعوب السورية.
  • إبعاد الفصائل الإسلامية عن محاربة النظام، وتوجيههم لعفرين، إرضاءً للقوى العالمية التي تعمل الأراضي السورية، وتأتي روسيا في مقدمة تلك القوى.

حققت تركيا بعض النجاح في هذا المجال من خلال تمكنها من السيطرة على الفصائل العسكرية العاملة في محافظتي حلب وأدلب، واستثمارهما ضد القضية الكردية والشعب الكردي، وإلهائها عن محاربة النظام وحلفائه.

ج-تطوير دورها التفاوضي

يلاحق الهاجس الكردي الحكوماتَ التركية من تأسيس الجمهورية، وتعاظم هذا الهاجس بولادة حزب العمال الكردستاني (pkk) وتوسع نفوذه سياسياً وعسكرياً في الخارطة التركيو والشمال كردستانية، إضافةً إلى توسع حاضنتها الشعبية ليشمل جغرافية غير محدودة عالمياً.

لا شك أن هذا التوسع في نفوذ أهم أعداء الدولة القومية التركية بشكلها الإقصائي يجعل من الأخيرة في حالة تخوفٍ دائم من امتداد هذا النفوذ ليشمل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية بأدق تفاصيلها في تركيا. لذلك يظهر التخبط في سياسياتها الاقليمية والدولية تحت تأثير نظرتها السلبية من القضية الكردية، وتخسر نتيجة ذلك بعض مكاسبها السياسية على الصعيدين الاقليمي والدولي. ويبدو مثال الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003م واضحاً. حيث رفضت الدولة التركية استخدام أراضيها ومجالها الجوي لإسقاط نظام صدام حسين خشية تحصيل اكراد الجنوب حقوقهم أو بعضاً منها بتعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تحققت توقعاتها بشأن القضية الكردية في الجنوب، واضطرت للتعامل مع واقع الأمر هناك في إطار سعيها المتواصل لإبقاء القضية الكردية على جغرافيتها في إطار قضيةٍ تسميها “محاربة الإرهاب”

بعد مرور عقد من الزمن على الرفض التركي للسياسة الأمريكية الجديدة في العراق واحتلال القضية السورية لموقع المقدمة من بين القضايا المستجدة في الشرق الأوسط، وخوفاً من تطور القضية الكردية في شمال سوريا سارعت الدولة التركية للتدخل في القضية السورية مبكراً لتأمين سيطرتها على القوى المعارضة، وبالتالي التمسك بزمام التغيرات الميدانية وانعكاساتها السياسية على القوى المتدخلة في الشأن السوري.

لا يخفى أن تركيا قد حققت بعضاً من المكاسب الآنية في تعاملها مع الوضع السوري، من خلال تلاعبها بقضية اللاجئين السوريين على أراضيها، وكذلك تحكمها برسم خرائط توزع القوى العسكرية المعارضة على الأرض، وتمكنت نتيجة ذلك من التأثير على القوى الدولية العاملة في سوريا، وفي مقدمتها “روسيا الاتحادية” التي بدأت بالدخول معها في المفاوضات حول مصير مدينة حلب وشمالها، وكذلك مصير محافظة أدلب.

لم تكن المساومات الروسية مع تركيا في حلب كافية لإشباع النهم التركي في إطماعها داخل الأراضي السورية، نظراً لعدم شمولها لأراضي المنطقة الكردية، التي انطلقت منها المشروع الديمقراطي المقترح لعموم سوريا،والذي يؤدي إلى إنهاء الحلم التركي في سوريا وتوقف كل مشاريعها المخططة استناداً إلى الظرف السوري الذي الذي اختارت فيه تركيا تجييش المعارضة المتطرفة لخدمة مصالحها. لذلك لجأت إلى “روسيا الاتحادية” لتشكيل جبهة مضادة لذلك المشروع وإعادة خلط الأوراق السورية لإطالة أمد المعارك وحالة الفوضى في البلد. عندما أدركتا أن المواجهة المباشرة في شرق الفرات بات مستحيلاً في ظل سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على ثلاث محافظات وبالدعم من قوات التحالف الدولية لجأتا إلى عفرين، الخاصرة الأكثر ضعفاً لقوات سوريا الديمقراطي، مستغلين الصمت الأمريكي تجاه عفرين الواقع خارج مناطق اهتمامها حسب التصريحات الأمريكية.

