الرئيسيةمقالاتآستانا والتغيير الديموغرافي

آستانا والتغيير الديموغرافي

ازدياد عمليات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي في سوريا تمثل أخطر مخرجات ما اتفقت عليه الدول الضامنة، روسيا، تركيا وإيران تحت ما يسمى اجتماعات آستانا.

ونظرا للحاجة الماسة لوجود رقعة من الأرض على الساحة السورية لاستيعاب هذا الكم الهائل من المهجرين، كان لابد من القيام بعملية عسكرية تركية لقضم هذه البقعة الجغرافية التي ستحقق هدفين أساسيين لأنقرة.

فكانت أرض عفرين هي البيئة المناسبة لتحقيق هذه الأغراض.

إن الهدف الأول كان بالنسبة للمخططات التركية بعيدة الأمد احتلال ما تبقى من الشريط الحدودي الشمالي لسوريا عقب احتلالها أجزاء واسعة بحجة محاربة داعش، التنظيم الذي نشأ وترعرع برعاية الاستخبارات التركية فكان احتلال جرابلس والباب الخطوة الأولى ضمن مخطط استعماري حديث.

وبدأت انقرة بتحقيق الخطوة الثانية من مخططها باحتلال مدينة عفرين ضاربة بعرض الحائط ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية تحت أية ذريعة كانت.

وأما الهدف الثاني من احتلال عفرين وهو الأخطر والأفظع والذي سيكون له تداعيات كبرى في ديمغرافية المنطقة.

توطين سكان المناطق الذين خرجوا من ديارهم في الغوطة والقلمون الشرقي وربما لاحقاً حمص وحماه ليكونوا مواطنين جدد عوضاً عن السكان المحليين لعفرين وما حولها.

في ظل عدم السماح لأهالي عفرين بالعودة لقراهم وبيوتهم والمعاملة اللاإنسانية واللاأخلاقية التي يتم التعامل بها مع بعض العائلات التي حالفهم الحظ بالرجوع بعد دفع الكثير من الإتاوات لمجرد عودتهم بعد انتهاء القصف والحرب السوداء.

إن ما يحاول أردوغان القيام به هو اجتثاث مكون سوري، هو جزء من النسيج الاجتماعي السوري واستبداله بمكون سوري آخر، مستغلاً الحالة الإنسانية للمهجرين وضعفهم وقلة خياراتهم وحيلتهم.

فرفض أن تذهب الحافلات إلى جرابلس وتم إجبارهم على النزول في جنديرس وفتح لهم كل عفرين وريفها وتم إغرائهم بالكثير خاصة بعد رفض بعض المهجرين من دخول بيوت ليست بيوتهم.

إن الغاية الأساسية هي خلق كيان جديد ملاصق للحدود التركية يكون متماشياً وراضخاً للأجندات التركية بحيث يبقى كعصا بيد الاستخبارات التركية تلوح بها عندما يحين الطلب وتكسرها عندما تنتهي مهمتها.

وتكون أنقرة قد كسبت موطئ قدم لها في سوريا لتضمن دوراً في أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية.

إن اجتماعات آستانا وتداعياتها كان لها اثراً بالغ الخطورة في رسم خارطة ديمغرافية جديدة تستهدف النسيج السوري بكل مكوناته.

ولعل الأتراك كانوا الرابح الاكبر عبر تحقيق مصالح كانوا يحلمون أن يحققوها بمفردهم.

إن الصفقات السياسية ضمن الدول الضامنة – كما تسمى – باتت واضحة لاسيما أيضاً الخلافات التي تزداد وتتعمق بين الفينة والأخرى.

آستانا هو مجرد بازار سياسي على الأراضي السورية والسوريون ضحية هذه البازارات القذرة.

ويخطئ من يظن أن الحل السياسي ممكن أن يبصر النور دون عودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم ضمن أي تسوية سياسية مقبلة.

ممكن للحرب أن تتوقف رحاها في أية لحظة وتخمد المدافع وأصوات الرصاص.

أما أصوات المهجرين واللاجئين لن تهدأ إلا بعودتهم لمدنهم وذكرياتهم المعلقة على جدران منازلهم.

ولن تحل أزمتنا السورية دون وضع شرط عودة النازحين والمهجرين لمدنهم وقراهم.

حسين عثمان