الرئيسيةمقالاتالشعب يريد استعادة سوريا

الشعب يريد استعادة سوريا

محسن عوض الله

في السابع عشر من مارس 2011 شهدت عدّة مدن سورية مظاهرات حاشدة عُرفت بـ”جمعة الكرامة”، ضمن موجة ما عُرف وقتها بالربيع العربي الذي انطلق من تونس ثم مصر وليبيا وسوريا.

كانت المظاهرات شأنها شأن دول الربيع سلمية شبابية بدأت بالدعوة للإصلاح ثم تطورات للدعوة لإسقاط النظام.

لم يكُن المتظاهرين مأجورين ولا مدعومون من أي جهاز مخابرات، كانوا شباباً سوريون فقط يسعون لمواكبة الربيع العربي أُسوةً بأقرانهم من مصر وتونس الذين نجحوا بالفعل في تغيير أنظمة بلادهم بمظاهرات سلمية شهد لها العالم كله لها بالرُّقي والتحضُّر.

في ذلك الوقت كانت وسائل الإعلام تتحدث عن المظاهرات بأنها مظاهرات سورية، وكانت مانشيتات الصحف على شاكلة ” شباب سوريون يُمزقون صورة للأسد، متظاهرون سوريون يعتصمون وسط مدينة …إلخ.

كانت الصّفة الوحيدة للمظاهرات أنها سورية، لم يذكُر أيُّ أحدٍ أنَّ سُنَّة سوريا يتظاهرون أو شيعتها يعتصمون، لم تكن المظاهرات كُردية أو عربية أو سريانية كانت سوريّة وسوريّة فقط.

كان الكُردي يقف بجانبه أخوه العربي وبينهما أخوهم السرياني، فلا فرق بين أحدهم فكلهم في النهاية أبناء وطن واحد.

دفع التعامل العنيف مع الثورة السورية بالأحداث لمُنعطف بعيد كل البعد عمّا أراده شباب سوريا، وسعى النظام من خلال هذه المواجهة العنيفة لتفتيت هذه الوحدة وإثارة النعرات الطائفية والقومية.

للأسف نجحت المؤامرة ودبَّت الخلافات ونشأت الائتلافات والتيارات المختلفة، الكل أصبح يدَّعي أنه المُمثل الحقيقي للثورة، وما دونه خونة وعملاء، وتدخلت الدول الإقليمية باحثةً عن مصالحها عن طريق دعم فصيل على حساب آخر وصناعة ألوية موالية لها.

تحوَّلت الثورة السلمية النَّقية إلى احترابٍ أهليٍّ وحرب عالمية بالوكالة بعد أن تدخلت الدول العظمى روسيا وأمريكا في الصراع بحثا عن مصالحها من البترول والغاز الذي تذخَر بهما الأرض السورية.

تفكَّكت عُريُّ الثورة وأصبح العدو ليس النظام القاتل بل هو السوري المختلف في القومية والدين كُردياً كان أم عربياً أم آشوريا.

نجح النظام السوري بتواطؤ عالمي في إفشال الثورة ما مكَّنه من البقاء على سُدَّة الحكم رغم كل الجرائم التي ارتكبها سواءٌ قبل الثورة أو بعدها.

اليوم وبعد ثمانِ سنوات من الثورة السورية وما صحِبها من القتل والدم والنار، ما أحوجَ السوريين لاستعادة المشاهد الأولية لتلك الثورة الطاهرة النقية قبل أن تُدنّسها التدخلات الإقليمية والدولية.

نحتاج لإعادة ذلك المشهد المتحضر في جمعة الكرامة عندما أمسَك شيار الكُردي بيد محمد العربي وميلاد السرياني وهتفوا بصوتٍ واحد “الشعب يريد إسقاط النظام”.

نحتاج للتّطهُّر من دَنس التدخلات والأجندات الأجنبية، وفكّ الارتباط مع كل قوة غير سوريَّة، بعد أن أثبتت الأحداث أن كل القوي الدولية المتصارعة في سوريا ما هم إلّا مصّاصي دماء وسفّاحين ليس إلا، حتى وإن رفع بعضُهم شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فضلاً عن شعارات الإسلام وحماية أهل السنة وغيرها من الشعارات البرّاقة التي يعلمها الجميع.

في سوريا تواطأت تركيا مع روسيا والنظام لقتل العرب هم مساجدهم وكنائسهم في حلب والغوطة، ثم تواطأت روسيا مع تركيا لقتل الكُرد والإيزيديين والسريان وهدم المساجد والكنائس في عفرين.

تواطأ العالم لقتل الشعب السوري بكل مكوناته، فلا توجد قوم

ية أو ديانة لم تقدم شهداء أو مصابين في هذه الحرب التي أشعلتها القوى العالمية من أجل مصالحها.

بعد أن سقطت الأقنعة وانكشفت الحقائق والأهداف الخبيثة للتدخلات الأجنبية بسوريا، أعتقد أن القوى السوريَّة بحاجة فورية لمراجعة نفسها وإعادة النظر في تموضعها وتحالفاتها الإقليمية والدولية، لم يُعد من المنطق الإبقاء على تحالفات ثبُت للجميع استعدادها للتضحية بل والتآمر على حلفائها السوريين وبيعهم في أٌقرب سوق نخاسة.

بالتأكيد لن تسمح تلك القوى المتآمرة على سوريا بممثليها على الأرض السورية بتغيير مواقفها بالسهل بعد أن عمدت خلال سنوات الأزمة السورية إلى تعميق الخلاف مع الشركاء السوريين لمنع أي توافق سوري سوري يُهدّد مصالح تلك الدول المتآمرة.

تبدو كل القوى والفصائل والتيارات والقوميات السورية بحاجة إلى خطوة للخلف، تتناسى فيها خلافاتها مع أشقائها السوريين تتسامح وتغفر وتعفو عمّا حدث معها أو لها من أبناء وطنها السوري.

استمرار الحرب ليس من مصلحة أيّ سوري، فكلُّ يوم يمرُّ على هذه المَحرقة يسقط ضحايا جُدد من مختلف القوميات، نيران القتل لا تُفرّق بين العربي والكُردي والسرياني والكلداني، الكل يسقط ضحايا ومن لم يمُت بالقصف ماتَ لاجئاً مشرداً على حدود دولة أوروبية أو مهجَّراً من قريته السورية كَضحية لسياسة التغيير الديموغرافي التي تُمارسها الدول المتآمرة على الشعب السوري من أجل تحقيق مصالحها.

ختاماً…أيُّها السوريون استعيدوا ذكريات مظاهرات الكرامة، تناسوا خلافاتكم واكسروا قيود القومية والمذهبية، تعالوا إلى كلمةٍ سواء تحفظوا بها دمائكم وأنفسكم وأولادكم، لا حلَّ دولي لقضيتكم، الكُل يريد استمرار المحرقة ببلادكم وليس أمامكم سوى أن تسعوا لإطفاء تلك النيران التي حرقت بيوتكم وشوهت أجسادكم.

أيُّها الكُردي ليس لك إلّا أخاكَ العربي السوري فسامحهُ وأغفر له، أيُّها العربي أخوك الكُردي سوريٌّ مسلم مثلك ليس خائناً ولا ملحداً، فليس للسوري سوى أخيه السوري، عودوا معاً أخوةً وأصدقاءً، عمّقوا أخوة الشعوب السورية، واستعيدوا بلادكم من قوى الشر والدول المتآمرة، اهتفوا معاً “الشعب يريد استعادة سوريا” الوطن الجامع لكل القوميات والشعوب، وعندها فقط تأمنون على أنفسكم وأهليكم.