الرئيسيةمقالاتالكيماوي بين دوما والأنفال

الكيماوي بين دوما والأنفال

محسن عوض الله

قبيل دقائق من انطلاق بث البرنامج فاجأتني الإعلامية الكبيرة أثناء حديثنا عن القضية الكردية ومعركة عفرين بقولها “أنا لا أتعاطف مع الأكراد لأنهم خانوا العراق وتأمروا على صدام”!!

وما أن بادرتُ بتوضيح بعض الحقائق لها عن جرائم نظام البعث بقيادة صدام بحق شعب كردستان والمجازر التي ارتكبها ومئات الآلاف الذين دفنهم أحياء حتى جاء صوت مخرج البرنامج 1 2 3 هواء.

انتهي البرنامج الذي تناولنا فيه القضية السورية وقضية الضربة الأمريكية وغيرها من الأحداث، خرجت من الأستديو مسرعاً ومازال صوت المذيعة يرن في أذني “الأكراد خانوا العراق وتأمروا على صدام”.

كان السؤال الذي يدور في ذهني كيف لإعلامية مثقفة أن تكون معلوماتها التاريخية مشوشة لهذه الدرجة التي تجعلها ترى المجرم ضحية وتعتبر المجني عليه خائن متآمر!

وإذا كان هذا حال الوسط الإعلامي المصري ونظرته للقضية الكردية فكيف بالقواعد الشعبية التي تعتبر وسائل الإعلام مصدرها الوحيد للاطلاع والثقافة!!

صبيحة تلك الليلة حلت الذكرى الثلاثين لمجزرة الأنفال التي سقط فيها أكثر من 182 ألف كردي تم قصفهم بالسلاح الكيماوي ودفنهم أحياء بصحراء العراق، كما تم تدمير أكثر من 5 الأف قرية بإقليم كردستان، وكالعادة غابت ذكري الجريمة عن وسائل الإعلام المصرية والعربية، وكأن الكرد مخفيون من التاريخ كما وصفهم المفكر أوجلان.

ورغم تزامن ذكرى مجزرة الكيماوي ضد أكراد العراق مع حديث العالم عن قصف النظام السوري لمدينة الدوما بالكيماوي وما تبعه من شن عملية عسكرية ضد مواقع تابعة للدولة السورية لم تحاول وسائل الإعلام التذكير بجريمة الأنفال رغم سقوط مئات الآلاف من القتلى قياساً بأحداث الدوما التي سقط فيها أقل من 100 شخص في أعلى التقديرات المعلنة!

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم سنويا بالهولوكست اليهودي الذي يشكك فيه الكثير من المفكرين الأوروبيين، كما يحتفل بذكرى إبادة الأرمن على يد العثمانيين رغم تشكيك الأتراك فيها، يتجاهل المجازر التي وقعت للكرد رغم اعتراف صدام حسين ونظامه بتلك المجازر أثناء محاكمته عقب سقوط النظام.

بالتأكيد يتحمل الأكراد جزء كبير من مسؤولية جهل العالم بقضيتهم فرغم كونهم أكبر أقلية في العالم بلا دولة إلا إن صوتهم مازال ضعيفاً للمطالبة بحقوقهم وربما لم يسمع صداه إلا خلال السنوات الأخيرة.

ما تعرض له الأكراد يفوق بكثير ما لاقاه اليهود والأرمن وكل أقليات العالم التي نجحت في انتزاع حقوقها وإظهار حجم مآسيها وهوما فشل فيه الكرد، ولكن بالتأكيد يبقي للموقف الدولي تجاه الكرد دور كبير في تعميق مآسي تلك القومية التي يبدو أن قدرها أن تعيش مظلومة مدي الحياة.

أعتقد أن الكرد بحاجة لحملات دولية لتعريف العالم بمآسيهم وجرائم الإبادة العرقية التي تعرضوا لها وما أكثرها، على الكرد التحرك على المستوي الدولي والعربي والوصول للشعوب بعد أن تعذر الوصول للأنظمة والحكام.

الكرد مطالبون بتحرك على المستوي الشعبي ومنظمات المجتمع الدولي، وتكوين وفود تطوف الدول العربية توضح لشعوب المنطقة حقيقة القضية الكردية وتزيل كل ما رسخه الإعلام التركي حول الكرد من شبهات واعتبارهم انفصاليون يسعون لتقسيم الدول العربية.

على الأحزاب والمؤسسات المدنية والإعلامية الحقوقية الكردية أن تعزز وتوطد علاقتها بنظيرتها العربية وتدعو الوفود الإعلامية العربية لزيارة كردستان ورؤية المقابر الجماعية لضحايا الإبادة الجماعية من الكرد بما يسهم في صناعة رأي عام عربي ودولي متعاطف مع تلك القومية التي ذاقت الأمرين تحت مزاعم زائفة من حكام وطواغيت الشرق الأوسط.

ولا أجد سوي كلمة أوجلان خير تعبير عن وضع الكرد ” نحن أموات منذ أعوام وهذا الموت ساري المفعول”

ويبقي السؤال متي يفيق الكرد من موتهم، وينهضون من قبورهم ويسمعوا هذا العالم المنافق صوتهم؟