إذا كانت تركيا قد نجحت دبلوماسياً لفرض معركة عفرين من أجل تحقيق أهدافها في سوريا، فإنها لاقت فشلاً ميدانياً في تحقيق التقدم أمام قوات سوريا الديمقراطية، مما أدى بها إلى اللجوء إلى ممارسة أعمال بعيدة جداً عن قواعد الحرب، وإن لم تكن تلك الممارسات بعيدة عن السلوك الاعتيادي للدولة التركية في تعاملها مع القضية الكردية في شمال كردستان. فلجأت إلى استخدام العنف المفرط ضد المدنيين لتغطية انكساراتها على الأرض.

عموماً، تعد القضية الكردية العقبة الكبرى أمام الطموحات الإقليمية والدولية للدولة التركية، وهي بمثابة الخنجر النازف لجروحها التي لا يمكن لها أن تندمل، ما دامت الرؤية التركية بمختلف حكوماتها منذ تأسيس الجمهورية تقع في بوتقةٍ واحدة، وهي معالجة القضية عبر سياسات إقصائة شاملة، مما يوحي بأن هذه القضية مستحيلة الحل، على الرغم من أن المنطق يفرض ما هو عكس الرؤية التركية، خاصةً وأن الطرف الأساسي في الجانب الكردي من المعادلة الكردية- التركية تطرح الحلول التوافقية لمعالجتها بصورةٍ نهائية.

إن السياسات التركية الراهنة والممتدة بعمقها لعقودٍ خلت كفيلةٌ بأن تنتقل تركيا في سياساتها الداخلية والإقليمية والدولية من أزمةٍ إلى أزمةٍ أكثر عمقاً وحدةً، وتحقق خسارات كبيرة في مواقفها. لذلك فمن المؤكد أن القضية الكردية ستظل الكابوس الثقيل على الحلم التركي مالم تأخذ الأخيرة بجديةٍ في حسبانها أبعاد هذه القضية على عموم الواقع التركي عبر إجراء تقييمات عادلة ومنطقية تفضي في نهاية الأمر إلى معالجتها عبر سياسات تقاربية تؤدي إلى وقف النزيف الشامل للجرح المفتوح منذ أمد ليس بقريب.

[1]-للمزيد من التفصيل انظر: Heper Metin, The State and Kurds in Turkey: The Question of Assimilation, London, Palgrave Macmillan, 2007, pp: 83-110

[2] – عقيل سعيد محفوض، تركيا والأكراد: كيف تتعامل تركيا مع المسألة الكردية؟ دراسة منشورة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مارس 2012، ص: 25

[3] -منظمة العفو الدولية، الأطفال جميعاً لهم حقوق: لنضع حداً للمحاكمات الجائرة للأطفال بموجب قانون مكافحة الإرهاب، لندن، 2010، ص: 16

[4] -مي غصوب وإيما سنكلير ويب، الرجولة المتخيلة: الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط، بيروت، دار الساقي، ط1، 2002، ص: 79

[5] -عقيل سعيد محفوض، تركيا والأكراد: كيف تتعامل تركيا مع المسألة الكردية؟ مرجع سابق، ص: 22

[6] -للمزيد من التفصيل انظر: بيان وزارة الخارجية التركية رقم 82 تاريخ 25/3/2011 من الموقع: www.mfa.gov.tr

[7] -http://English.sabah.com.tr/national/2011/04/26/cia-director-pays-very-cecret-visit

[8] -علي حسين باكير، محددات الموقف التركي من الأزمة السورية: الأبعاد الآنية والانعكاسات المستقبلية. دراسة منشورة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دوحة، ص: 15

[9] -www.brookings.edu/articles/2009/0506_syria_turkey_saab.aspx

[10] -www.todayszaman.com/news_242446-ongoing-crisis-justifies-turkeys-policy-of-engament-with-syria

[11] -www.worldbulletin.net/?atype=haber&ArticalID=74280

[12] -www.mfa.gov.tr/turkey_s-commercial-and-economic-relations-with-syria.en.mfa